قطاع غزة

مستقبل قطاع غزة في ضوء الحسابات الأمنية

كتب : محمد جبر الريفي*

شكل قطاع غزة هاجساً أمنيا استراتيجيا للكيان الصهيوني العنصري منذ قيامه على أرض فلسطين التاريخية إثر النكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني آنذاك بانتصار العصابات الصهيونية المسلحة والمدربة تدريبا جيدا على الجيوش العربية التي أرسلت لنجدة العرب الفلسطينيين من وازع الرابطة القومية والدينية، ففي حين تم ضم الضفة الغربية للمملكة الأردنية الهاشمية ليقوم النظام الملكي بوظيفة استيعاب نتائج النكبة وهو ما يتوافق مع طموح الأسرة الهاشمية التاريخي في قيام مملكة عربية كبرى في المشرق العربي، بقى قطاع غزة محافظا على وضعه السياسي الفلسطيني تحت الإدارة المصرية -حيث لم تكن لمصر حتى وهي محكومة بنظام ملكي يتوارثه في الحكم أسرة محمد علي نفس الطموح التاريخي القائم في الأساس على إرث ديني- تحت إشراف الإدارة المصرية للقطاع تولى على رأسها حكام عسكريين وبذلك أصبح يخضع من الناحية الأمنية لسيطرة المؤسسة العسكرية المصرية وهو الوضع المدني والعسكري الذي استقر له بعد النكبة وهو وضع يتعارض ولاشك مع أهداف المشروع الصهيوني العنصري الإجلائي الذي يسعى إلى طمس الهوية الوطنية الفلسطينية العميقة المتجذرة المتعلقة بالأرض وكذلك يتعارض مع رغبة الكيان الصهيوني بالمحافظة على ترتيبات اتفاقية الهدنة الموقعة في رودس بين الكيان وجيرانه من دول الطوق العربية.

بقيام ثورة 23 يوليو/تموز المجيدة في مصر التي أشاعت حالة من النهوض الوطني والقومي في عموم المنطقة عنوانه الرئيسي الوحدة العربية وتحرير فلسطين ازدادت مخاوف الكيان الصهيوني الأمنية لأن قطاع غزة بوضعه الجغرافي المرتبط بصحراء سيناء المصرية أصبح ضمن الجبهة الأمامية العسكرية المصرية التي كانت تشهد بين الحين والآخر توترات ومناوشات واعتداءات إسرائيلية متفرقة كردود فعل انتقامية على قيام وحدات الفدائيين الفلسطينيين الذين شكلتهم أجهزة المخابرات المصرية الحربية بقيادة الشهيد مصطفى حافظ بشن هجمات في العمق الإسرائيلي.

في عامي 56 و67 تم احتلال قطاع غزة من قبل قوات الكيان الصهيوني أملا في التخلص من الهاجس الأمني الذي يشكله القطاع على مستقبل وجود الدولة العبرية لذلك تعرض القطاع في عام 56 بعد انتهاء العدوان الثلاثي على مصر وجلاء القوات الإسرائيلية منه لمؤامرة التدويل -أي وضعه تحت الوصاية الدولية خاضعا لهيئة الأمم المتحدة- منعا لعودة الإدارة المصرية له من جديد وتمكينا أيضا لتحقيق مشروع توطين اللاجئين الفلسطينيين في سيناء الذي افشلته جماهير القطاع وقواه السياسية والشعبية، أما بعد الانسحاب الإسرائيلي منه للمرة الثانية في عهد شارون فقد أخذ يشكل القطاع للمرة الثانية أيضا بؤرة توتر حقيقي للكيان وذلك بازدياد فاعلية الأجنحة العسكرية لفصائل المقاومة الفلسطينية، وبسيطرة حركة حماس عليه في عام 2006 وحدوث الانقسام السياسي البغيض أصبح القطاع هو الجهة الفلسطينية الوحيدة التي ترفع شعار المقاومة المسلحة في مواجهة الاحتلال وترفض ايضا الاعتراف بالدولة العبرية وكانت هذه السياسة سببا في تعرض القطاع لثلاثة حروب عدوانية ويجري الكيان استعداده الآن لشن حرب رابعة.

اما من الناحية السياسية فالقطاع المحاصر منذ أكثر من عشر سنوات يخطط له الآن لوضع سياسي جديد أكثر خطورة من مشروع التدويل القديم لأن هذه المرة هدف المخطط التآمري الجديد ليس فقط التخلص من الهاجس الأمني الذي يشكله القطاع بخصوصية وضعه الفلسطيني المقاوم الذي يؤرق المؤسسة العسكرية الاسرائيلية و حكومات الكيان الصهيوني المتعاقبة بل الهدف من هذا المخطط هو التخلص نهائيا من المشروع الوطني الفلسطيني بكل مكوناته خاصة القضايا الجوهرية التي توصف في السياسة الدولية بأنها مسائل معقدة وتحتاج إلى تنازلات مؤلمة من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي كقضية اللاجئين الفلسطينيين.

لقد طغى الحديث مؤخرا بعد مجيء إدارة أمريكية جديدة برئاسة ترامب عن مشروع الحل الإقليمي في الكواليس الدبلوماسية، طغى على مشاريع التسوية السياسية المتعددة المطروحة، وفي الحديث اهتماما خاصا لمستقبل وضع قطاع غزة السياسي والأمني حيث لم يعد بعد المتغيرات النوعية التي جرت في المنطقة العربية يشكل هاجساً أمنيا للكيان الصهيوني وحده فتواجد التنظيمات التكفيرية الإرهابية في سيناء المجاورة زاد من الإحساس بأهمية الوضع الجيوسياسي للقطاع في الحسابات الأمنية للنظام المصري الحالي الذي جاء بعد الإطاحة بنظام محمد مرسي الإسلامي وفي هذا المجال يمكن أن نشعر ايضا من الواقع المعاش والتجربة السياسية التي مر بها القطاع بخطورة الدعوة لتشكيل اللجنة الإدارية الخاصة بإدارة شؤون القطاع تحت ادعاء تخلي حكومة الوفاق الوطني برئاسة رامي الحمد الله عن مهامها تجاه القطاع لأن هذه الخطوة تمثل انتكاسة كبيرة لجهود المصالحة الوطنية وتمهد الطريق لفصل قطاع غزة بشكل كامل ونهائي عن الضفة الغربية المحتلة بما لا يخدم سوى أهداف الاحتلال الإسرائيلي كما تجيء ايضا هذه الخطوة في توافق تام مع ما يخطط لمستقبل القطاع السياسي ضمن الحل الإقليمي المطروح حاليا.

*كاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons