الجامعة العربية .. صلاحيات معطلة ودور قومي مفقود

كتب : محمد جبر الريفي*

لم يعد لجامعة الدول العربية التي تأسست في مصر قبل منتصف القرن الماضي بقليل، وبرضا وموافقة بريطانية استعمارية بالخصوص حيث كان النظام الملكي في مصر ما زال قائما وتربطه معاهدة عسكرية تبيح وجود قوات بريطانية في قناة السويس، ولم تكن ايضا الدول العربية المنضمة إلى عضويتها في ذلك الوقت أكثر من سبع دول هي التي كانت قد حصلت بالفعل على استقلال سياسي شكلي. لم يعد لهذه الجامعة العربية الآن كمنظمة إقليمية عربية أي قيمة سياسية تمارسها أو دور قومي هام تقوم به، فقد أثرت ظروف النشأة والتأسيس هذه على سياسة الجامعة ودورها فظلت في وظيفتها على شكل تجمع رقمي للدول العربية التي لا تربط بعضها ببعض أي مصالح سياسية واقتصادية واحدة مشتركة الأمر الذي جعلها غير قادرة على تغيير الواقع العربي مقتصرة في أداء عملها على مراعاة مواقف الأنظمة العربية ومتكيفة باستمرار مع مصالحها القطرية الضيقة.

ظلت الجامعة العربية كما تأسست بدون أي تطور حقيقي يواكب روح العصر الذي يشهد تعددا واضحا في ظهور الأقطاب الدولية والتكتلات السياسية والاقتصادية على مسرح السياسة العالمية كما يشهد الآن تفجر صراعات داخلية عربية وإقليمية، ففي الوقت الذي تطورت فيه منظمات إقليمية كالاتحاد الأوربي الذي انبثق عن السوق الأوروبية المشتركة والاتحاد الأفريقي الذي تأسس كتطور عن منظمة الوحدة الأفريقية بقت جامعة الدول العربية على شكلها وبنيتها التنظيمية الهيكلية القديمة لذلك عجزت عن القيام بدورها القومي الفاعل في تحقيق الأهداف التي كانت في الماضي مرفوعة حتى من قبل الأنظمة العربية نفسها كالتضامن العربي ووحدة الصف كشعار كان له رواجا في الماضي في الحياة السياسية العربية وذلك بعد تراجع المشروع القومي العربي وإخفاقه في تحقيق هدف الوحدة العربية.

في المجال السياسي العربي لم يعد يبقى للجامعة العربية من دور بارز تقوم به في الحياة السياسية العربية سوى التحضير لمؤتمرات القمة العربية الدورية التي لم يشعر المواطن العربي بأهميتها لأنها لا تعبر عن آمال وأهداف الجماهير العربية التي تنوء بثقل الهموم الاقتصادية والاجتماعية الطاحنة بقدر ما تعبر عن سياسات الأنظمة العربية الحاكمة ومواقفها من القضايا العربية وهو ما عبرت عنه بجلاء المبادرة العربية للسلام التي أقرت في قمة بيروت.

هذا الدور المتسم بالضعف الذي تقوم عليه الجامعة العربية يرجع في الواقع إلى عاملين أساسيين، أولهما: ضعف النظام العربي الرسمي نفسه وتنافر أطرافه وعلاقتها بالقوى الإقليمية والدولية وعدم قدرته كنظام في اتخاذ قرارات سياسية مستقلة نابعة من الإرادة القومية العليا، لذلك ظلت جامعة الدول العربية مجرد تجمع عددي ليس له استقلالية وغير قادر على اتخاذ قرارات سياسية صعبة إلا إذا كانت لصالح الدول الغربية الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة، وكان قرار الجامعة بالموافقة على تدخل حلف الناتو الاستعماري في أحداث ليبيا التي أدت إلى إسقاط نظام القذافي كدليل على توافق قرارات الجامعة مع المصالح الحيوية الغربية التي كانت تعادي النظام الليبي السابق وتلصق به تهمة رعاية الإرهاب الدولي. كذلك موقف الجامعة العربية من الأزمة السورية حيث مالت في موقفها من الصراع الدموي الداخلي في سوريا إلى موقف المعارضة السورية المدعومة من دول الخليج العربي وتركيا والدول الغربية وألغت بذلك مقعد النظام السوري الذي يمثل الشرعية.

أما ثاني العوامل في جعل الجامعة العربية عديمة القيمة في الحياة السياسية العربية هو في صياغة بنود نظامها الداخلي الذي يجعل من دولة المقر هي المهيمنة بشكل أو بآخر على صلاحيتها واتخاذ بعض قراراتها السياسية، فمع كل التقدير لجمهورية مصر العربية ولدورها القومي التاريخي ولمكانتها الحضارية ولتعدادها السكاني الذي يقارب تسعين مليونا. كل التقدير لها باعتبارها الشقيقة الكبرى إلا أنه لا يجوز أن يبقى النظام السياسي فيها مهما كان اتجاهه مهيمنا على بعض قرارات الجامعة ومعطلا لبعض صلاحيتها. ففي واقعة سياسية حدثت مؤخرا قامت السلطات المصرية بمنع دخول أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح، جبريل الرجوب، الى أراضيها، وكانت قد وجهت له دعوة رسمية من قبل أمين الجامعة نفسة، السيد أحمد أبو الغيط، لحضور مؤتمر عن الإرهاب الدولي والتنمية، وهو موقف سياسي اتخذته سلطات مطار القاهرة حيث تم إعادته على نفس الطائرة التي اقلته من عمان. موقف أوردناه هنا في هذا السياق كمثال يوضح عن غياب استقلالية الجامعة في اتخاذ قراراتها، وهذا ليس دفاعا عن شخص الأخ جبريل الرجوب نفسه كأحد قادة حركة فتح بقدر ما هو إدانة لموقف رفض قرار دعوة الجامعة والخروج عن صلاحيتها، فمقر الجامعة في القاهرة مفترض أن يكون أرض جميع العرب بعيدا عن سياسات النظام السياسي في تعاطيه مع نزعة التجزئة الإقليمية الضيقة.

*كاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons