الصراع الطبقي والاختلاف الأيديولوجي

كتب : نضال زرقط*

إن العمل النضالي الطبقي غالبا ما يواجه عوائق توقف أو تبطئ عمله، خارجية كانت أو داخلية، فعلى سبيل المثال العوائق الداخلية تكون بتعلق بعض المثقفين من جوهر البروليتاريا بمحاولة فرض أفكار مغايرة لمصلحة الطبقات المنسحقة في المجتمع، وخارجية، أي يطبقها البرجوازيون كنوع من الديماغوجية، كتجييش المجتمع لقسمته على أساس المؤمن والملحد او على اساس طائفي، ومن هنا برزت إحدى أهم عوائق الحركة الشيوعية في العالم العربي الغارق في دوغمائية الدين ولا يستطيع الخروج من مستنقعاتها.

من هذه المنطلقات نرى أن البرجوازية قد تجاوزت مستوى استثمار البشر، واستغلالهم وإجبارهم على بيع قواهم الجسدية، الى اقناعهم -سفسطائيًا- انه لا سبيل للتقدم المجتمعي الّا في ظل النظام المجتمعي الحالي القائم على الانقسام على أسس دينية، ففي العالم العربي، ولبنان خصوصا، نرى أن الفئات الشعبية والجماهير منقسمة تحت أسس دينية بحتة، أما طائفيا أو ايمانيا-الحاديا، وبهذا تكون الطبقة الرأسمالية قد أزاحت الأقسام بين امبريالي ومستَغَلّ إلى مؤمن وملحد، ليكرس الضغط على العمال تحت ظل نظام قائم على قمة الممارسة الاستغلالية المقنّعة, ليبعد البرجوازيون عن الصورة الاجتماعية الانقسام الحقيقي في المجتمع بين عامل وصاحب عمل, بين “مستثمر ومستثمَر” على حد قول الشهيد جورج حاوي.

وبذلك فإن العمل الطبقي هنا يكون على مفترق طرقٍ ما بين الانتقال إلى مرحلة أرقى في تقدم المجتمع من خلال بدء تعبئة اقتصادية اجتماعية للفئات الشعبية تعيد الانقسام التقليدي إلى حاله لكي يفسح المجال أمام الفئات الثائرة “لتغير النظام المجتمعي القائم” عنفيًا أو سلميًا، في سبيل تحقيق انتقالة نوعية في مرحلة المجتمع في التطور التاريخي, واما يكون على المجتمع والطبقة المنسحقة أن تدخل في مرحلة حالكة ستنطق باسم المستثمَرين زورا وستكون بذلك أنهت الحركات الثائرة جاعلة أهم سلاح للإمبريالية الرأسمالية الرجعية هو حقد العامل على العامل وليس على البرجوازي فيصبح بذلك صراع المتناقضات قائما على الاختلاف في الإيمان والمعتقدات الروحية وليس على الحقوق المكتسبة للعامل والفلاح.

فعندما ينقسم المجتمع على الأساس المرغوب من الرأسماليين, تصبح سلطتهم استخداما للقوة بشكل مقبول حتى لدى الحركات الثائرة, واجتماعيا تصبح صورة العدو لدى المؤمن -وإن كان منسحقا اقتصاديا- هي الإلحاد، ويصبح بهذا الضمير الجمعي لدى الجماعات المتدينة يرفض قطعا ويحارب فكرة وجود أي تيار أيديولوجي أو اقتصادي-سياسي مخالف لها في نظرته للميتافيزيقيا الدينية, فالثقافات السائدة هنا اذ تصبح ثقافات دوغمائية دينية مقابل ثقافة الانتقال الى رفض الأفكار الدينية مهما كان جوهرها, فيصير الملحد عدو المؤمن, المؤمن عدو الملحد، وبهذا تكون البرجوازية قد حققت إنجازا في التضليل والسفسطائية والديماغوجية وفرض سيطرتها على عقول الجماهير لتنسيها القضية الأولى التي سعى إليها أعظم مفكري وفلاسفة الطبقات العاملة.

بالانتقال من الانقسام الاجتماعي الذي وصفه ماركس على أساس الطبقات، إلى الانقسام القائم على العصبية للمعتقدات والأعراف، يصبح محور المجتمع صراعًا قائما على ما ذكرناه آنفا, ينسى الاجتماعيين وعلماء الاجتماع السياسي دراسة مبادئ الاشتراكية العلمية أو الشيوعية وسياساتها أو دراسة الحالة الاجتماعية ويحولونه إلى علم يقوم على تغليب معتقد على آخر أو أيديولوجيا على أخرى فيتحول صراع النفوذ بين الجماعات من صراع طبقات إلى صراع أيديولوجي بعيدا كل البعد عن مصالح الطبقة العمالية ومكرسا بهذا مصالح الطبقات السائدة في مراكز العلو الاجتماعي، فتسود طبقة ال”لونبربروليتاريا” أو الطبقة دون البروليتاريا التي وصفها ماركس بالطبقة التي لا تحظى بالوعي لكي تكون مفيدة اجتماعيا.

في هذا المجتمع تصبح الصراعات غير عقلانية قائمة على المشاعر والتعصب والأحكام المسبقة والتمسك بالأعراف والأساليب المكتسبة والتي كانت منذ أزمنة سبب التخلف الاجتماعي والجمود الاقتصادي والتكنولوجي في دول “العالم الثالث”، ومن أجل تكريس هذا الوضع نرى الرأسمالية تعمل على قمع أي حركة ثقافية من أجل بناء المجتمع القائم على القطبية الطبقية لا القطبية العقائدية، لكي يكون المجتمع الناشئ هنا مجتمعا غارقا في مستنقعات التخلف الفكري وليس مجتمعا قائما على التبادل والتفاعل والصراعات الطبقية, ففي المجتمع المذكور انفا يصبح الاتجاه المطلبي اتجاها تفاوضيا لا نضاليا من أجل تحصيل الحقوق وذلك بسبب انخفاض الأعداد المهتمة بالشأن الطبقي والحقوق الاقتصادية الاجتماعية للبروليتاريا ومن هم تحت خط الفقر.

اخيرا نستخلص إلى أن انعدام الوعي وفقدان الحس الانتمائي والنضالي الطبقي دائما ما يؤدي إلى ظهور هذه الحالات، التي غالبا ما تدمر الحركة العمالية والثورية وتحول دون أي تغيير، ولو طفيف، على الأنظمة القائمة في المجتمع وبهذا تكون الامبريالية الرأسمالية قد جددت، وجودها وتجدده يوميا، من اجل ان يكون المجتمع المثالي قائما على النظام الرأسمالي والبرجوازي، مما يؤدي حتما الى جمود التطور التاريخي للمجتمع، في ظل تطور سريع في العلوم مرهونٍ بالحكومات الرأسمالية والطبقات الأرستقراطية والشركات الكبرى المتعددة المجالات العلمية والتكنولوجية.

*لبنان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons