الرأسمالية ودقات نهاية الساعة

كتب : عمرو عمر*

منذ سبتمبر/أيلول 2008 وتعيش الرأسمالية فى أزمة خانقة لم تستطع الخروج منها بالرغم من استخدامها لكافة الوسائل المتاحة لها للخروج من انهيارها والدعايات المركزة أن الأزمة فى طريقها للحل إلا أن الواقع أصبح أكثر إيلاما فكل الخبراء أجمعوا على فشل كل منظومات الإصلاح طالما أن العصب الأساسي للرأسمالية الجديدة التي انطلقت منذ تسعينات القرن الماضى لم تتغير، فالتحول الذي حدث فى بنية الاقتصاد الرأسمالي بتحولها من رأسمالية إنتاجية إلى ورقية أسقطها فى هوة عميقة وكشف زيفها.

يقوم الاقتصاد الرأسمالى فى كلاسكياته على الإنتاج الكبير وتحقيق أكبر قدر من الربح من خلال عائدات بيع الإنتاج إلا أن اليوم أصبح الجانب الأكبر منه لا يأتي من العمليات الإنتاجية ولكن من خلال مضاربات ورقية بدون بضائع مما أدى إلى إنخفاض الوزن النسبى للعملات على مستوى العالم نتيجة لزيادة التضخم فحجم الأموال المتداولة ورقياً تزيد بأضعاف أضعاف المخرج الانتاجى من البضائع الفعلية ولتحقيق التوازن بين الأموال المتداولة من خلال البورصات ومضاربتها وبين الأرباح الموزعة على المساهمين الكبار لم يكن أمام الحكومات سوى مزيد من ضخ الأموال المطبوعة بدون غطاء إنتاجي حقيقى فى ظل استبعاد قانون الغطاء الذهبي للعملة فلم يعد هناك توازن بالمعنى المعروف بين الأموال المطبوعة وحجم التداول السلعي.

أثناء الإنتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة خرج علينا “دونالد ترامب” بتصريح يعتبر عودة للمفاهيم القديمة بانتقاده للأساليب الاقتصادية الحالية وضرورة العودة للرأسمالية الإنتاجية وعدم السماح لخروج الأموال للخارج و دفع الشركات في الاستثمار داخلياً، هذا التصريح احدث ضجة كبيرة في الأوساط الاقتصادية خصوصا وأنه تزامن في نفس الوقت مع مؤتمر دافوس فجاءت تصريحات المجتمعين هناك تنتقد “ترامب” وتصف ما قاله بالكارثة و هذا حقيقى فالعودة إلى النظام القديم سيقلص دور الشركات العالمية ويضعها تحت مقصلة الحكومات المركزية مرة أخرى بعد أن أخذت خلال سنوات عديدة تستثمر فى سياسيين واقتصاديين وتدفعهم إلى سدة الحكم لتتحرر من سيطرة الحكومات و الرقابة الشعبية – إذا وجدت -، كذلك عودة تلك المفاهيم معناها سحب عدد كبير من الشركات الكبرى استثماراتها الخارجية خصوصا في الدول النامية حيث الأجور المنخفضة والضرائب المعدومة تقريبا وهذا معناه تقليل حجم الأرباح إلى أدنى مستوياتها، وهذا ما لا تطيقه الرأسمالية فآلية العمل لديها ستختل فجزء أساسي من المنطق الرأسمالي يقوم على مزيد من تراكم رأس المال لا على استهلاكه طمعاً في مزيد من الاستثمارات لتخفيض تكلفة الإنتاج من خلال الدفع بأتمتة العملية الإنتاجية والتخلص من أكبر قدر من العمالة البشرية المكلفة ليس فقط على المستوى المالي ولكن على المستوى السياسي أيضا فهى لا تستطيع العمل في وجود تجمعات عمالية ونقابات قوية لتعود مرة أخرى إلى صراع داخلي قد ينتهي به الحال إلى أن تفقد سيطرتها على الحكومات والشعوب، كذلك فتلك التوجهات التي طرحها “ترامب” ستدفع حكومات الدول التي ستتأثر بسحب الاستثمارات منها إلى العودة مرة أخرى إلى منظومة الاقتصاديات الوطنية ودخول الحكومات العملية الانتاجية وهذا قد يدفع بالتأكيد الكثير من السياسيين في تلك الدول إلى تبني سياسات ليست بالتأكيد اشتراكية ولكنها ستكون اقرب إلى الكنزية وهذا سيضع الشركات الرأسمالية الكبيرة في موضع المنافسة ليس فقط على مستوى جودة المنتج ولكن على مستوى التكلفة الانتاجية فعامل مرونة السعر أقوى من مرونة الجودة خصوصا في المجتمعات الفقيرة، كذلك هذا قد يؤدى إلى صعود الشعور الوطني مرة أخرى إلى السطح لشعوب تم السيطرة عليها إما من خلال نظام حكم فاسد، أو تفجير للنزعات العنصرية الدينية والإثنية بين عناصر تلك الشعوب، فالرأسمالية تعلمت أن الاستعمار العسكري لن يكون ذو نفع ويؤدى فى أغلب الأحيان إلى توحيد الخلافات بين التيارات السياسية والعرقية والدينية في تلك البلاد، ليستبدله باستعمار من نوع آخر يلبس فيه أحد أبناء تلك البلدان ثوب الحاكم ولكنه ليس إلا مندوب للإمبريالية يحكم باسمها وبإرادتها.

الجدير بالذكر أن أكبر الرافضين لاقتراحات “ترامب”كانت جمهورية الصين، فالاقتصاد الصيني ارتبط عضوياً منذ بدايات القرن الحالي بالاقتصاد الأمريكي والرأسمالية العالمية الجديدة، فالاستثمارات الصينية بالولايات المتحدة تعدت الـ 3 ترليون دولار ما بين شراء لسندات حكومية أو استثمارات مباشرة، كذلك وصل حجم التجارة ما بين الدولتين أكثر من 4٫5 تريليون دولار سنويا تميل فيها الكفة لصالح الصين بشكل كبير وهذا سيؤدى إلى تخفيض حجم البضائع المصدرة منها إلى الولايات المتحدة وبالتالي ستخسر الدولة الصينية أحد أكبر أسواق منتجاتها في وقت يعانى الاقتصاد الصيني من تباطؤ فى معدلات النمو بشكل كبير بسبب أزمة الركود التي يعيشها العالم اليوم، فى نفس الوقت تلك التوجهات قد تدفع دول أخرى صغيرة للتوجه ناحية الحماية الاقتصادية للمنتجات المحلية مما يقلص أيضا من حجم السوق بالنسبة للمنتجات الصينية.

الصراع العالمي اليوم بات صراع بقاء فلم يعد في الجعبة الكثير من الحلول فعمليات التطوير التى قادتها الرأسمالية خلال القرن العشرين بداية من سبعينات القرن الماضى بأتمتة العملية الإنتاجية وتقليل حجم العمالة إلى أقصى حد ممكن لتعظيم قيمة الربح وضعها في مشكلة كبيرة وهي انخفاض قيمة الاستهلاك بسبب الانخفاض الشديد الذي حدث في القوى الشرائية فزيادة معدلات البطالة يتبعها انخفاض في الاستهلاك السلعي فنسبة كبيرة من المستهلكين أصبح لا يملك القدرة على الشراء وبما إن الرأسمالية تبحث فقط عن الربح جاءت تحولات الربع الأخير من القرن الماضي بالاتجاه إلى الاقتصاد الورقي للهروب من الأزمة، أعطى هذا الفرصة لدول مثل الصين وروسيا والهند أن تعيد إنتاج اقتصادها بشكل مغاير وتأخذ حيز ليس بالقليل بجانب الدول الصناعية التقليدية الكبيرة في أوروبا والولايات المتحدة، لينفجر صراع آخر بين الرأسمالية القديمة التي باتت مساهمتها على المحك في العملية الإنتاجية تقريباً وبين الرأسمالية المتكونة حديثاً وهي رأسمالية مغايرة تعتمد بشكل كبير على السيطرة المركزية للدولة على مراكز الإنتاج وبالتالي كان من المفترض أن يكون لديها مرونة أكثر في التعامل مع الأزمات، إلا أن الواقع يكشف لنا الكثير من الملابسات، فإذا أخذنا الصين كمثال، فعملية دمج الاقتصاد الصيني ضمن آليات السوق الرأسمالي جعلته في عرضة للتقلبات الرأسمالية واليوم اضطرت الصين إلى أبطاء معدلات النمو، وخفض قيمة العملة بسبب أنخفاض الأستهلاك على مستوى العالم، وعدم قدرة السوق الداخلية لأستيعاب الناتج الصناعي وهذا يوضح لنا أن هناك ثغرة في نمط الأنتاج وتوزيعه داخل الصين فمن المفترض أن السوق الصينية سوق عريضة تستطيع بسهولة أن تستوعب كميات كبيرة من البضائع نظرا للكثافة السكانية العالية … إلا أن ذلك يمكن قوله على الورق فقط لكن الحقيقة أن الصين تعاني بشدة من خلل فى توزيع الثروة، فالإصلاحات التي تم أجرائها في الخمسة وعشرين سنة الأخيرة أخلت بمنظومة العدالة في توزيع الثروة وأخرجت شرائح كبيرة من عبائتها وأتضح ذلك عام 2015 عندما اضطرت الحكومة الصينية إلى ضخ كميات كبيرة من الأموال لتعويض خسائر البورصة لإنعاش الأسواق الراكدة ولتقليل حجم البطالة التي باتت أمرا مقلقا للنظام الحاكم، هذا بخلاف أزمة الاحتياطي النقدي فبعد أن كان الأحتياطي المقدر عام 2014 بـ 3٫9 تريليون دولار انخفضت قيمته بمقدار 600 مليار دولار في نهاية عام 2015، تحاول الصين جاهدة الخروج من أزمتها بالاندفاع في الخارج خاصة بأفريقيا من خلال الدخول في عمليات مشاركة مع بعض الحكومات الأفريقية أولا لتعويض الخسائر التي منى بها الاقتصاد الصيني والغرض الثاني هو محاولة جذب الأنظمة الحاكمة في تلك البلدان سياسيا لتكون عونا للصين في صراعها مع الولايات المتحدة وأوروبا، كذلك قيامها بتأسيس بنك التنمية الآسيوي وهو جانب آخر من جوانب صراعها مع الرأسمالية التقليدية.

أعود للحالة الأمريكية والأوروبية، فبعد 2008 أضطرت حكومات تلك الدول لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، الانقلاب على المبادئ التي أرستها من قبل، بعدم التدخل الحكومي وترك الأسواق لتصحح نفسها، إلا أن الأزمة كشفت هراء تلك الفرضية فالأسواق لا تستطيع تصحيح وضعها وإذا ترك الأمر ستزداد العواقب فأجبرت الحكومات على التدخل المباشر بشراء أسهم الشركات والبنوك المنهارة.

المشكلة الأخرى التي تواجه الرأسمالية هي الارتباط العضوي الذي نشأ خلال العشرين سنة الأخيرة بين الرأسمالية النقدية المتمثلة في البنوك والرأسمالية الصناعية فهذا الارتباط أنتج شراكة على مستويات متعددة فالبنوك هي في الأساس مهمتها عمليات التمويل من خلال الإقراض لكنها لم تكتفي بذلك فدخلت في عمليات شراكة من خلال البورصات للاستثمار في الفائض النقدي – الوهمي – للبنوك فباتت البنوك دائنة ومدينة في نفس الوقت بأموال لا توجد فى الحقيقة إلا كارقام في دفاتر الحسابات، فلم تعد الحدود بين عمليات التمويل والإنتاج واضحة وهذا خلق دائرة مغلقة أدت إلى زيادة مخاطر الأزمة الاقتصادية، فإذا أخذنا ما طرحه الاقتصادى هيمان فليمنك منسكي عندما ربط ما بين هشاشة سوق الأوراق المالية ودورة الاقتصاد الرأسمالي، فهو حاول تفنيد الفقاعة المالية وجد أنه عندما ترتفع أرباح الشركات وتتجاوز الديون فإن هذا لن يحل الأزمة بل سيزيدها تعقيداً، فالأموال اللازمة لتغطية تلك الأرباح ليست موجودة على أرض الواقع بل هي أموال افتراضية جاءت أغلبها من خلال مضاربات في سوق الأوراق المالية وليست نتيجة عمليات تصنيع فى وقت انخفض فيه الطلب على المنتجات نتيجة للتضخم وزيادة معدلات البطالة وانخفاض الدخول، ويطرح هيمان الحل عن طريق زيادة الاحتياطى المالى فى البنوك المركزية لتكون الملاذ الأخير في حالات الأزمة، إلا أن ما طرحه هيمان لن ينقذ الاقتصاد الرأسمالي بل فقط سيبطئ التفاعل اللازم لعملية الانفجار القادم المحتم.

بدأت خلال الفترة الماضية إشارات أطلقها عدد من الاقتصاديين بضرورة العودة للاقتصاد الكنزي إلا أنهم لم يقوموا بطرح حلول للأزمة المتأصلة في بنية الاقتصاد الرأسمالي فالتحول للاقتصاد الكنزي سيتبعه تحولات سياسية في غاية الخطورة على الوضع العالمي وستدخل الدول في معارك اقتصادية طاحنة كل يحاول الحفاظ على وجوده وقد تتطور تلك النزاعات الاقتصادية إلى حروب عسكرية مباشرة، كذلك التغيرات التي طرأت على البنية الاقتصادية خلال الخمسة والعشرين سنة الأخيرة لا تسمح بذلك كما حدث فى ثلاثينيات القرن الماضي، فأزمة العشرينات تم إنقاذها من خلال الدفع بالنازية والفاشية والدخول في حرب عالمية خسرت فيها الإنسانية 80 مليون إنسان فقط لإعادة دورة الحياة للنظام الرأسمالي فهذا التحول المطروح بالعودة للكنزية محض هراء فكري لا يمت للواقع على الأرض، فنظام العولمة الذي فرض قسراً حول الحكومات إلى “بودى جاردات” للكيانات الرأسمالية المتحكم الحقيقي اليوم فى سياسات الدول و ظهر هذا واضحا فى 2014 عندما تم تقديم مشروع قانون فى مجلس الشيوخ الأمريكي لإعادة تنظيم الاقتصاد ولزيادة معدلات التوظيف صحيح تم الموافقة عليه وسمي حينها بقانون “إعادة الوظائف للوطن” ولكن هذا القانون تم تفريغه من محتواه، فهو أنتهى فقط بمجموعة من المحفزات المالية بتخفيض الضرائب والرسوم على الشركات لدفعها لمزيد من التوظيف بدون فرض قيود تجارية تدفعها لإعادة عمليات التصنيع إلى داخل الولايات المتحدة مرة أخرى، و أنتهى القانون إلى الفشل ولم يستطع أن يعيد الوظائف بل زادت معدلات البطالة داخل الولايات المتحدة عما كانت من قبل.

لم يعد أمام الرأسمالية من حل إلا المزيد من استغلال موارد الدول الصغيرة الغنية بالمواد الطبيعية فهي لا تستطيع إعادة إنتاج الحرب العالمية مرة ثانية فالتطور الكبير في الآلة العسكرية الرأسمالية باتت أكبر بكثير من أن تتحملها البشرية فإذا انطلقت شرارة حرب عالمية جديدة من المرجح فناء الجنس البشري فالعالم يقف اليوم فوق حقل ألغام نووية، فإذا كانت قنبلة هيروشيما قد حصدت خلال ثوان معدودة 140 ألف إنسان، اليوم يمتلك العالم من أدوات التدمير الحربية ذات تأثير يماثل ما حدث فى هيروشيما مئات المرات، والرأسمالية لن تتوانى في حالة احساسها بالانهيار أن تطلق آلتها التدميرية وهي تعلم تماما أن في تلك اللحظة ستكون النهاية.

*كاتب صحفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons