حال اليسار الفلسطيني في ذكرى انطلاقة الجبهة الديمقراطية

كتب : محمد جبر الريفي*

تنظيم الجبهة الديمقراطية الذي يحتفل شعبنا بذكرى انطلاقته الرائدة هذه الأيام هو تنظيم يساري ماركسي لينيني هام يمارس دورا سياسيا بارزا في الساحة الفلسطينية في كل ما يتعلق بمسيرة النضال الوطني وكان أهم إنجاز سياسي له هو صياغته لبرنامج الحل المرحلي الذي وافق عليه المجلس الوطني الفلسطيني وأصبح بعد ذلك هو برنامج منظمة التحرير الفلسطينية والذي يعرف الآن على المستوى الدولي بمشروع حل الدولتين الذي وصل إلى طريق مأزوم متعثر بسبب تعنت الكيان الصهيوني وعنصريته وتمسكه بالرواية الأصولية الدينية اليهودية التي لا تخلو من خرافات مزعومة.

تنظيم الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين تأسس على أرضية تجديد برنامجي قائم على جهد فكري من قبل عناصر قيادية في حركة القوميين العرب وقد انتقل هذا الجهد من حيز التحليل السياسي والطبقي إلى حيز العمل من خلال عملية معقدة وصفت حينها بعملية انشقاق عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قبل 48 عاما معلنا هذا التنظيم عن منهجه الفكري القائم على الالتزام بالنظرية الماركسية اللينينية كطريق للنضال الثوري لتحرير فلسطين وذلك بعد أن ثبت عجز البرجوازية الصغيرة في قيادة النضال الوطني وكذلك بعد إخفاق أنظمتها الوطنية في مواجهة المشروع الصهيوني ووصول برنامجها التنموي إلى الفشل من خلال وضع المجتمع على طريق التطور اللارأسمالي مما سهل لقوى الثورة المضادة الانقضاض على مجمل الإنجازات الوطنية التي تحققت وكان ذلك التراجع في الموقف القومي عند أنظمة البرجوازية الصغيرة العربية أكثر وضوحا في مصر التي توصلت مع الكيان الصهيوني بعد أفول المرحلة الناصرية إلى معاهدة اتفاقية كامب ديفيد برعاية أمريكية.

كان فشل برنامج البرجوازية الصغيرة حافزا كبيرا للتغيير ومطلبا ضروريا للتجديد في البنى والأدوات التنظيمية ولكن كان أفضل لمسيرة الثورة الفلسطينية ولمسيرة حركة القوميين العرب في ذلك الوقت أن يتم التغيير في البرنامج الفكري بعملية تنظيمية داخلية تقوم على الحوار والتعبير الديمقراطي الحر باعتبار أن كلا الأسلوبين هما من استحقاقات أي تجديد برنامجي وبنيوي بعيدا عن عملية الانشقاق وذلك بهدف الحفاظ على وحدة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي وصلت هي الأخرى إلى نفس التحليل السياسي والطبقي أي عجز وفشل برنامج البرجوازية الصغيرة في قيادة النضال القومي ولكن والحقيقة يجب أن تقال وهي أن الذي حدث في تلك المرحلة كان وراءه عوامل أخرى أيضا بخلاف العامل الأيديولوجي حيث شكلت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بانطلاقتها في تلك المرحلة التي أعقبت هزيمة يونيو حزيران 67 من فرع حركة القوميين العرب في الساحة الفلسطينية وأبطال العودة وجبهة التحرير الفلسطينية وعناصر مستقلة. شكلت رؤية سياسية يسارية لمعركة التحرير وعلى الرغم من عدم انطلاقها في تلك المرحلة من النظرية الاشتراكية العلمية أو مسترشدة بها إلا أنها طرحت فكرا تحرريا عاما جعلها تبرز في الواقع السياسي الفلسطيني والعربي كرافعة حقيقية للنضال الوطني والقومي لتحرير فلسطين لكونها حازت على التفاف شعبي وطني ورصيد جماهيري قومي وتحالفات مع حركات التحرر عالمية وتأييد من قوى دولية تقدمية واشتراكية كبرى الأمر الذي جعلها في موقع التناقض مع مشروع اليمين البرجوازي الوطني والقومي وتحالفاته على المستوى الإقليمي والدولي وقد ترجم هذا التناقض إلى دور سياسي تامري قامت به بعض أطراف هذه القوى لتفكيك الجبهة ولاضعافها كقصيل له إرث نضالي وامتداد قومي تاريخي (اعتقال جورج حبش في دمشق ).

خلاصة القول هو أن انطلاقة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بإضافة تنظيم جديد للساحة السياسية الفلسطينية جاء ضمن تطورات وانشقاقات في الحركة الوطنية الفلسطينية حيث ظاهرة الانشقاق أصبحت ظاهرة ملازمة بعد ذلك لفصائل العمل الوطني حتى أن تنظيم الديمقراطية نفسه انتهى أخيرا بخروج حزب الاتحاد الديمقراطي (فدا) من رحم الجبهة بقيادة ياسر عبد ربه مما يرجح أن ظاهرة الانشقاق السياسي التي اجتاحت الساحة السياسية الفلسطينية كانت في غالبيتها ظاهرة محكومة بدوافع شخصية أكثر من كونها خلاف سياسي أو فكري محكوم بالتناقضات أو بالتعارضات لانها كواقعة سياسية كانت دائما تتعلق بهدف الطموح والسعي إلى الوصول لتولى مرتبة القيادة أو مايعرف بالأبوة الروحية لقائد التنظيم أو الحزب.

كان من المؤمل أن تتم الوحدة بين قوى يسارية موجودة في الساحة السياسية الفلسطينية ليس بينها أي تباين كبير على المستوى السياسي والأيديولوجي وذلك حتى ينهض اليسار الفلسطيني ويشكل القطب السياسي الثالث في المعادلة الوطنية الفلسطينية ويأخذ موقعه الحقيقي في قيادة النضال الوطني في مواجهة مشروع اليمين البرجوازي الوطني والديني وقد جرت في الحقيقة سلسلة من الحوارات والاجتماعات بهدف الوصول إلى جبهة يسار موحدة ولكن انتهت جميعها بالاخفاقات ويمكن القول أن الحفاظ على المكاسب التنظيمية لكل فصيل يساري وعدم استعداد قياداته من الصف الأول على التنازل عن مواقع القيادة التي لها امتيازاتها وجاذبيتها وبريقها الإعلامي هو العامل الذي قد يسبب عدم إنجاز هدف وحدة اليسار وهذا ليس غريبا في أحزاب يسارية نشأت في مجتمع شرقي ذكوري ما زالت تسوده علاقات اجتماعية متخلفة .

السؤال ماذا حققت الثورة الفلسطينية من مكاسب حقيقية في عملية وجود تفسخ قوى اليسار سوى اضعافه وعدم قدرته على إنجاز برنامجه الوطني الديموقراطي؟

كل التحية والتقدير للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في ذكرى انطلاقتها الثامنة والأربعين.

*كاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons