كارل ماركس

ماركس .. في ذكرى وفاته

كتب : إيهاب القسطاوي

الرابع عشر من مارس/آذار، الذكري الـ 134 لوفاة كارل ماركس مؤسس الشيوعية العلمية وفلسفة المادية الجدلية والمادية التاريخية والاقتصاد السياسي العلمي، وزعيم ومعلم البروليتاريا العالمية، في الرابع عشر من مارس/آذار 1883، وفي الساعة الثالثة إلا ربعاً من بعد الظهر، كف عن التفكير أكبر مفكر على قيد الحياة، بهذه الكلمات بدأ فريدريك انجلز، صديق ماركس الحميم ورفيق دربه وشريكه الموهوب في وضع وصياغة النظرية التي حملت اسمه، كلمته يوم 17 مارس/آذار أمام قبر كارل ماركس في مقبرة “هايغيت” بلندن، حيث دفن في قبر زوجته جيني ماركس، التي فجع بوفاتها منذ خمسة عشر شهرا “قبل أن يفجع ثانية بوفاة ابنته قبل شهرين”.

ولد كارل ماركس في 5 مايو/آيار 1818 في ترييف حيث أنهى تعليمه الثانوي في عام 1830، والتحق بعد ذلك بجامعة بون ثم جامعة برلين، وفي ذلك الوقت كانت نظرته العامة للعالم قد بدأت تتشكل، وقد ترك الاتجاه اليساري في فلسفة هيجل أثره على تطور ماركس الروحي، لقد تمسك ماركس بالأفكار الديمقراطية الثورية فاتخذ موقفا يسارياً متطرفاً بين الهيغليين الشبان، وفي مؤلفه الأول الذي كان رسالته في نيل درجة الدكتوراه في الفلسفة “الاختلاف بين فلسفة ديموقريطس الطبيعية وفلسفة أبيقور الطبيعية” عام 1841، يخرج ماركس من فلسفة هيجل “رغم مثاليته”، بنتائج جذرية للغاية، وفي العام 1842 أصبح ماركس عضواً في هيئة تحرير صحيفة “راينيش تسايتونغ” ثم أصبح فيما بعد رئيس تحريرها، وقد حول ماركس الصحيفة إلى أداة للديمقراطية الثورية، وخلال نشاطه العلمي وأبحاثه النظرية، اصطدم ماركس مباشرة بالفلسفة الهيجلية، بسبب اتجاهاتها التوفيقية ونتائجها السياسية المحافظة، ولسبب التفاوت بين مبادئها والعلاقات الاجتماعية الفعلية، ومهام تحويل هذه العلاقات، وفي هذا الصدام مع هيجل والهيجليين الشبان تحول ماركس إلى الموقف المادي، ولعبت معرفته بالتطورات الاقتصادية الحقيقية وفلسفة فيورباخ الدور الحاسم في عملية تحوله، وحدثت ثورة نهائية في نظرة ماركس العامة للعالم نتيجة لتغير في موقفه الطبقي، وانتقاله من الديمقراطية الثورية إلى الشيوعية الثورية عام 1844، وقد نتج هذا الانتقال عن تطور الصراع الطبقي في أوروبا، وقد تأثر ماركس تأثراً بالغا بالثورة السيليزية التي وقعت في ألمانيا عام 1844، وعن اشتراكه في الصراع الثوري في باريس التي كان قد هاجر إليها بعد أن أغلقت صحيفته “راينيش تسايتونغ” عام 1843، وعن دراسته للاقتصاد السياسي والاشتراكية الخيالية والتاريخ.

وقد عبر ماركس عن موقفه الجديد في مقالين نشرا عام 1844 بعنوان “في نقد فلسفة الحقوق عند هيغل” هنا يكشف ماركس لأول مرة الدور التاريخي للبروليتاريا ويصل إلى النتيجة القائلة بحتمية الثورة الاجتماعية، وضرورة توحيد حركة الطبقة العاملة مع نظرة عامة علمية إلى العالم، وفي ذلك الوقت كان التقى ماركس وانجلز وبدأ يصوغان بطريقة منهجية نظرة جديدة للعالم، وقد عممت نتائج البحث العلمي والمبادئ الأساسية للنظرة الجديدة في المؤلفات التالية: “المخطوطات الاقتصادية والفلسفية ” عام 1844 ، “العائلة المقدسة” عام  1845، “الإيديولوجيا الألمانية” عام 1845–1846، وقد كتبه ماركس بالاشتراك مع انجلز، “أطروحات حول فيورباخ” عام 1845 ، وأول كتاب في الماركسية الناضجة “بؤس الفلسفة” عام 1847، وتشكلت الماركسية كعلم متكامل يعكس وحدة كل الأجزاء المكونة لها.

في عام 1847 كان ماركس يعيش في بروكسل حيث انضم إلى جمعية دعائية سرية كانت تسمى عصبة الشيوعيين، وقام بدور نشط في المؤتمر الثاني للعصبة، ووضع ماركس وانجلز – بناء على طلب المؤتمر – “بيان الحزب الشيوعي” عام 1848، وفيه استكمالا توضيح الماركسية، وقد وضع هذا المؤلف الخطوط العريضة لتصور جديد للعالم، هو المادية المتماسكة، وهو تصور يضم أيضاً مجال الحياة الاجتماعية والجدل، باعتباره أكثر نظريات التطور شمولاً وعمقاً، ونظرية صراع الطبقات، ونظرية الدور الثوري التاريخي العالمي للبروليتاريا، خالقة المجتمع الشيوعي الجديد (لينين).

إن المادية الجدلية والتاريخية فلسفة علمية على الحقيقة، تمتزج فيها امتزاجا عضويا المادية والجدل، الفهم التاريخي للطبيعة والمجتمع، التعاليم عن الوجود والمعرفة النظرية والممارسة، لقد بدأ ماركس بدراسة المجتمع الإنساني من الواقع المادي الذي نعيش فيه، هذا هو الذي يحدد واقعنا الحي وليست الأفكار التي نؤمن بها هي التي تحدد ذلك، وعلى الرغم من ذلك هناك تفاعل معقد بين الواقع المادي والأيديولوجيات التي تبادر بشرح هذا الواقع، أو في كثير من الأحيان، التعتيم عليه، يمثل هذا تقدماً كبيراً في الطريقة التي ينظر بها للتاريخ على هيئة “الرجل العظيم” أو على الأقل “المرأة العظيمة”، وهذه هي الطريقة التي روجتها المؤسسات التعليمية السائدة في فهم التاريخ، فوفقاً لهذه الطريقة فإن التاريخ يحرك المجتمع إلى الأمام بفضل عبقرية الفرد، وفصله عن العلاقات الاجتماعية وبقية المجتمع، هذا هو السبب الذي جعل دراسة التاريخ في كثير من الأحيان مقتصرة فقط على حفظ تواريخ الملوك والملكات والأباطرة والرؤساء ورؤساء الوزراء، وهلم جرا، فهم الجهات الفاعلة التي تؤثر على التاريخ، ودور البقية منا هو أن ننظر إليهم في رعب، أو في كثير من الأحيان في رهبة، وهم يضربون بحياتنا عرض الحائط، ومع ذلك، حول ماركس هذه الفكرة رأساً على عقب وجلب الجماهير العادية إلى ساحة التاريخ.

وفقاً لمفهوم ماركس، فإن التاريخ يتحرك إلى الأمام، ليس من خلال أفعال الأفراد ذوي السلطة، ولكن من خلال الصراع الطبقي: “فعندما تصل قوى المجتمع الإنتاجية المادية إلى درجة معينة من تطورها، تدخل في صراع مع أحوال الإنتاج القائمة أو بالتعبير القانوني مع أحوال الملكية التي كانت تعمل في ظلها حتى ذلك الوقت. وتتغير هذه الأحوال التي هي قيد على الأشكال التطورية من القوى الإنتاجية. وفي هذه اللحظة تحل حقبة من الثورة الاجتماعية. فتعديل القاعدة الاقتصادية يجر في أذياله قلباً سريعاً بدرجة أكثر أو أقل، لكل الصرح العلوي الهائل.

وعند دراسة الانقلابات التي من هذا النوع يجب دائماً أن نفرّق بين القلب المادي الذي يحدث في أحوال الإنتاج الاقتصادية والتي يمكن تقريرها بدقة عالية، وبين الأشكال القانونية والسياسية والدينية والفنية والفلسفية، أو بكلمة واحدة الأشكال الأيديولوجية التي يدرك الناس في ظلها هذا الصراع ويجاهدون في سبيل فضه، إذا لم يكن في الإمكان الحكم على فرد طبقاً لما يراه هو عن نفسه، فلن يكون في الإمكان الحكم على حقبة مشابهة من الثورة على أساس وعيها بنفسها؛ وإنما بالعكس يجب تفسير هذا الوعي بمتناقضات الحياة المادية في أحشاء المجتمع القديم”، وبالتالي، من أجل فهم الأحداث التاريخية، مثل الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية، أو الثورات البرجوازية التي دمرت قوة الأرستقراطية في بلدان مثل فرنسا وإنجلترا، فأنت بحاجة لفهم كيفية تطوير أشكال جديدة من الإنتاج يبدأ في تقويض الأشكال القديمة الحاكمة للإنتاج، وعلى عكس السياسيين في العصر الحديث ووسائل الإعلام السائدة، لم يكن ماركس يجادل بأن صعود الطبقة البرجوازية والإنتاج الرأسمالي يمثل أفضل ما وصل إليه العالم وأنه نهاية التاريخ. بل لقد رأى ماركس أن الرأسمالية هي مرحلة أخرى في تطور المجتمع البشري، ومرحلة يمكن أن تقود المجتمع إلى الاشتراكية والمساواة، حيث أن الكل يستفيد من الكم الهائل من الثروة الناجمة عن النظام الاقتصادي للرأسمالية، ومع ذلك، لم يكن هذا محسوماً أو مفروغاً منه، وأحياناً يُقال أن ماركس لديه نظرة “ذرائعية” للتاريخ، أي أنه اعتقد بأن التاريخ من شأنه أن يؤدي حتماً إلى الاشتراكية، وقد جعل هذا في الإمكان التغلب على الطبيعة الميتافيزيقية لمادية ما قبل الماركسية والتأمل الملازم لها، واعتبارها الإنسان مركزا للكون وفهمها المثالي للتاريخ، وتعد فلسفة ماركس بمثابة أكثر المناهج كغاية لإدراك العالم وتغييره، وقد أثبت تطور التطبيق والعلم في القرنين التاسع عشر والعشرين – بطريقة مقنعة – تفوق الماركسية على كل أشكال المثالية والمادية الميتافيزيقية، وقد زاد مذهب ماركس قوة باعتباره الشكل الوحيد للأيديولوجية البروليتارية خلال النضال ضد جميع أنواع التيارات غير العلمية المناهضة للبروليتاريا، والبرجوازية الصغيرة.

ويتميز نشاط ماركس بالتشيع “للطبقة العاملة”، وعدم الاستعداد للمصالحة مع أي انحراف عن النظرية العلمية، وقد اشترك ماركس بدور فعال في النضال التحرري للبروليتاريا، فخلال ثورة 1848–1849 في ألمانيا كان في مقدمة النضال السياسي، ودافع دفاعا حازما عن موقف البروليتاريا بصفته رئيسا لتحرير الصحيفة التي أسسها، وعندما نفي من ألمانيا في عام 1849 استقر مؤقتا في لندن، وبعد حل عصبة الشيوعيين 1852، واصل ماركس نشاطه في الحركة البروليتارية عاملا من أجل خلق “الأممية الأولى” 1864، وكان نشيطا في هذا التنظيم، وكان يتابع عن كثب تقدم الحركة الثورية في جميع البلدان، وأبدى اهتماما خاصا بروسيا، وقد ظل ماركس حتى آخر يوم من أيام حياته يعيش في خضم الأحداث المعاصرة، وأتاح له هذا المعلومات التي لا غنى عنها لتطوير نظريته.

وكانت تجربة الثورات البرجوازية في أوروبا في 1848–1849 ذات أهمية كبرى في تطوير ماركس لنظرية الثورة الاشتراكية وصراع الطبقات، ولفكرة دكتاتورية البروليتاريا، وتكتيكات البروليتاريا في الثورة البرجوازية، وضرورة تحالف العمال والفلاحين “الصراعات الطبقية في فرنسا” عام 1850، والتدمير الحتمي لأداة الدولة البورجوازية “الثامن عشر من برومير لويس بونابرت” عام 1852.

وعندما درس ماركس تجربة كومونة باريس “الحرب الأهلية في فرنسا” عام 1871، اكتشف شكلا لدولة دكتاتورية البروليتاريا، وحلل بعمق الإجراءات التي اتخذتها سلطة أول دولة لدكتاتورية البروليتاريا.

وفي كتابه “نقد برنامج غوتا” عام 1875 أحدث ماركس مزيدا من التطور في نظريته في الشيوعية العلمية.

كتابه الرئيسي هو “رأس المال”، نشر المجلد الأول منه عام 1867، والثاني نشره إنجلز عام 1885 والثالث في عام 1894، وقد وضع خلق الاقتصاد السياسي العلمي للشيوعية، وتكمن الأهمية الفلسفية لكتاب “رأس المال”، في تجسيده المنهج الجدلي في البحث بصورة رائعة، وقد وضع ماركس في صورة موجزة في مقدمته لكتاب “نقد الاقتصاد السياسي” عام 1859، وهو واحد من أوائل مؤلفاته في الاقتصاد، جوهر الفهم المادي من فرض إلى علم. وتحتوي مراسلات ماركس على الكثير مما يميز فلسفته، ولم يسبق قط أن تأكد مذهب على هذا النحو في التطبيق، كالمذهب الذي وضعه ماركس، وقد طور لينين – إلى جانب تلاميذه وأتباعه – الماركسية في ظل ظروف تاريخية جديدة .. فلتكن الذكرى بارود احمر يلهب الثوريين .. كونوا أوفياء للقضية كما كان ماركس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons