ميدان التحرير ابان ثورة يناير/كانون ثاني 2011

تاريخ وتحليل الثورات الشعبية في مصر عند لويس عوض

كتب : خليل كلفت*

لويس عوض والثورات الشعبية .. تبدو العبارتان متناقضتين، فعلاقة لويس عوض بالأدب الإنجليزي والأوروپى والثقافات اليونانية واللاتينية والأوروپية والفرعونية علاقة موسوعية بديهية يصول ويجول فيها هذا المفكر العظيم أما الثورات الشعبية فهي آخر ما نتوقع أن يدرسها لويس عوض، وإنْ كان هذا فى سياق علاقة رئيسية ببحثه المتواصل فى تطور الفكر المصرى الحديث فى كتابه البالغ الأهمية “تاريخ الفكر المصري الحديث” وإنْ كان بحثه في إطار “تأريخي” وليس فى إطار تحليلى وفكري وفلسفي في المحل الأول، وهذا جانب يفاجئنا ويُدهشنا في كتابه البالغ الأهمية.

والحقيقة أنني تناولت في مؤتمر سابق للمجلس الأعلى للثقافة منذ سنوات مسألة تفاجئنا وتُدهشنا بدورها تتمثل في اهتمام لويس عوض بالعلم اللغوي العربي في دراسة تتعلق بالتاريخ المقارن لفقه لغتنا في كتابه “مقدمة في فقه اللغة العربية”، أي في مجال لغوي يبدو غريبا على مجالات دراسة لويس عوض، الذي كان في المحل الأول، تماما مثل سلفه العظيم طه حسين، جسرا بين الثقافتين العربية والأوروپية، كما أنه كان يدرك الحرب الفكرية والإدارية التي سيتعرَّض لها بحثه في ميدان يحرِّمه العلم اللغوي العربي، هو ميدان فقه اللغة العربية، وسرعان ما تمت مصادرة الكتاب، وكانت تلك المصادرة دعاية هائلة للكتاب لم يحلم بها مؤلفه، مع أنه كان يُدرك دون شك أنه كان يُحدث ببحثه ثورة حقيقية في تطور فقه اللغة العربية لم يسبقه إليها أحد، وهي ثورة كانت الثورة المضادة، الأصولية الدينية اللغوية، جاهزة لمحاربتها، وما تزال تلك الحرب مشتعلة إلى الآن، دون أن يجرؤ باحث لغوي في هذا المجال على مجرد الاقتراب منه ردًّا على حرب الافتراء والتشويه على الكتاب وعلى لويس عوض باعتباره عدوا للعروبة والإسلام.

وتأتي قراءتي الجديدة لهذا الكتاب أثناء وفي أعقاب ثورة شعبية كبرى يُوجب فَهْمنا لأبعادها أن نبحث في كل الاتجاهات في مسألة تبدو لنا بديهية لأنها ثورات احتجاج على الظلم الاجتماعي عندما يتعاظم ويتفاقم ويستفحل هذا الظلم إلى حد الانفجار. غير أن بحث علاقات ثورتنا بوصفها ثورة ب”ثورات” أخرى مختلفة يجعل فَهْم الثورات الشعبية في مصر، وثورتنا الشعبية الأخيرة، مسألة مفاجئة لاهتمامات لويس عوض ومناقضة تماما لتصوراتنا لكلٍّ من الثورة الشعبية كمفهوم والثورة المصرية كواقع مثير للجدل.

وكانت معاناتي الفكرية لثورة 25 يناير(كانون الثاني)، استمرارًا مكثفًا لاهتمامي السابق عليها بقضية الثورة الاجتماعية والثورة الشعبية؛ وهو اهتمام يتجلى بوضوح في مقدمتي لترجمتي لكتاب أليكسي دو توكڤ-;-يل “النظام القديم والثورة الفرنسية”؛ الصادر عن المركز القومي للترجمة في 2010. غير أن ثورة يناير نقلت اهتمامي بهذه القضية إلى مستوى المعاناة الفكرية وخروجي إلى التفكير “خارج القفص”، الأمر الذي انتهى بي إلى مفاهيم جديدة تفصل الثورة الشعبية كثورة شعبية احتجاجية ضد الاستغلال والفساد والظلم والاستبداد فصلا تاما عما يسُمَّى بالثورة الاجتماعية التي انتهيتُ إلى تسميتها بالتحوُّل الاجتماعي-السياسي مُدمجا الثورة الاجتماعية على هذا النحو بالثورة السياسية، بدلا من الفصل بينهما عند ماركس والفكر الماركسي، في الفكر ولكنْ ليس في الممارسة، ومستعملا لفظة التحوُّل هنا بدلا من لفظة الثورة في عبارة الثورة الاجتماعية أو بالأحرى الثورة الاجتماعية-السياسية تفاديا لاستخدام نفس اللفظة الواحدة أي لفظة “ثورة” لظاهرتين مختلفتين تماما هما ظاهرة التحوُّل الاجتماعي-السياسي”، “اللا-الانفجاري” بحكم طبيعته التدريجية التراكمية، وظاهرة الثورة الشعبية، أي ظاهرة الاحتجاج الشعبي الانفجاري ضد الظلم، “الانفجارية” بحكم طبيعتها كعاصفة ثورية انفجارية احتجاجية غاضبة.

ومن المؤسف أن طابع التقرير التاريخي لأحداث ثورات شعبية بدلا من التركيز على تحليلها فكريا يطبع بطابعه بحث لويس عوض. وهو أمر مؤسف لأنه لا يركز على مادة فكرية يمكن بحثها ونقدها وتحليلها، غير أن طريقة عرضه لعناصر هذه المادة الغنية وتعليقاته هنا وهناك، على هذا العنصر أو ذاك، على تفاصيل تطور هذه الثورات وسلوكها ومصائرها توفر أساسا لنقد تصوراته عن الثورة الشعبية.

وكان مفهوم “الثورة الاجتماعية” غائبًا عن رؤية لويس عوض، مع أن المفاهيم الماركسية كانت في متناول كل باحث اجتماعي أو تاريخي، يتبنَّي مواقفها النظرية لتلك المفاهيم أو يعارضها في بحث نظري مكتمل للثورات الشعبية في مصر. ذلك أن كارل ماركس، الذي هو صاحب النظرية العلمية لتحوُّل المجتمعات من أنماط إنتاجية اجتماعية إلى أخرى، أربكته ثورة 1789 الفرنسية العظمى، أيقونة كل ثورات التاريخ الحديث، بحيث بدا له، أمام هذا المشهد الشعبي الثوري التاريخي الهائل، أنه يقدم اندماجا بين الثورة الاجتماعية والثورة السياسية مع أن الفصل بين هاتين الثورتين نظريا وليس في الممارسة العملية كان يؤدي إلى انفصالهما وليس اندماجهما، ولم يقدم كارل ماركس نماذج لثورات اجتماعية خالصة ولا لثورات سياسية خالصة، وساعد غياب مفهوم ثورة شعبية منفصلة في نظرية كارل ماركس على اعتماد تصوُّر عن ثورة واحدة اندمجت في واقعها الاجتماعي العملي كل هذه المفاهيم النظرية المنفصلة.

ومن المؤسف أن غياب مفهوم نظري سليم عن الثورة الشعبية وعن ثورات شعبية لاحقة وبالتالي تقليص قدرتها على الاستفادة من فَهْم واضح لطبيعتها وحدودها وانتزاع الحدّ الأقصى من المكاسب المنطقية الممكنة منها بدلا من التركيز على أوهام تحوُّلات تاريخية مستحيلة. وكان هذا هو ما انتهى بثورتنا إلى أن تنغرز نتيجة لتصورات وتهويمات مفاهيم غامضة عن الثورة، في متاهات أوهام الوصول إلى السلطة، وإسقاط النظام، وتحقيق كل الشعارات المباشرة والضمنية للثورة الشعبية، بدلا من تحقيق الممكن وليس المستحيل، أي تحقيق مستويات باقية من الديمقراطية الشعبية من أسفل.

وعندما انتهت الثورة إلى ما انتهت إليه، أخذت قوى الثورة تُنْحِى باللائمة على النظام وكأنه يُفترض أن يحقق أهداف الثورة، وكأنما كان على الثورة المضادة -أي النظام- أن تقوم بوظيفة الثورة، بدلا من أن تُنْحِى باللائمة على نفسها لتقاعسها، بحكم عدم وعيها، عن تحقيق أهداف تحققها الشعوب وليس الثورات المضادة. وبفضل درجة من الإدراك الغامض بهذه الحقيقة أصيبت قوى الثورة بالإحباط واليأس والابتعاد عن السياسة أو الهجوم اللاعقلاني على الدولة التي لا يملكون نظرية عن طبيعتها الطبقية ولا عن وظيفتها الاجتماعية، بكل مؤسساتها التي تبدأ بقوانينها وتنتهي إلى جيوشها، وكأنها تفترض أن تقوم الدولة -أي الثورة المضادة- بإنصاف الثورة.

*نشرت للكاتب الراحل بتاريخ 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2014

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons