الكاتبة المصرية فاطمة ناعوت

في ظني .. أخطأت فاطمة ناعوت

كتب : حمدي عبد العزيز*

ناهيك عن الأسطر التالية فأنا أحد الذين يحترمون تلك السيدة لشجاعتها في مواجهة تيارات النسخة المصرية من الوهابية البغيضة التي أصبحت جزءاً مهماً من محنة العالم العربي

كذلك فإنني واحد من الكثيرين الذين تضامنوا معها – وقدر جهدي وامكاناتي المتواضعة ولازلت وسأظل أحد المتضامنين معها في محاولات الإرهاب الديني التي تعرضت وتتعرض لها عبر الملاحقات القضائية والإعلامية من عناصر الإرهاب غير المسلح الذي لا يقل خطورة علي الوطن من الإرهاب المسلح وخاصة أن عناصره الأزهرية وكوادره التحتية لازالت تمسك بأحشاء المجتمع المصري رغم سقوط هيمنته السياسية علي مؤسسات الحكم في 2013.

كتبت فاطمة ناعوت في جريدة المصري اليوم بتاريخ 27 فبراير 2017 مقالاً بعنوان [تكفير داعش مسألة أمن قومي] تناشد فيه الأزهر إصدار فتوى بتكفير داعش كرد فعل مباشر على عملية قتل وذبح مصريين مسيحيين في العريش وتهديد كامل الأسر المسيحية ودفعها نحو الهجرة القسرية من سيناء .

وهي جريمة بشعة غير مسبوقة في حق جميع المصريين وتهدد بالفعل سلامة الوطن وتهدد سبيكته الوطنية في الصميم وتشكل تهديداً غير مسبوق للأمن القومي المصري وللدولة المصرية.

إلا أن سلاح المواجهة الأنسب مع هؤلاء الدواعش المسلحين هو مواجهتهم بأجهزة الدولة المسلحة عبر الجيش والشرطة بالتوازي في نفس الوقت مع ضرورة فتح جبهة التنوير الفكري وتحديث الفكر الديني والثقافات التراثية بل والثقافة العامة للمصريين عبر فتح كافة المنافذ والمنابر للمناضلين من أجل الاستنارة والتقدم في النضال من أجل سياق نهوض وطني شامل يقضي على جذور فكر الفقر والجهل، ولعلي هنا أصل إلى مكمن الخطأ الذي ارتكبته السيدة فاطمة (ربما في غمرة التأثر الوجداني بالحدث).

تقول الأستاذة فاطمة ناعوت في مقالتها:

[ الأزهر صاحب الكلمة العليا “والوحيدة”في إيمان المسلمين أو كفرهم وردتهم … ألم يحن الحين بعد حتى يصدق الأزهر أن في يده “وحده”الآن العصا السحرية التي تئد الإرهاب في مصر ، وتدحر داعش في العالم وتحقن دماء المسيحيين في العريش؟ ]

((ملاحظة علامات التنصيص من عندي)) ….

فلنتأمل العبارة جيداً ونتسائل

هل تريد الأستاذة فاطمة فعلاً أن يكون الأزهر صاحب الكلمة الوحيدة في إيمان المسلمين أو كفرهم؟

وناهيك هنا عن داعش!

فمنح هذا السلطان للأزهر سيجعل منه رقيباً ومفتشاً عاماً علي النوايا والضمائر كي مايؤدي هذه الوظيفة التي ستحدد من المؤمن ومن الكافر من المسلمين وحتماً سينسحب هذا السياق إلى غير المسلمين ويترتب علي قناعتنا بكلام الكاتبة أن نملك بأيدينا صكوك الكفر والإيمان ومن ثم صكوك الغفران إلي تلك المؤسسة التي سيطرت عليها منذ سبعينيات القرن الماضي عمامات الوهابية المصرية التي تنتج الداعشيين المسلح منهم والغير مسلح؟

ألا يعيدنا ذلك إلى ما قبل القرون الوسطى ويصل بنا – ربما بأسرع مما تريد عصابات الإرهاب المسلحة – إلي الهدف النهائي للنسخة الوهابية المصرية وهو إقامة دولة الحاكمية التي يعملون ويتآمرون ويرتكبون الجرائم والخيانات الوطنية من أجلها منذ مائة عام؟

انتبهي ياسيدتي فهذا لن يحقن دماء المسيحيين اخواننا في السبيكة الوطنية في العريش بل علي العكس سينتهي بذلك إلي اعتبار أن كل المسيحيين في مصر ذميين وتحت رحمة الأزهر الذي سيعلو فوق الدولة وأجهزتها وسيكون هو منصة الوهابية للهيمنة علي أنقاض الوطن لإقامة دولة الحاكمية.

واندهش كيف أغفلت الكاتبة – في مبلغ تأثرها بالحادث الذي فجعنا جميعاً – وهي الشاعرة المثقفة المفكرة التي تقاتل في معارك الاستنارة كيف أغفلت الأسلحة الحقيقية في مواجهة الإرهاب واختزلتها في سلاح سحري اكتشفته اليوم يتمثل في فتوى الأزهر حيث تقول [فتوى واحدة معلنة وقاطعة بتكفير داعش سوف ترفع عنهم الغطاء الإجتماعي البشري الذي يخفي مسوخ داعش عن عيون رجال الأمن من الجيش والشرطة في العريش وفي سيناء وفي كل بقعة من العالم ]

وهنا يقفز التساؤل

هل نحن في معركة دينية مع داعش وغيرها؟

أم نحن في معركة شاملة مع قوى التخلف والجهل والظلام؟

هل جنودنا في سيناء يحاربون في معركة دينية أم يحاربون في معركة سلامة الوطن ووحدة أراضيه؟

إذا كانت المعركة معركة دينية أرضها الفقه الديني إذن فليسترح جنودنا وليوفروا دمائهم ولتسترح أقلامنا وليكف المناضلون عن النضال من أجل الاستنارة ولتجلس الدولة تحت ظل شجرة ما انتظاراً لطلقة سحرية واحدة ساحقة ماحقة تتمثل في فتوى يطلقها الأزهر.

((وربما سترتد إلى صدورنا نحن))

بالعامية نقول (ماكانش حد غلب)

فمن قال أصلاً أن تنظيم داعش يعترف بالأزهر الرسمي وفتاويه؟

ومن قال أصلاً أن الأزهر هو الحل المشكلة وأنه لم يكن طوال عقود مضت جزء من المشكلة ولايزال بما اقترفت عمامته (إلا فيما ندر).

في النهاية كنت لا أود أن أشير إلى ما أفلت بحسن نية من الأستاذة فاطمة ناعوت لكي يتسرب لمن يسئ الظن أن المسألة دعوة تقتضي أن يتولى الأزهر السيطرة والولاية علي المصريين مسلمي الديانة وبالتالي بداهة تتولى الكنيسة السيطرة والولاية على المصريين مسيحيي الديانة فتنهدم – لاقدر الله – أركان الدولة ويضيع الوطن.

ربما كانت لا تقصد ذلك ولكنها في النهاية رمت سهامها الطائشة في هذا المقال فأصابت ماأصابت.

ولعلي أنا الشخص الفقير إلى العلم والتجربة هو المخطئ.

*قيادي في الحزب الاشتراكي المصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons