عاش نضال الشعب البحريني .. فلتكن صرخة مدوية في كل مكان

كتب : إيهاب قسطاوي

جاءت انتفاضة الشعب البحريني قبل ست أعوام ضمن السياق العام للانتفاضات الشعبية في البلاد العربية والتي حاولت كسر الحلقة المفرغة التي أدخلتها فيها أنظمة أسرية مافيوية ناهبة مرتبطة بنيويا بنظام رأس المال العالمي بتبعية مطلقة حلقة مفرغة من الإفقار والتهميش والبطالة والعوز، وعندما أوشك نظام آل خليفة على الانهيار والسقوط كان لا بد من دخول قوات “درع الجزيرة”، التي لم يتعدى دورها عن كونها قوات خاصة مهمتها حماية أنظمة عصابات إمارات الخليج من أي تهديد داخلي وليس حمايتها من احتمالات التهديد الخارجي الموكولة أموره لقواعد عسكرية كبرى في الخليج أمريكية بشكل رئيسي، تعامل النظام البحريني مع هذه الانتفاضة السلمية بسياسة القبضة الحديدية والعقاب الجماعي، رغم مشروعية مطالب هذه الانتفاضة الهادفة إلى بناء دولة يتساوى فيها جميع مواطنيها في الحقوق والواجبات ويتمتعون بالكرامة، دولة ديمقراطية تقوم على ما تفرزه وتقره صناديق الاقتراع.

استقدمت البحرين في تعاطيها مع هذه المطالب بمنظومة من الأكاذيب والتلفيقات والتبريرات والحجج الواهية التي لا تستند إلى أي مقوم منطقي أو أخلاقي أو عقلاني، متهمة المعارضة بأنها تخدم أجندة خارجية، محولة المطالب المحقة إلى مسألة مذهبية، لتقوم بحملة من الاعتقالات العشوائية والمطاردات والملاحقات للناشطين السياسيين، مستخدمة القوة المفرطة، وعندما عجزت عن مواجهة غضبة الشعب استقدمت قوة عسكرية سعودية لقمع انتفاضة وثورة الشعب البحريني، فمنذ قمعت الجماهير البحرينية في دوار اللؤلؤة، تتواتر الأنباء عن الانتفاضة الشعبية البحرينية، دون أي تركيز إعلامي، بل بتجاهل مقصود، لأن جزيرة البحرين تقع في خاصرة السعودية، وهي كانت دائماً أشبه ببؤرة ثورية قابلة للانتشار في محيطها الخليجي، ولا سيّما السعودية التي تتأجج نار الغضب فيها تحت الرماد الذي بدأ بالتوهج وتطاير الشرر، ورغم القمع الوحشي في دوار اللؤلؤة، الذي مارسته قوات “درع الجزيرة”، لم تخمد نيران الانتفاضة الشعبية البحرينية، وهي بنظر أي منصف تبدو الأوضح، والأكثر جذباً شعبياً، والأبعد عن العنف ، فهي سلمية رغم التنكيل اليومي، والسجون، ومحاولات تشويه توجهاتها.

إننا إزاء جريمة تتغطى زيفاً بإسم اتفاقية “درع الجزيرة”، وهي اتفاقية نصوصها صريحة تماماً ولكن آل خليفة وآل سعود وكذا آل صهيون، لا فرق، ينزعونها من سياقها الذي يقصر التدخل الخليجي على وجود عدوان خارجى، فأين هو هذا العدوان فى مملكة البحرين، هل هذه المظاهرات هي “التهديد الأجنبي”، حتى يسوغ “آل سعود”، لأنفسهم جريمة الاحتلال والاغتصاب للأرض وللوطن البحريني.

ولا تزال الثورة البحرينية تلك الثورة التي لم تبرز في الإعلام ولم تأخذ دورها الحقيقي حيث يعمل الإعلام على التستر عن الجرائم التي يرتكبها حكام البحرين بحق المتظاهرين العزل والسلميين حيث تستخدم الميليشيات البحرينية المدعومة من “آل سعود”، ضد المحتجين، أسلحة محرمة دولياً والرصاص المطاطي والانشطاري “الشوزن”، والقنابل الغازية الخانقة والسامة، كما تنهال عليهم بالضرب الشديد والقمع الوحشي، واستقدام مرتزقة من الخارج لتستخدمهم في قمع المتظاهرين، ورغم وضوح وعدالة مطالبها، وشعاراتها، وأصالة وطنيتها، وبعدها عن المؤثرات الخارجية، إلا أن النظام البحريني يعمد إلى استخدام أسلحة كيمياوية ضد المحتجين البحرينيين، ورفض الولايات المتحدة التوقيع على بيان مجلس حقوق الإنسان والذي يطالب البحرين بوقف الانتهاكات الدموية ضد الشعب البحريني، وهذا يفنّد مجدداً شعارات ”عرّاب الفتنة والدمار” الأمريكي التي لا تعدو عن كونها مطية ليحشر أنفه في شؤون المنطقة العربية.

فالحراك الشعبي البحريني له تاريخ في الكفاح الشعبي، وحركته الثورية من أنشط الحركات في منطقة الخليج، وأعمقها وعياً، وأطولها نفساً، وعلى مدى عقود، وتجاهلها يقع في خانة التمييز الطائفي، والتشويه، والتحريض، وتبرير القمع في بلاد تُحكم عائلياً، حيث تمتلك العائلة الوطن ملكية خاصة.

في البحرين أعراض تُنتهك ومدن وقرى وأحياء تُستباح وبيوت تُدمر عن بكرة أبيها ورجال ونساء وأطفال يُقتلون بمختلف أنواع الأسلحة المحرمة وجثث يُمثل بها وشبان يُزجون بالمعتقلات ويتعرضون لشتى صنوف التعذيب الوحشي، ذنبهم الوحيد أنهم طالبوا بإصلاحات سياسية وقضائية، ولكن ذنبهم الأكبر أنهم خرجوا بشيبهم وشبابهم بنسائهم وأطفالهم وهتفوا بالحرية والكرامة والعدالة الإنسانية، وكانت جريمتهم التي لا تغتفر أنهم قالوا لا للظلم والديكتاتورية، لا للعنصرية والشوفينية، أما خطيئتهم العظمى التي دفعوا حياتهم واستقلالهم ثمناً لها فهي أنهم آمنوا بالشرعية الدولية، متناسين الخدمات والتسهيلات اللامحدودة واللامشروطة والمجانية الأمنية والعسكرية واللوجستية والاقتصادية التي يقدمها نظام آل خليفة لواشنطن “حامية هذه الشرعية”.

السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا هذه الدويلة الصغيرة الحجم المتصلة بالسعودية مهمة جداً بالنسبة لواشنطن، لقد أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية عام 2002 هذه المملكة الصغيرة “حليف مهم لها غير عضو في الناتو”، وفي عام 2008 كانت البحرين في ظل حكم عائلة “آل خليفة”، الدولة العربية الأولى التي أجرت مناورات عسكرية بحرية مشتركة مع الولايات المتحدة، وليس من فراغ اتخاذ الأسطول الخامس الأمريكي البحرين مركزاً له، لأن البحرين ستكون المركز الرئيسي لأي عمل عسكري أمريكي في المستقبل تقوم في منطقة الخليج. ولنذكر أن البحرين وافقت على تقديم مساعدات لوجستية في الحرب الأمريكية ضد العراق، بوصفها قاعدة عسكرية، كما وأنها ساندت المهمات العسكرية في أفغانستان، وفي هذا السياق باعت الولايات المتحدة خلال العقد الأخير إلى البحرين أسلحة تبلغ قيمتها التقديرية 104 مليار دولار، كما تشارك البحرين في برنامج التدريب العسكري IMET، هذا بالإضافة إلى توقيعها عقد شراء تجهيزات عسكرية تبلغ قيمتها 53 مليون دولار.

إن سياسة الكيل بمكيالين الأميركية ليست بمستهجنة طالما وأن مصالحها هي من يحركها ويحدد توجهاتها هنا وهناك ومن هذا المنطلق تساند أمريكا إرهاب الدولة المنظم الذي تمارسه عائلة ”آل خليفة”، ضد الشعب البحريني، وهنا لا بد من الإشارة إلى التدخل الإيراني الذي أسبغ على انتفاضة شعبية حقيقية طابعا مذهبيا جعل من السهل تشويهها وضربها لتقع انتفاضة شعبية مظفرة بين حجري رحى القمع السلطوي من جهة وبين التشويه المذهبي الذي تطوع له إعلام إيران، فالخدمة التي أسداها هذا التدخل لتكريس وإعادة إنتاج حكم ”آل خليفة” لا يقل عن مهمة “درع الجزيرة” في قمع الانتفاضة وحماية هذا النظام، هكذا تؤدي الأنظمة والقوى الرجعية أدوارها المختلفة في حماية أنظمة تحت سيطرتها في وجه أي حراك أو انتفاضة أو ثورة اجتماعية مماثلة، فلا تنال الثورات تأييداً “عالمياً ” لعدالتها .. فعدالتها بالتحديد ما يريد حكام العالم سحقه.

أيها الشعب البحريني لم يعد لكم سوى كفاحكم وتشبثكم بحقكم في الحياة، لتتواصل المظاهرات والاعتصامات، لتتكاثف الحشود أمام ممثليات الأمم المتحدة في كل عاصمة ومدينة، ولتتوحد الهتافات لأجل الحرية ولأجل البحرين ولأجل حق الشعب البحريني في الحياة والحرية واستعادة وطنه من العصابات الإجرامية التي تفتك به، كل الدعم لنضال شعب البحرين من أجل حقه في الحرية والديمقراطية والكرامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons