تعودت ألا أقاوم عشقي لركوب القطارات

كتب : حمدي عبد العزيز*

تعودت ألا أقاوم عشقي لركوب القطارات وكيف أقاوم ذلك وأنا الذي تعود منذ طفولته أن يلتصق وجهه بزجاج نافذة القطار أو بالأضلاع المعدنية لنافذته عندما تكون بلا زجاج.

مازلت إلى اليوم أنا الطفل الذي تتعلق عينيه المحدقين بولع وتحفز فضولي من وراء زجاج القطار متشبثة بالأشجار التي تهرول إلى الوراء.

كل شجرة تفر مهرولة إلى الوراء تعقبها شجرة أخرى وأشجار مهرولة مع أراضي وكائنات وأشياء تجري كلها هاربة من جسارة وجرأة القطار على الاقتحام.

البيوت أيضا تفر من القطار الجسور.

كانت في سابق السنوات بيوتاً من الطين تفر وتعقبها سواقي تجرها أبقار وجواميس وسط حقول خضراء متنوعة وفلاحون ينحنون بالفؤوس على الأرض كمشاهد تجري بأكملها إلى الخلف.

تبدلت البيوت الطينية شيئاً فشيئاً بالبيوت الأسمنتية منها ماهو ذو طابق ومنها ماهو ذو طابقين على الأكثر.

إلى أن ظهرت بيوتاً ذات طوابق أكثر عدداً وأكثر ارتفاعاً وأكثر افتخاراً بثراء أصحابها لتبتلع مساحات من الأخضر.

المياه شريط طويل لاينقطع إلا على محطات القطار أو للحظات جغرافية قصيرة ثم تحضر ثانية لتواصل المضي إلى الماضي الذي يفر بفعل عجلات القطار التي لم انشغل بها يوماً.

تلاشت السواقي شيئاً فشيئاً وتبدلت بماكينات الري الملطخة بالزيوت السوداء وتراكمات رماد الوقود، هي الأخرى تهرول من عيني إلى الوراء.

الأشياء كلها والكائنات تدربت قبل أن توجد على ثقافة الهروب من ذلك القطار الجسور إلى الخلف.

يالها من حياة.

هل هناك من طريقة تجعلني على حالي جالساً إلى جوار نافذة القطار إلى أبد غير معلوم في صباح ممتد ومحطات وصول لاتأتي أبداً.

أنا الطفل الذي إذا ما خرج له مارد المصباح الذي أخبرته به أمه وهو مستند برأسه على حجرها؛

إذا ماصاح في وجهه الآن منحنياً باسطا كلتا يديه وفاتحاً كفيه بانحنائته الشهيرة قائلاً:

– شبيك لبيك.

لقال له طفل القطار الذي هو أنا:

– لاأريد سوى الجلوس بجوار نافذة القطار في صباح كهذا إلى أبعد أمد ممكن.

*قيادي في الحزب الاشتراكي المصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons