الشهيد كمال جنبلاط

6 آذار علامة فارقة في النضال الفلسطيني

كتب : عباس الجمعة*

تحضرني الذكرى السنوية لأبطال عملية الشهيد كمال جنبلاط، هذه العملية البطولية لنسور جبهة التحرير الفلسطينية في السادس من آذار(مارس) عام 1980، وأسر فيها جمعة خلف اليوسف، وعبد الحليم محمد حافظ، من خلال عمليتهم البطولية بالطيران الشراعي، حيث كانت هذه العملية ناجحة حسب الخطة المرسومة لها، إذ هبطت طائرتين داخل معسكر للصهاينة بإصبع الجليل ودارت معركة ناجحة قُتل فيها العشرات من جنود الاحتلال واستمرت العملية حتى نفدت الذخيرة واستشهد أحد الطيارين، وأسر رفيقه، والثانية هبطت في موقع قريب من قرية شفا عمرو الفلسطينية، كذلك أُسر الطيار بعد معركة عنيفة، وكان هؤلاء الأبطال يحملون أرواحهم على أيديهم، حيث أدرك أبطال المجموعة تمام الإدراك أنها رحلة بلا عودة، يدركون أنه عندما تحط طائراتهم في نقطة الهدف فما من وسيلة ستجعلها تقلع مرة أخرى، وقد حملت عملية الطائرات الشراعية اسم رمز الحركة الوطنية اللبنانية الشهيد الكبير كمال جنبلاط، وذلك وفاء للشهيد الكبير كمال جنبلاط الذي أدرك بوعيه القومي والتقدمي والإنساني بأن فلسطين هي البوصلة، وشكل بمواقفه تاريخ مشرق لكل فلسطين بوقوفه ودعمه لقضية فلسطين، الأرض والإنسان، ولفلسطين هوية الأحرار والمناضلين، كما ربطته علاقة التحالف مع امين عام الجبهة الشهيد القائد ابو العباس والتي تؤكد بأن هذا الشعب عصي على الكسر وأنه صلب، من ينسى مشهد الطفلة الفلسطينية التي فقدت أبيها وعاهدته على الاستمرار في المقاومة، أو تلك السيدة المكلومة التي فقدت فلذة كبدها وهي تزغرد في عرس استشهاده.. أو ذلك الرجل الذي وقف على ركام منزله المدمر وبايع المقاومة، حيث أكد الشهيد ابو العباس أن كل هذا الألم فداءً لها، داعياً للاستمرار بالمقاومة والتمسك بالحقوق .. وتحصين الجبهة الداخلية من محاولات العدو الصهيوني لاختراق هذه الجبهة عبر القتل والتدمير وارتكاب المجازر والتهجير والتشريد.

ومن هنا بالعودة إلى عملية الطيران الشراعي نسور جبهة التحرير الفلسطينية التي ساهمت في تغيير منحى الصحافة العالمية والعربية في ذلك الحين للحديث عن المقاومة الفلسطينية الباسلة فرضت نفسها بقوة على الرأي العام العالمي، حيث أسقطت العملية إفشال نظرية الأمن الصهيوني الزائفة والمضللة لمستوطنيه، حيث أن الاحتياطات الإلكترونية ونظام الدفاع الأمني لم يستطع منع الفدائي المقاتل من تنفيذ مهماته وواجباته، كما أن العملية كان ابطالها يتكونون من سوري وفلسطيني لتؤكد أن النضال من أجل فلسطين ليس حكراً على الفلسطينيين بل هو يشمل الأجيال العربية من المحيط إلى الخليج.

لهذا ميزت جبهة التحرير الفلسطينية عملياتها النوعية والاستشهادية على أرض فلسطين، فقد كان دائما لعملياتها العسكرية الأثر المدوي التي هزت الكيان الصهيوني، بإشراف الرفيق الشهيد القائد الامين العام ابو العباس ورفيق دربه القائد سعيد اليوسف والقائد ابو العز ورفاقهم،وشكلت عمليات جبهة التحرير الفلسطينية من الجو بالمنطاد والطيران الشراعي، ومن البحر بالزوارق ومن البر بعدة عمليات نوعية واستشهادية، صفحات مضيئة في تاريخ النضال الفلسطيني.

لذلك فقد شكلت جبهة التحرير الفلسطينية بدورها النضالي وأمجادها وبطولاتها وعظمتها، انضمام العديد من المناضلين العرب وشرفاء وأحرار وثوار العالم خلال مسيرتها الطويلة وتاريخها الساطع، وإرثها النضالي والكفاحي العريق، ومؤسسيها وقادتها، الشهداء وفي مقدمتهم الشهيد الرمز ابو العباس.

وشكلت عملياتها في الطيران الشراعي والمنطاد الهوائي البعد الوطني والقومي، بالرغم من تكالب المؤامرات على الثورة الفلسطينية من الامبرياليين الدوليين والصهاينة الغزاة وبالرغم من تكاثر المؤامرات على القضية الفلسطينية بقوة وتركيز، حيث استطاعت الجبهة باستمرار نضالها بكل الايمان والتحدي في جذورها واسسها ان تخترق طريقها وتشق دربها حاملة معها من الجراح والآلام طريق النضال، حيث كانت تصنع المعجزة مع التكامل الرائع في مسار النضال، وشكلت مع جميع المناضلين طريق الكفاح وخاصة مع حلفائها ورفاق السلاح في حركات التحرير في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، لأنهم جميعا كانت الجبهة تقف وإياهم في خندق نضالي واحد تصنع تراثا حيا ومتجددا في مواجهة القوى الامبريالية والمؤامرات الصهيونية.

وفي ظل الظروف التي كانت تعيشها الثورة الفلسطينية آنذاك أعادت العملية زرع الثقة لدى الجماهير العربية ومشاعر الفرح الغامر والأمل والتفاؤل بإمكانية هزيمة الاحتلال، حيث خرجت الجماهير في المخيمات تعلن عن فرحتها وهي تطلق النار في السماء وتوزع الحلوى، وأعادت الاعتبار للبعد القومي تجاه القضية الفلسطينية، وتحطيم أسطورة الجيش الصهيوني الذي قيل لا يقهر، ولفتت العملية أنظار العالم إلى أن الرقم الفلسطيني رقم صعب عصي على الشطب.

ومن هذا الموقع نقول إن النضال الوطني شكل على الدوام ذاكرة في الإنسان العربي الفلسطيني لا تنسى، لأن فلسطين محفورة في الوجدان والذاكرة كما الشهداء ماثلين أمامنا أطفالاً ورجالاً وشيوخاً ونساءً، وحتى لا ننسى تفاصيل قرانا ومدننا وفلسطين.

أمام كل ذلك اراد الشهيد القائد ابو العباس من تسمية عملية الطائرات الشراعية باسم الشهيد القائد كمال جنبلاط رمز الحركة الوطنية اللبنانية، وتقديرا لتضحيات الشعب اللبناني الشقيق وإسناده للثورة الفلسطينية وما قدم من تضحيات، ولتشكل العملية تاريخ فجر جديد مشرق بالانتماء لكل فلسطين: الأرض والإنسان، فلسطين هوية الأحرار والمناضلين والاسم الحركي لمناهضة الإمبريالية العالمية وحليفها الكيان الصهيوني.

ختاما: ستبقى عملية الشهيد كمال جنبلاط في ذاكرة المناضلين، ولن ننسى الشهداء الذين سقوا الأرض الفلسطينية بدمائهم العطرة وكللوا الجبال والوديان بأرواحهم، تاركين لنا أمانة أغلى وأعز من كل ما في هذه الأرض، التي أضاءت وسط ظلام راية النضال من اجل تحرير الأرض والإنسان، هذه الراية التي ستبقى تحمل اسم فلسطين شامخة مرفوعة الرأس، منتصبة القامة حتى تحقيق اهداف الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال والعودة.

*كاتب سياسي فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons