الحزب الشيوعي الصيني - أرشيفية

غسان ديبة في “منتدى وانشو” الصيني: الديمقراطية الرأسمالية في أزمة

الصين:

بدعوة من الدائرة الدولية في الحزب الشيوعي الصيني، يشارك وفد من الحزب الشيوعي اللبناني، والمؤلف من عضو المكتب السياسي، غسان ديبة، وعضو لجنة العلاقات الخارجية ولجنة التثقيف، مفيد قطيش، في أعمال فعاليات زيارة “وفد مراكز الأبحاث في الدول النامية” الى الصين الشعبية، بين 21 مارس/اذار الجاري، و1 نيسان/أبريل المقبل.

وفي هذا الإطار، شارك الوفد في لقاءات ضمته والوفود المشاركة مع مسؤولين في الحزب الشيوعي الصيني حول مواضيع عديدة أبرزها مبادرة الصين الشعبية “الحزام الاقتصادي لطريق الحرير” التي أطلقها الرئيس الصيني شي جنغ بينغ في عام 2013 وعملية البناء الحزبي ونتائج عمل الحزب في حملة مكافحة الفساد التي أطلقت منذ المؤتمر الثامن عشر في عام 2012.

كما تم دعوة الوفود من قبل نائب وزير الدائرة الدولية للحزب الشيوعي الصيني، جوو يازو، الى اجتماع في 23 مارس/آذار تمت فيهما عرض من قبل السيد يازو ومناقشة للتطورات على الصعيدين الداخلي والدولي.

وعلى هامش اللقاءات، عقد وفد الحزب الشيوعي اللبناني لقاءاً خاصاً مع مسؤولة قسم الشرق الأوسط في الدائرة الدولية للحزب الشيوعي الصيني والوفد المرافق تم فيه عرض العلاقات الثنائية بين الحزبين وسبل تطويرها في المستقبل القريب وقد أبدى الوفد اللبناني امتنانه العميق للطرف الصيني على الدعوة وعلى عمق التقدير الذي يكنه الحزب لدور الصين الشعبية ولمسيرتها في بناء الإشتراكية ذات الخصائص الصينية. كما أبدى الجانب الصيني تقديره للعلاقة التاريخية بين الحزبين واتفق الجانبان على التعاون في عدة مواضيع واستمرار التواصل على جميع المستويات.

وضمن فعاليات “منتدى وانشو” الذي يعقد سنويا في بكين بتنظيم من الدائرة الدولية في الحزب الشيوعي الصيني والذي كان عنوانه هذه السنة “أزمة الديمقراطية الليبرالية: المعضلات والحلول”، القى الدكتور غسان ديبة، في 24 مارس/آذار مداخلة بعنوان “الجذور الاقتصادية لأزمة الديمقراطية الرأسمالية” في حضور مدير الأبحاث في الدائرة الدولية للحزب الشيوعي الصيني وأعضاء من الهيئات التعليمية في الجامعات الصينية ومن السلك الدبلوماسي والوفود المشاركة وغيرها.

نص المداخلة:

لمدة طويلة قبل يومنا هذا اعتقد البعض ان هناك علاقة أبدية أو لا تاريخية بين الرأسمالية والديمقراطية. ففي رؤية هؤلاء، تضمن الأسواق الحرة والمنافسة والملكية الخاصة أن تكون الديمقراطية نتاجا ثانويا للنظام الاقتصادي الرأسمالي. وقد اكتسبت النظرية هذه مكانة بارزة في الثمانينيات وخصوصاً في فترة ما بعد عام 1989 لتصبح ليس فقط وجهة نظر القلة، بل المبدأ الذي يجب على المليارات حول العالم الالتزام به من بريطانيا تاتشر حيث أضحت “الرأسمالية الشعبية” هي الرد على الاشتراكية وصولاً الى اعتناق العالم نظريات فوكوياما حول نهاية التاريخ وانتصار الديمقراطية الليبرالية.

 

 

أما اليوم، فمن الشائع بين الاكثرية أن الرأسمالية في أزمة، بل أن الديمقراطية الليبرالية أو الديمقراطية الرأسمالية هي أيضا في أزمة. يقول ريتشارد بوزنر، المنظر القانوني الاميركي المحافظ في كتابه “أزمة الديمقراطية الرأسمالية”، ان “الديمقراطية تجعل من الصعب السيطرة على التقلبات الاقتصادية دون ان يؤدي ذلك الى أضرار اقتصادية طويلة الأجل” وأضاف أن “هذه الأضرار تشمل الدين العام الهائل الناجم عن انخفاض الإيرادات الضريبية في مراحل الركود والنفقات الهائلة التي تتكبدها الحكومات في مكافحة هذا الركود …. وهذه التطورات تتفاعل مع عجز الدولة عن خفض برامج الإنفاق القائمة سابقاً، والإصرار على أن يتم تمويل برامج جديدة مكلفة، وتتفاعل ايضا مع عدم مقدرة الدولة على الحد من نمو برامج الانفاق الاستحقاقية ومع عدم مقدرتها على رفع الضرائب. إذا، كل هذه المعضلات تشكل أزمة الديمقراطية الرأسمالية على الطريقة الأمريكية”.

 

 

سأستخلص من هذا الاقتباس بعض الاستنتاجات الأولية، التي بالمناسبة قد يوافق او لا يوافق بوزنر عليها، وهي برأيي تحدد أزمة هذا النمط الأمريكي الرأسمالي:

أولا، ان الكينزية، في حين أنها تشكل حلا من خلال تدخل الدولة في اوضاع الركود والكساد في الاقتصاد الرأسمالي، الا انها ليست حلا “دائما” لأنها تخلق اضرار جانبية كمشاكل الديون والعجز التي قد تتراكم على مر السنين.

ثانيا، هناك مطالب متنافسة مزمنة في الاقتصاد من مختلف الفئات حول الضرائب، والاستحقاقات للمجموعات المختلفة مثل المتقاعدين والعاطلين عن العمل وغيرهم، وحول الإنفاق على الرعاية الاجتماعية وكل هذه المطالب لا تجد لها حلولا مثلى ودائمة وتتعارض مع الكفاءة الاقتصادية للراسمالية.

ثالثا، ان الديمقراطية على النمط الأميركي التي تشوبها الضغوطات الانتخابية المستمرة، وآفاق السياسيين القصيرة الأجل، وتأثير جماعات الضغط السياسية، لا يمكن أن تحل هذه المشاكل بطريقة فعالة. وبالتالي، فإن هذه المشاكل تميل إلى التراكم.

ومع كل ذلك، ففي الوقت الذي كان يكتب فيه بوزنر في عام 2010، لم يكن قد اتضحت بعد ما هي الأشكال السياسية التي ستتخذها أزمة الديمقراطية الرأسمالية وما الذي ستتطور إليه؟

واتفق معظم المراقبون، على أنها ستكون فقط ازمة نظام سياسي متصلب لن يكون قادرا على تقديم “حلول تقنية” للمشاكل التي تواجهها الاقتصادات الرأسمالية وتلك الناجمة عن عجز النظام السياسي الليبرالي عن اختيار الخيارات الصحيحة، او تلك من بين الخيارات المتاحة المتنازعة عليها لحل هذه المشاكل، كما يمكن أن يفهم من تشخيص بوزنر نفسه.

في المقابل لربما رأى عدد قليل من الناس أن الأزمة ستتخذ أشكالا أكثر شراسة مثل صعود الشعبوية اليمينية كالتي ادت في نهاية المطاف إلى انتخاب دونالد ترامب في عام 2016 مستندا الى برنامح شعبوي محدد تجاوب معه الشعب الاميركي.

وعند ظهور هذا التهديد الشعبوي للديمقراطية الليبرالية بدأت النظريات حول اسباب ظهوره تتضاعف بشكل كبير. واتخذ البعض منها شكل جمع مؤشرات سياسية أو اقتصادية أواجتماعية أو نفسية بسيطة. وللمفارقة، حتى المصرفيين اتوا بتفسير خاص بهم! فقد نشر بنك دويتشه مؤخرا دراسة تأخذ أربعة مؤشرات تدعي تفسير ارتفاع منسوب الشعبوية كمنتج ثانوي لتغير المشاعر العامة منذ الثمانينيات. وهي: مقارنة الرأي العام في بلد ما لحالة بلدهم إزاء البلدان الأخرى؛ مستوى الشعور الشخصي بالخسارة والتراجع؛ ارتفاع الدعم للأحزاب اليمينية واليسارية “الاستبدادية”؛ وتطور عدم اليقين في السياسات الحكومية. وبطبيعة الحال، فإن مثل هذه المؤشرات مفيدة إلى حد ما ولكنها لا تخدش إلا سطح هذه الظاهرة. فعلى الرغم من ان التفسيرات كتلك المشتقة من بوزنر ومن مؤشرات بنك دويتشه، تحمل عناصر من الاقتصاد أو السياسة التي تفسر الأزمة أو حلها الشعبوي الا انه برأيي فقط في سياق تطور البنى الاقتصادية للرأسمالية وفي صعود وهبوط الكينزية يمكننا أن نفهم بشكل معمق الأزمة و”حلها”.

وهنا اريد ان ان اتقدم بفرضية: أن الأزمة الحالية للديمقراطية الليبرالية ما هي الا نتاج تاريخي لأزمة التنظيم الكينزي للرأسمالية، وهو التنظيم الذي حول عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي الذي شهدته سنوات ما بين الحربين العالميتين الاولى والثانية الى استقرار ما بعد الحرب؛ وهي الفترة التي أطلق عليها اسم: العصر الذهبي للرأسمالية.

هذا النظام المستقر والعصر الذهبي انتهيا سوية في السبعينيات. فأتى النظام النيوليبرالي كبديل عن التنظيم الكينزي فحول “الاقتصاد الرأسمالي” إلى نظام غير مستقر فانفجرت الازمات وتوالت منذ ذلك الوقت وهنا اذكر اكثرها: أزمة ديون أميركا اللاتينية وأزمة مؤسسات الاقراض والادخار في الولايات المتحدة في الثمانينيات؛ والأزمة الآسيوية وأزمة “التكيلا” في المكسيك في التسعينيات؛ والأزمة في الأرجنتين، وانهيار أسهم التكنولوجيا وشركة إنرون في الولايات المتحدة في بداية القرن الواحد والعشرين. وأخيرا، بلغت فترة عدم الاستقرار ذروتها في الأزمة المالية والإقتصادية لعام 2008، وهي كما تعلمون أعمق الازمات في الاقتصادات الرأسمالية منذ الكساد الكبير في 1929. ولم يكن عدم الاستقرار هذا، على الرغم من اهميته الكبرى، هو التغيير الوحيد في البنية الاقتصادية الراسمالية الذي نجم عن أزمة الكينزية.

وهنا سأذكر هذه المتغيرات الأربعة الكبرى:

1. ارتفاع منسوب عدم المساواة. فوفقا ل توماس بيكيتي في كتابه “رأس المال في القرن الحادي والعشرين”، كان هناك عكس لما يعرف “منحنى كوزنيتس” (اي ان المساواة تزيد مع التقدم الاقتصادي) في الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة منذ الثمانينيات والعودة إلى ديناميات عدم المساواة في الثروة والدخل التي طبعت الراسمالية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ويتفق العديد من الاقتصاديين مع تشخيص بيكيتي هذا بما في ذلك أنتوني أتكينسون وجوزيف ستيغليتز. وهذه الزيادة الكبيرة في التفاوت الاجتماعي كان لها تأثير سلبي كبير. ويعدد جوزيف ستيغليتز في كتابه “كلفة عدم المساواة” هذه التكاليف الاقتصادية والسياسية في الاقتصاد الأمريكي. وتشمل التكاليف انخفاض الإنتاجية وانخفاض النمو وانخفاض الكفاءة وعدم الاستقرار الاقتصادي بالإضافة إلى تآكل الهوية وتقويض المؤسسات الديمقراطية وسيادة القانون في هذه الدولة الديمقراطية الاولى في العالم.

2. التغير في البنية الطبقية. ان ازدياد التفاوت، كان له تأثير على البنى الطبقية ومكاسب وخسائر الطبقات المختلفة في الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة. فكان هناك صعود نخبة راسمالية ومالية أو بلوتوقراطية جديدة حيث ان 1٪ في الولايات المتحدة تأخذ أكثر من 20٪ من الدخل (قبل 1980s أخذوا 9-10٪)، والرؤساء التنفيذيين الأميركيين يكسبون 200 ضعف متوسط ​​الأجر في الولايات المتحدة. وبالإضافة إلى كل ذلك، فإن الوظائف المستقرة ذات الأجور العالية في الفترة الكينزية قد انتهت. وينقسم سوق العمل الآن بين الوظائف ذات المهارات العالية ذات الأجور المرتفعة مقابل الوظائف المتوسطة إلى المنخفضة المهارة التي تعاني من تدني الدخل وعدم الامان الوظيفي.

وأدى كل ذلك إلى نهاية الحلم الأميركي للكثيرين في الولايات المتحدة وفي أماكن أخرى نهاية الحلم بالانتماء للطبقة المتوسطة ذات القدرة على العيش برفاهية كتلك التي عاشتها في فترة العصر الذهبي للراسمالية، ولا يمكن لأي جرعات من وعود “الرأسمالية الشعبية” ولا “مجتمع الملكية” أن تغير من ذلك الواقع المرير.

3. عودة الاقتصاد السياسي. إن التخلي عن الحل التقني”الكينزي” أدى إلى عودة “الاقتصاد السياسي” كما قال روبرت رايش، وزير العمل في ادارة كلينتون، في كتابه ” إنقاذ الرأسمالية” مع تعريفه للاقتصاد السياسي بأنه “دراسة كيف ترتبط قوانين المجتمع والمؤسسات السياسية بمجموعة من المثل الأخلاقية، التي يكون التوزيع العادل للدخل والثروة موضوعا محوريا فيها”. ومع اهمية ذلك التعريف، الا ان ما لم يقله رايش هو أن عودة “الاقتصاد السياسي” وانتهاء الكينزية يعيدا معهما عودة الصراع الطبقي الى المقدمة وظهور التطرف السياسي الذين طبعا فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية. فالكينزية “التقنية” ترافقت ايضا مع تغييرات عميقة اقتصادية واجتماعية وسياسية تمثلت بـ: الفوردية او ربط الاجور بالانتاجية الذي سمح بزيادتها بشكل كبير، وقيام دولة الرعاية الاجتماعية، وصعود الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية التي وفرت للطبقة العاملة منافع اقتصادية واجتماعية وسياسية مما دفعها للتخلي عن الحلول الثورية للمشاكل الرأسمالية. اما اليوم، في هذه الحقبة الجديدة، ضربت هذه المتغيرات بشكل كبير، وإن متفاوت، ففككت علاقات الاجر الفوردية وضعفت دولة الرعاية الاجتماعية. اما الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية، التي اصبحت سياساتها مبنية على اسس إدارية وتقنية وتحولت الى الوسط وبررت السياسات النيوليبرالية، بدلا من وضع سياساتها على الاسس الطبقية، اصبحت غير قادرة على التكيف الايجابي مع هذه التغييرات كما ذكر بوضوح تقرير منتدى دافوس هذا العام!

4. العولمة والتغير التكنولوجي. كانت العولمة جيدة لرأس المال والبلوتوكراتيين ولكنها كانت سيئة بالنسبة للعمال في الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة. وأدى ذلك، مثالا، إلى التحولات السياسية في تصويت مناطق تركز الطبقة العاملة في الولايات المتحدة وبريطانيا لترامب ولخروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي. وبالإضافة إلى ذلك، بدأت التغيرات التكنولوجية المتجسدة في صعود الذكاء الاصطناعي والروبوتات لتحل مكان العمال بوتيرة سريع، تهدد الآن ليس فقط الوظائف ذات المهارات المتدنية ولكن في هذا العصر الثاني من الآلة، العمل الماهر. وهذا أيضا ما يعمق من الازمة البنيوية للراسمالية.

ختاماً، أريد أؤكد ان تراجع الكينزية أدى الى كسر العصر الذهبي كله. كما إن التغيرات في البنى الاقتصادية والاجتماعية التي رافقت هذا التفكك أدت إلى التغيرات السياسية الراهنة والى أزمة الديمقراطية الليبرالية وصعود الشعبوية اليمينية. لكن هذا لم يقتصر فقط على المستويات الوطنية ولكن أيضا على الصعيد الدولي باشكال مختلفة. ولذلك نشهد اليوم أيضا صعود الإرهاب العالمي وتدمير الدولة القومية كما يحدث في العالم العربي، وظهور الحركات القومية المتطرفة واخيرا تزايد وتيرة النزعة العسكرية الإمبريالية في أنحاء العالم كله.

المصدر: اليسار اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons