حول الصحراء الغربية .. خواطر ماركسي مصري

كتب : ممدوح مكرم*

[1]

في العام 1989م كنت في الصف الأول الإعدادي، وكانت الجغرافيا والتاريخ من أحب المواد إلى قلبي، ونشأتْ بيننا علاقة عشقٍ لم تنته حتى هذه اللحظة، بل زاد آوار نارها اشتعالا كلما تقدمت خطى المعرفة.

كان مقرر الجغرافيا (طبعة الكتاب المدرسي للسنة الدراسية 1989-1990م، وزارة التربية والتعليم المصرية) يتحدث عن جغرافية الوطن العربي السياسية، والاقتصادية، والبشرية، وخُصص جزءٌ لمناقشة مشكلات الوطن العربي عصرئذٍ، وكان من أبرزها النزاع بين المغرب والجزائر وموريتانيا حول إقليم الصحراء الغربية الواقع في جنوب المغرب، وتتشارك حدوده مع الدول الثلاث المذكورة.
من هنا بدأت أسمع عن قضية الصحراء الغربية، وتزامن ذلك أنه في تلك الفترة كان اسم “جبهة البوليساريو” يتردد كثيرًا في نشرات الأخبار، التي كنت أتابعها عبر موجات الأثير (إذاعات مونت كارلو، وصوت أمريكا، وبي بي سي العربية، وديوتشفليه من كولونيا) في تلك السن لم نكن نفهم جيدًا خيوط الصراع في منطقة نائيةٍ من [عالمنا العربي] الممتد من الماء إلى الماء (من الخليج إلى المحيط، كما كانوا يعلموننا في الجغرافيا).

لكن ظلت هناك ظلالٌ وجدانية متعاطفة مع الصحراويين، بعد عدة قراءات، وبعد تحديد البوصلة تجاه اليسار الماركسي؛ ولكن للأسف لم تعد قضية الصحراء قضيةً محورية لنا هنا في بلدان المشرق [وفي حقيقة الأمر لم يتحدث أحد عنها إلا من هم على إطلاع واسع على القضية و تطورها] وهذه إشكالية كبرى واجهتني وأنا أكتب من مصر عن قضية بعيدة عن اهتمام المصريين سواءاً على مستوى: النظام السياسي (فترة مبارك) أو على مستوى النخب المصرية (الإعلامية، والسياسية، والثقافية) وبشكلٍ خاص ذات الميل اليساري الماركسي، أو القومي، أو الناصري!

ويمكن أنْ أحدد مجموعةً من الأسباب لقلة الاهتمام بقضية الصحراء الغربية في مصر كالتالي:-

هناك ما يُعرف بأزمة المشرق والمغرب، شبه انفصام بين جناحي الوطن العربي، المشرق الغارق في مآساته الكبرى (العدو الصهيوني) وحروب الثمانينات (اجتياح لبنان، العراقية الإيرانية) وتنامي الأصولية الإسلامية، كل هذا أدى إلى خفوت الاهتمام بالقضية الصحرواية في مصر، كما أنَّ مصر في هذه الفترة كانت تشهد سخونة سياسية (المواجهة بين الدولة وتيار اليمين الديني، الذي بدأ يتجذر منذ السبيعينات)، أما بلدان المغرب العربي فكانت هي الأخرى في وادٍ آخر، (ليبيا القذافي) مشغولة بالمواجهة مع الغرب، والجزائر والمغرب ومورتيانيا غارقون في نزاعاتهم حول الصحراء الغربية، والمشاكل الداخلية المتفاقمة جراء الأزمات الاقتصادية، والتي صاحبتها انتفاضات السبيعينات والثمانينات (المغرب)، وظاهرة الانقلابات العسكرية في موريتانيا.

قضية الصحراء الغربية، هي من بقايا مخلفات الحقبة الإمبريالية (كما فلسطين) لم تُحل، وكانت الحرب الباردة لازال لها بعض الظلال بين المعسكرين، وكانت القضايا الساخنة في العالم دائمًا ما كانت حاضرة سواء في الحرب الدعائية أو الدبلوماسية، عندما انحسرت الحرب الباردة بسبب طوفان التسعينات، انحسرت معها قضايا مهمة (منها قضية الصحراء، والقضية القبرصية …وغيرها) وأنا هنا أتحدث عنا نحن في مصر، ولا أتحدث عن الآخرين، لاحظوا ما ذكرته في بداية المقال عن كتاب وزارة التربية والتعليم الرسمي، الذي تحدث عن قضية الصحراء الغربية، ذلك كان وليد مناخ دولي وإقليمي، عندما تلاشى هذا المناخ، وتغيرت مناهج الجغرافيا والتاريخ لم يعد هناك أي حديث عن الصحراء و شعبها وقضيتها!

لست على يقينٍ من أنَّ اليسار المصري في تلك الحقبة، كان له موقف أم لا من قضية الصحراء؟ بالسلب أو الإيجاب، سألت بعض الزملاء، لكن لم أتلق أي إجابات، وهي قضية أتمنى بحثها ودراستها -إنْ سمحت الظروف- لكن في عموم ما أعرف أنَّ اليسار المصري المناضل دائمًا ما كان سَبَّاقَا في دعم المظلومين حيث كانوا، ولكن هذا يبقى مجرد تخمين لا أملك أدلة مادية ملموسة عليه!

هناك خفوت عام بالاهتمام بالقضايا المغاربية أو الأفريقية عمومًا، سواء في المناهج التعليمية، أو المواد الإعلامية، وهي ضعيفة وقليلة ولا تفي بغرض تقديم مادة علمية تفصيلية عن قضية أو موضوع، حتى في محتويات العلوم والمواد التي تُدرس في أقسام العلوم السياسية (اللهم إلا المتخصصين في الدراسات الأفريقية) وهم قلة قليلة، لا يمكن رؤيتهم إلا بالميكروسكوب، وذلك بسبب خفوت الاهتمام كما قلنا، وغياب دوريات مختصة بأفريقيا، وغياب صفحات متعلقة بإفريقيا والمغرب العربي على أوراق الصحف الحكومية والحزبية.

هذه هي الأسباب التي جعلت قضية الصحراء ليست بالوزن الكبير، في اهتمامات المصريين (خاصة النخب، والأحزاب) أما النظام فالأمر يتعلق بموازنة المواقف، فالنظام المصري منذ السبعينات صار تابعًا للغرب، وبالتالي أصبح جزءًا من القالب الرجعي السائد في المنطقة (الخليج) ومعروفة مواقف الخليج تجاه الصحراويين، فهم يدعمون شقيقهم نظام رجعي وتابع آخر وهو الملكية في المغرب، التي تضطهد إخواننا ورفاقنا من الشعب الصحراوي، لذا لم يول النظام المصري أهمية لقضية الصحراء، إلا من خلال تصريحات روتينية تتحدث عن حل القضية بالوسائل السلمية، لكنه لم يجرؤ على أخذ موقف تجاه المغرب مثلا، اليمن الجنوبي والجزائر( أكثر دولتين داعمتين للصحراء) والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (لها موقف بارز وواضح من القضية الصحراوية).

[2]

تقع الجمهورية الصحراوية العربية الشعبية الديمقراطية في الشمال الغربي من القارة الأفريقية، تحدها المغرب من الشمال، والجزائر من الشمال الشرقي، وموريتانيا من الشرق والجنوب، والمحيط الأطلسي من الغرب.

تبلغ مساحتها 284000 كم(مربع)، وطول ساحلها على الأطلنطي حوالي 1400كم، وعدد السكان وفق إحصائيات 2005م 383 ألف نسمة، 25% خارج الصحراء (لاجئين في مخيمات تندوف الجزائرية) مع ملاحظة اختلاف التعداد بين إحصاءات الصحروايين، والمغرب، وأسبانيا، ويغلب العنصر العربي على السكان، والذي تواجد منذ عصر الغزو العربي للشمال الأفريقي، وهجرة القبائل العربية خاصة [بنو هلال، وبنو عقيل] في القرن الرابع والخامس الهجريين، ولذا تغلب اللهجة الحسَّانية (خليط من العربية والأميزيغية) وهي قريبة من الفصحى، أيضًا مع السكان الأصليين من الأمازيغ، والزنوج، والزنوج لهم إمتدادات في حوض نهر السنغال، ونهر النيجر، كما نلاحظ التشابه بين سكان المغرب، ومورتيانيا، والصحراء، والجزائر في هذا الصدد، ومن حيث العقيدة الدينية نجد أنَّ الإسلام هو الغالب، بمذهبه المالكي، مع وجود أقلية أسبانية كاثوليكية، وكان النشاط الغالب على سكان الصحراء الغربية، الرعي والتجارة، وهناك تركيبات ذات طبيعة قبلية وعشائرية، إلا أنه باكتشاف الفوسفات، تحول قطاع عريض من السكان إلى بروليتاريا (عمال المناجم) وبدأ الإنتقال من حياة البداوة إلى الحياة المتمدينة، تأثر طلاب الجامعات الصحرايون بالأفكار الثورية المعادية للإمبريالية، والتي تعمل على تحقيق التقدم، وهو ما ساهم في تأسيس جبهة البوليساريو (البولزرايو) POLISARIO وهي تعني (الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء، ووادي الذهب). بسبب ذلك كان للصحراء عبر تاريخها أهمية جيواستراتيجية سواء بالنسبة لجوارها، أو المستعمر الخارجي، ومن هنا تبدأ قصة مأساة الشعب الصحراوي، والذي باتت قضيته من أعقد القضايا في القارة الأفريقية، وأقدمها أيضًا، حيث دخلت عقدها الرابع.

في عام 1961م وكنتيجة لأحداث سابقة (ليس هنا مجال لتفصيلها في هذا العرض السريع) أعلنت إسبانيا (وكانت محتلة للصحراء الغربية، ومنطقة الريف في المغرب) اعتبار الصحراء الغربية، محافظة إسبانية!

وفي العام 1963م، صدر تصنيف الأمم المتحدة أراضي الصحراء الغربية، أنها لا تقع ضمن مناطق الحكم الذاتي، إنما تخضع لقرار الأمم المتحدة( بتصفية الاستعمار) وفي ذات العام اندلعت حرب الرمال بين الجزائر والمغرب، وفي عام 1965م صدر القرار الأممي ( 2072XXI) والذي يطالب إسبانيا بإنهاء استعمارها للصحراء الغربية.

في 17 يونيو/حزيران 1970م انتفضت مدينة العيون، حاضرة الصحراء ضد الاستعمار الإسباني (انتفاضة الزملة: نسبة لحي في مدينة العيون) أسفرت عن استشهاد، وجرح ، واعتقال العديد من الشعب الصحراوي، وعليه تأسست الحركة الطليعية لتحرير الصحراء بقيادة المناضل [محمد سيدي إبراهيم بصيري] وظلت الأحداث تتطور، وتتفاقم المشاكل بين المغرب والجزائر وموريتانيا والإسبان والشعب الصحراوي، الذي يناضل من أجل نيل حريته واستقلاله.

في 10 مايو/أيار 1973 م، تأسست الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء، ووادي الذهب (البوليساريو) على يد مجموعة من المناضلين الصحراويين من أبرزهم: إبراهيم غالي (الرئيس الحالي للجمهورية) ومحمد عبد العزيز(توفي في 31 مايو/آيار 2016م)، والولي مصطفى السيد الرقيبي (نسبة لقبيلة الرقيبات) والذي شن أول عملية مقاومة ضد الإحتلال الإسباني 1973م (عملية الخانكة)، وخطري أده، وشخصيات صحراوية أخرى مناضلة.

منذ هذه الأحداث باتت القضية الصحرواية واحدة من القضايا العالمية، التي تعمل على مستويين: الأول: تصفية الاستعمار الأسباني، والثاني: تحقيق الاستقلال الكامل، وهو ما مالم يرض عنه النظام الملكي شبه الإقطاعي التابع في المغرب، وهو ما أدى إلى تسارع وتيرة الأحداث واندلعت الحرب الصحرواية منذ عام 1976- 1988م، رغم ذلك هناك القوي التقدمية في المغرب تؤيد وتتعاطف مع قضية الصحراء الغربية (مثل حركة إلى الأمام، والتي يمثل امتدادها الآن: النهج الديمقراطي القاعدي) لكن هناك بعض فصائل من اليسار اتخذت موقفًا شوفينيًا من القضية الصحرواية، وتماهت مع المخزن (الملك والحكومة: وهذا متداول في أدبيات السياسة المغربية).

ولاقت القضية الصحرواية اهتمامًا ودعمًا كبيرًا خاصة من الجزائر، وليبيا القذافي( تراجع فيما بعد) واليمن الجنوبي، وكوبا، والعديد من دول أفريقيا وأمريكا اللاتنية، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، واُعترف بالجمهورية (حوالي 76دولة) لكن ذلك بدأ ينحسر منذ انتهاء الحرب، ودخول البوليساريو في المفاوضات المباشرة وغير المباشرة، كما أصبح هناك مندوب أممي خاص بالقضية الصحرواية، ورغم الإتفاق على فكرة الإستفتاء حول تقرير المصير الذي وافق عليه كل من المغرب والبوليساريو، إلا أنَّ نقطة الخلاف كانت حول من لهم حق التصويت، وهي نقطة خلافية، حيث يتمسك نظام المخزن بأحقية المتواجدين الفعليين على الأرض، وتتمسك البوليساريو بأحقية الصحروايين الذين يقيمون في الشتات، وذلك من خلال إتفاقية هيوستن 1997م، وبدأت الأمور تعود للتوتر عام 1999م أثر قمع سلطات الأمن لتظاهرات الصحروايين الطلبة المحتجين على تقاعس النظام بالوفاء بوعوده وفق الإتفاق المبرم، في مدينة العيون (العاصمة) وهو ما أججج الغضب المتراكم أصلا منذ عقود.

وإلى الآن لازالت القضية ترواح مكانها، فلم يحدث أي تقدم من أي نوع، وبقيت الأوضاع كما هي، تزداد سخونةً تارةً، ويحدث جزر للقضية تارةً أخري، هذا كان عرض سريع ومكثف جدًا وغيروافي لتطور القضية، رأينا من خلاله مدى تعقدها وتشابكها، فهي قضية لها أبعاد جيو-استراتيجية، هناك أطراف عدة تتصارع فيها وحولها، لا يمكن فصلها عن القضية الأكبر: قضية التحرر الوطني العربي، وتصفية بقايا الحقبة الاستعمارية، وأدواتها الخراجية كالنظام المغربي الذي عبر عن مصالح البرجوازية-الإقطاعية، المتماهية مع رأس المال الفرنسي والأسباني، والتي نسيت أنَّ هناك استعمار أسباني في سبتة ومليلة و جيل طارق( تنازل النظام عن سبتة ومليلة للأسبان) لم يتورع الأسبان والفرنسيين، ورجعيات النفط عن تقدم المساعدة المباشرة وغير المباشرة للمغرب لقمع الشعب الصحرواي.

[3]

من هنا من مصر، يجب أنْ أقدم نقدًا ذاتيًا لعدم التفافنا للقضية الصحراوية، وذلك للأسباب التي ذكرناها في الفقرة الأولى، ولابد من إعادة قضية الصحراء للواجهة من خلال:-

إعادة طرح القضية في الإعلام المصري، ووسائل التربية و التعليم بشكل موضوعي ومحايد.

على قوى اليسار المصري بكل تشكيلاتها دراسة القضية الصحراوية، ومساندتها ودعمها بكافة السبل والوسائل الممكنة.
استخدام مواقع التواصل الاجتماعي للتعريف بالقضية.

التواصل بين جبهة البوليساريو والقوى التقدمية المصرية، وتنسيق الجهود.

لابد من عقد لقاءات مشتركة كلما توفر ذلك، وسمح المناخ العام بهذا.

تقوم قوى اليسار المصري بعمل ورش تثقيفية حول قضية الصحراء الغربية، خاصة الأجيال الجديدة في الحركة اليسارية.

فيما يتعلق بأفق القضية: لا يمكن التكهن بـ أين تتجه الأحداث، ولكن إنطلاقًا من مبدأ حق تقرير المصير، يجب أنْ يتم الإستفتاء كي يقرر الشعب الصحراوي مصيره، ولابد أنْ يرتبط ذلك مع نضال البوليساريو، بنضال الطبقة العاملة المغربية وأحزابها، وذلك لقطع الطريق على نظام المخزن وأدواته، والحذر من الشوفينية، والإسلام السياسي، والإمبريالية.

*باحث في العلوم السياسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons