غازي الصوراني

الشرائح البرجوازية الصغيرة في المجتمع الفلسطيني

كتب : غازي الصوراني*

تشكل هذه الشرائح، المساحة الأوسع، والحجم الأكبر، في مجتمعنا الفلسطيني، فهي تتكون – كما سبق أن أوضحنا – من جموع صغار الحرفيين والموظفين المدنيين والعسكريين، وصغار التجار والمهنيين بكل انواعهم …. إلخ في الضفة والقطاع، مع مراعاة الخصائص والسمات التي ترتبط بهذه الطبقة في مجتمعنا، ونقصد بذلك المستوى المتدني من التطور الرأسمالي من جهة، والمستوى المتدني لحياة أو مستوى معيشة الغالبية العظمى لشرائحها، بما يؤثر في التركيب الاجتماعي عموما، وفي تركيب هذه الطبقة بصورة خاصة من جهة ثانية، لأن طبيعة تكوينها وتشكلها، تميز بضعف إنتاجيتها الناجم عن عدم امتلاك البورجوازية الصغيرة عموما، قاعدة اقتصادية منتجة، إذ أن هذه الطبقة – رغم ضخامة حجمها واتساعها، لا تسهم بأي دور مركزي أو مؤثر في إطار الطبقة أو السلطة المسيطرة، رغم انصياع القطاع الأكبر منها، للدفاع عن سياسات السلطة وحكومتيها(في رام الله أو غزة) والمجموعات المسيطرة فيها، وتفسير هذا الموقف يعود إلى أن السلطة هي رب العمل – المباشر وغير المباشر – للبرجوازية الصغيرة، بحكم ارتباطها الوثيق بالسوق المحلي بجانبيه العام والخاص، وبحكم الحرمان المادي والاضطهاد الاقتصادي والسياسي الواقع عليها، والناتج عن ضعفها وعدم تماسكها الداخلي وتذبذبها.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار ان القطاع الحكومي سواء في حكومة السلطة / رام الله أو في حكومة حماس/غزة، يشكل 27.4% من مجموع القوة العاملة بالفعل، يبين لنا التأثير السلبي الذي يحدثه هذا الواقع على دور ونشاط البورجوازية الصغيرة بسبب القيود القانونية والإدارية من ناحية والطبيعة المتذبذبة لهذه الطبقة وحرصها على مصالحها الخاصة من ناحية ثانية، بما يؤدي إلى شل وتعطيل القسم الأكبر من هذه الطبقة، من العاملين في الجهاز الحكومي، عن ممارسة دور سياسي رئيسي خارج إطار الحزبين الرئيسيين ارتباطاً بحكومة كل منهما، وهنا تكمن انتهازية العديد من أفراد هذه الطبقة أو خوفها او لا مبالاتها، أو غير ذلك من المواقف السلبية التي تحكم ممارساتها السياسية في هذه المرحلة بالذات، لما تثيره من نوازع القلق والخوف والتردد والانتهازية في نفوس ووعي هذه الطبقة، إلى جانب حرص حكومتي رام الله وغزة على تأمين رواتب موظفيها لضمان ولائها السياسي، ادراكاً من الحكومتين أو من القطبين الرئيسيين “فتح وحماس” (في إطار الصراع والانقسام الراهن) أن امتصاص هذا القدر من أفراد البورجوازية الصغيرة، هدف ضروري، لتعزيز مكانة أي منهما السياسة، نظراً لوعي القطبيين بأهمية دور هذه الطبقة التي تشكل غالبية السكان في الضفة والقطاع، إلى جانب إضعاف إمكانات هؤلاء البرجوازيين الصغار في ممارسة دورهم في النضال الوطني والديمقراطي عموماً واضعاف وتهميش دورهم في صفوف القوى اليسارية بشكل خاص حيث يبدو ان هذا الهدف يشكل أحد أهم جوانب “الاتفاق” بين فتح وحماس.

بالطبع إن إيقاظ الوعي الوطني والطبقي لدى البورجوازية الصغيرة في مدننا وقرانا ومخيماتنا أمر بالغ الأهمية بحد ذاته، لأن قطاعات كبيرة منها يمكن أن تظل عبر جدلية الاضطهاد والمصالح الحياتية، مرتهنة وخاضعة عموماً للقطبين المتصارعين حسب النفوذ الجيوسياسي لكل منها في الضفة أو قطاع غزة، وهو ما يدفعنا إلى الاهتمام بقضايا هذه الطبقة، وتفعيل دورها خاصةً وأنها تتجاوز بحجمها الواسع نسبة 60% من مجموع السكان في الضفة والقطاع أو حوالي 2.34 مليون نسمة يتوزعون على حوالي (390) ألف أسرة بواقع 6 أفراد (كمعدل متوسط) للأسرة الواحدة، وهو إطار أو تجمع غير متجانس من حيث الدخل أو مستوى المعيشة وينقسم إلى ثلاثة شرائح أو فئات:

الفئة الأولى أو العليا من هذه الطبقة التي تملك دخلاً شهرياً يبدأ من 25000 دولار شهرياً ولا يتجاوز 5000 دولار، ولا تتجاوز نسبتها أكثر من 2.5% من أصل المجموع التقديري للطبقة البورجوازية الصغيرة، وهذه النسبة تشمل المعيلين من الفئات العليا من أساتذة الجامعات والمحامين والمهندسين والصيادلة والأطباء ومسئولو ومدراء المراكز ومؤسسات المنظمات غير الحكومية ونواب المجلس التشريعي والتجار وأصحاب المشاغل المتوسطة وكبار الموظفين (المدنيين مدير عام فما فوق، والعسكريين، عقيد فما فوق) والفلاحين الذين يملكون 20-50 دونم، وهذه الفئة منقسمة في ولائها بين حكومة رام الله أو حكومة غزة حسب ظروف وطبيعة العمل أو الانتماء السياسي أو ألمصلحي الانتهازي.

الفئة الثانية أو المتوسطة، التي تملك دخلا شهريا يبدأ من 1000$ ولا يتجاوز 25000$ وتمثل تقريبا حوالي 5% من مجموع التعداد التقريبي للبرجوازية الصغيرة، وبالتالي فإن مجموع هذه الشريحة المتوسطة يبلغ 117 ألف نسمة، وتشمل المعيلين أو أصحاب الدخل من الفئات الوسطى من المهنيين والأكاديميين وأساتذة الجامعات والعاملين في المنظمات غير الحكومية وصغار التجار وأصحاب المشاغل الصغيرة والفلاحين المالكين من 5 – 20 دونم، والموظفين المدنيين من درجة مدير إلى مدير عام، والعسكريين من رتبة مقدم إلى رتبة العقيد، وهي فئة يمكن أن تجد في المعارضة الديمقراطية ملاذاً لها.

الفئة الثالثة، أو الشريحة المتدنية / الفقيرة، من أسر البورجوازية الصغيرة، التي تملك دخلاً يبدأ من خط الفقر الوطني البالغ 2375 شيكل (580 دولار)[8] شهريا للأسرة ولا يتجاوز ألف دولار وتمثل هذه الشريحة 92.5% ( حوالي (2.16) مليون نسمة) من مجموع هذه الطبقة، وهي شريحة أقرب – من ناحية موضوعية- إلى المعارضة اليسارية الديمقراطية، ومن الممكن أن تشكل وعاءً هاما لها إلى جانب “الطبقة” العاملة والفلاحين الفقراء، لكن عجز وضعف أحزاب اليسار عزز مساحة الفراغ السياسي من ناحية وأسهم في تكريس يأس الجماهير الفقيرة ولجوئها إلى قوى التيار الديني والإسلام السياسي من ناحية ثانية.

وفي هذا السياق، من المفيد أن نشير هنا إلى أنه “إذا كانت الأرقام الخاصة بفروقات معدل الدخل للفئات الاجتماعية المختلفة، تساعد على إثبات واقع وجود مجموعات ذات مصالح متشابهة فيما بين الواحدة منها، ومختلفة مع مصالح مجموعات أخرى بدرجات متفاوتة، وتتواجد على مستويات مختلفة من حيث علاقتها بالنظام الاجتماعي الاقتصادي وحصتها من توزيع الدخل، فإن هذا وحده لا يكفي لتلمس الدور الاجتماعي الذي تضطلع به كل فئة أو طبقة منها، والسياسة التي تدعو لها، والظروف والعوامل العائدة لطبيعة تركيبها ونشأتها، والمؤثرات الداخلية والخارجية التي تسهم في نهاية المطاف بمقادير متفاوتة الأهمية في تحديد السمات ومعالم التركيب الطبقي للمجتمع والمواقف العامة لمختلف الفئات والطبقات.

*كاتب وباحث فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons