كلمة المنسقة العامة للقاء اليساري العربي في مؤتمر اللقاء الثامن بتونس

تونس:

بحضور أحزاب اشتراكية وشيوعية عربية، استضاف حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد التونسي، المؤتمر الثامن للقاء اليساري العربي، تحت شعار “فلسطين: مائة عام من المقاومة”، وذلك أيام 24، 25 و26 مارس/آذار الجاري.

وألقت د. ماري ناصيف – الدبس، المنسقة العامة للقاء اليساري العربي، كلمة جاء فيها:

الصديقات والأصدقاء،

الرفيقات والرفاق،

أسمحوا لي، بداية، أن أشكر الرفيقات والرفاق في حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد لتنظيمهم هذا أللمؤتمر، وأن أخص بالشكر الرفيقين زياد الأخضر ومحمد جمور والرفيقة أسماء الأمين والمجموعة التي حضّرت وتعبت لكي نستطيع أن نكون هنا معا من أجل فلسطين وشعب فلسطين والحركة الأسيرة فيها و”أطفال الحجارة” وكل المقاومين الأبطال الذين يحاولون صياغة مستقبل مشرق لشعوبنا وشعوب العالم أجمع، مع رفاق لهم انتفضوا وثاروا على امتداد الوطن العربي، ومنهم رفاقنا في تونس ومصر.

الصديقات والأصدقاء،

الرفيقات والرفاق،

شكّلت القضية الفلسطينية، إلى جانب بناء حركة تحرر وطني عربية جديدة، أحد المرتكزين الأساسيين في تأسيس “اللقاء اليساري العربي” الذي انطلق في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2010، قبل أشهر قلائل على الثورتين التونسية والمصرية. بل وكانت قضية فلسطين طليعة القضايا التي بحثت فيه، إذ احتلّت المحور الأول من باكورة أعماله تحت عنوان “تنظيم المواجهة الوطنية للعدوان والاحتلال والسيطرة الإمبريالية والصهيونية”، هذا العنوان الذي أكّد على ضرورة وحدة اليسار في تلك المواجهة، بالارتباط مع عنوانين آخرين: دور الطبقة العاملة وارتباط النضال الوطني بمعركة الدفاع عن الديمقراطية والحرية والمساواة.

ومن يقرأ بيانات “اللقاء اليساري العربي”، منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا، يدرك أهمية تلك القضية ودورها، بعد الأزمتين اللتين أصابتا حركة التغيير العالمية وحركة التحرر الوطني العربية، في إعادة جمع شمل قسم مهم من اليسار العربي الذي يعتبر أن الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي يشكّل محور الصراع العام في المنطقة العربية، لكون الكيان الصهيوني ركيزة وأداة للقوى الامبريالية في المنطقة. لذا، كان التأكيد على الموقف المبدئي الذي يعتبر القضية الفلسطينية قضية مركزية للعالم العربي، واستطرادا على ضرورة تقديم الدعم اللامشروط للشعب الفلسطيني وتأكيد حقّه في مقاومة الاحتلال بالأشكال كافة، وأعلاها المقاومة المسلحة، ورفض كل أشكال التطبيع مع العدو، وحقه في العودة وإقامة دولته الوطنية وعاصمتها القدس.

ولعنوان مؤتمرنا وتاريخه أهمية كبرى. “فلسطين: مئة عام من المقاومة”.

فمنذ مئة عام، تجمعت أحداث ثلاثة كبيرة غيّرت مجرى التاريخ، ليس فقط في منطقتنا العربية، بل وفي العالم. وهي لا تزال تلقي بظلالها على عالمنا المعاصر، إن من حيث التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي رافقتها أم من حيث ارتباط عاملي السلم والحرب بها بصورة مستمرة، أم خاصة من حيث الأفق الذي فتحته ويمكن أن تعود لفتحه أمام البشرية المناضلة للخلاص من العدوانية الرأسمالية وما خلّفته من ظاهرات فاشية وإرهابية، بدءا بأشكال إرهاب الدولة الذي يمثله الكيان الإسرائيلي.

هذه الأحداث هي، بحسب تسلسلها:

أولا، “اتفاقية سايكس – بيكو” (1916) الجامعة بين الاستعمارين البريطاني والفرنسي، ومعهما روسيا القيصرية، والهادفة إلى تفتيت منطقة الشرق الأوسط الإستراتيجية ووضع اليد عليها سياسيا واقتصاديا، وبشكل خاص على ما تختزنه من مصادر أساسية للطاقة وما تشكله ممراتها المائية (وبالتحديد قناة السويس) من طرق نقل تلك المواد الإستراتيجية إلى العالم.

ثانيا، وعد بلفور الذي شكّل بداية النفق المظلم لشعوبنا، وإن لم ينفّذ إلا بعد ثلاثين عاما على اتفاق ممثلو بريطانيا العظمى مع الحركة الصهيونية العالمية. فالوعد بفلسطين متعدد الأهداف والمطامع، بدءا بفصل الفرنسيين المتواجدين في سوريا ولبنان عن قناة السويس، مرورا بتطويع الحركة الصهيونية في القتال إلى جانب بريطانيا، وانتهاء بالاستفادة من أموال مؤيدي هذه الحركة، وفي المقدمة منهم البارون روتشيلد.

ثالثا، ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا. وهي التي فضحت الاتفاقيتين وأهدافهما، عبر نشر محتوياتهما؛ غير أن القيادات العربية التابعة تغاضت عن الأمر وتكتّمت عليه في سعيها لإقامة دويلات خاضعة لسيطرتها وتابعة لمشيئة المستعمر. كما تغاضت بعد ثلاثين عاما عن تنفيذ “وعد بلفور” ولم تمد يد المساعدة من أجل منع احتلال فلسطين وتهجير أهلها وتقسيمها. بل إن “النكبة”شكّلت بالنسبة لها، وحتى لبعض الأنظمة التي نشأت بفعل دحر الاستعمار، حجة لقمع الشعوب العربية وقهرها، ومنع التنمية، وصولا – بالنسبة لبعضها – إلى مواجهة حركة المقاومة الفلسطينية والعربية بكل وسائل وأساليب الترهيب والترغيب.

وتجدر الإشارة إلى أننا، إذ نستعيد هذا الماضي بأحداثه الجسام، إنما نفعل من أجل فهم الحاضر واستشراف المستقبل، ووضع الخطط الواضحة التي تساعد في عدم تكرار مجريات الأحداث التاريخية بنسخة جديدة. ذلك أننا، ومنذ سقوط التجربة التي حققتها ثورة أكتوبر في الاتحاد السوفياتي والبلدان الاشتراكية الأخرى، نعيش مرحلة استعمارية جديدة، اسمها “الشرق الأوسط الجديد”، الممتد، ليس فقط على هذا الشرق وصولا إلى أفغانستان وباكستان، بل يطال كذلك، بالإضافة إلى المشرق العربي، كل بلدان القرن الأفريقي والمغرب العربي؛ هذا الشرق الأوسط، بحسب الإستراتيجية الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة الموجّه الجديد للصهيونية منذ نشوء الكيان الإسرائيلي، سيكون مسرحا لانقسامات دينية وطائفية وإثنية بدأت ملامحها تتجسّد في محاولات تقسيم العراق وسوريا، وقبلهما لبنان والسودان، ومصر وليبيا واليمن من بعدهما… بما يفسح في المجال إلى إعادة تركيز الدور المعطى أساسا للكيان الإسرائيلي في منع تحرر الشعوب العربية، وشعوب المنطقة المذكورة عموما، واستعادة سيطرتها على ما تختزنه أرضها من ثروات وما تشكله منطقتها من موقع أساسي اقتصادي وجيو – استراتيجي تتنازع عليه دول المركز الرأسمالي والدول الرأسمالية الناشئة، في ظل الأزمة البنيوية التي تعيشها هذه الدول منذ العام 2002 وخاصة بعد انفجار العام 2008 والتي لا تزال بعيدة عن إيجاد حل لها.

وفهم الحاضر واستشراف المستقبل يدفعنا إلى التوقف عند ما يجري في فلسطين مرة جديدة، خاصة على ضوء النتائج المدمّرة لاتفاقيتي أوسلو (1993 و1995) واتفاقية وادي عربة (1994) وما تلاهما من مشاريع تأخذ تارة اسما عربيا وطورا فرنسيا أو دوليا. إلا أن أخطر تلك المشاريع على الإطلاق يكمن في تجديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في أواسط شهر فبراير/شباط من بدايات هذا العام 2017، للوعد المزدوج الذي كان قد قطعه للمجموعة الأكثر تطرفا في “لجنة الشؤون العامة الأميركية – الإسرائيلية” بنقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس وبجعلها عاصمة موحّدة لكيان موحّد، هو “دولة اليهود في العالم”، أو “الوطن القومي اليهودي”. وهكذا، وبعد مئة عام على “وعد بلفور”، جاء “وعد ترامب” ليعيد الأمور إلى نقطة الصفر، بالاستفادة من الأنظمة والقوى الرجعية العربية إلى جانب الانقسام الطائفي الذي غذته تلك القوى وموّلته، بتوجه من الولايات المتحدة نفسها وباعتراف من وزيرة خارجيتها الأسبق هيلاري كلينتون، ليتحوّل إلى مجموعات إرهابية انتشرت في كل البلدان العربية كما انتشر قبلها “تنظيم القاعدة” الذي استخدمته وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية CIA في المغرب والمشرق العربيين في تسعينيات القرن الماضي، إثر الحرب في أفغانستان.

أما الاستنتاج السريع من كل ذلك، فهو أن فلسطين عادت إلى دائرة الخطر الشديد، خاصة مع تصاعد موجات القمع والاستيطان المترافقة مع قوانين جديدة للجنسية والمدعومة بتدابير تسهّل تفلت الحركة الاستيطانية الصهيونية من أية شروط مسبقة، سندا إلى تصريح وزير العلوم والتكنولوجيا الإسرائيلي القائل أن “أرض إسرائيل ملك للشعب اليهودي. وهذا حقا أبديا وغير قابل للجدل”.ولا ننسى الموقف الملتبس للسلطة الفلسطينية الذي سهّل على للكيان الإسرائيلي، منذ اتفاق أوسلو وحتى يومنا هذا، تنفيذ العديد من جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية، في كل المناطق الفلسطينية الواقعة تحت الاحتلال ومنها بالتحديد قطاع غزة المحاصر.

هذه المجريات كلها، والتي ترافقت منذ بداية الألفية الثالثة مع العدوان المتمادي على لبنان ومع الدعم اللوجستي الذي تقدمه حكومة نتنياهو للقوى الإرهابية في العالم العربي، خاصة على الحدود السورية – الفلسطينية، ومع التواجد الإستخباري الإسرائيلي في جنوب السودان وبعض المناطق الأخرى في المشرق والمغرب العربيين، هي التي دفعت إلى عقد مؤتمرنا هذا وتحديد شعاره والعناوين الأساسية لجلساته. وهي التي دفعت، بالاستناد إلى طبيعة المرحلة، باتجاه طرح شعار “المقاومة العربية الشاملة” للمشروع الامبريالي الجديد… هذه المقاومة التي يمكن لها أن تجمع كل القوى التي تسعى إلى التغيير خارج النظام الرأسمالي، بدءا بالقوى المدافعة عن الشعارات السياسية التي حملتها ثورتا تونس ومصر، ووصولا إلى كل القوى التي حملت شعار منع “مشروع الشرق الأوسط الجديد”، التفتيتي، من التقدم. وهنا، لا بد من التركيز على مسؤولية اليسار العربي في تسريع تشكّل هذه المقاومة باتجاه إنجاز مهمة إطلاق مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية وإعادة صياغة قضية فلسطين وكل ما هو متعلق بالصراع العربي – الصهيوني.

الصديقات والأصدقاء،

الرفيقات والرفاق،

نقاشكم لهذه المواضيع خلال الأيام الثلاثة المقبلة سيساعد، دون أدنى شك، في بلورة البرنامج النضالي المرحلي المشترك على الصعيدين العربي والعالمي.

أتمنى لمؤتمرنا النجاح وأشكر حضوركم ومساهماتكم.

المصدر: اليسار اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons