باستبعاد حل الدولتين .. دولة ديمقراطية واحدة أم بدائل تسوية ناقصة

كتب : محمد جبر الريفي*

تخلت الولايات المتحدة لأول مرة وبشكل رسمي من خلال تصريح الرئيس الأمريكي ترامب أثناء زيارة نتنياهو إلى واشنطن تخلت عن التزامها بالعمل على تحقيق مشروع حل الدولتين وهذا يعني إطلاق يد الكيان الصهيوني لضم الضفة الغربية المحتلة وإغلاق ملف التسوية لأنه بهذه الخطوة الإسرائيلية ستكون اتفاقية أوسلو قد انتهى الالتزام الإسرائيلي بها لأن مهمتها الانتقالية تكون قد انتهت وهو موقف يستدعي من منظمة التحرير الفلسطينية التي أبرمت الاتفاقية باسمها أن تسحب اعترافها بإسرائيل وأن تعود للمطالبة بإقامة الدولة الديمقراطية الواحدة على كامل أرض فلسطين التاريخية دون تمييز قومي وديني بين مواطنيها العرب واليهود وهو الحل الوحيد الذي يستطيع أن يكون بديلا عن حل الدولتين.

ولعله من الطبيعي أن نتساءل الآن بعد تخلي الإدارة الأمريكية الجديدة عن مشروع حل الدولتين باعتباره ليس المشروع الوحيد الذي يمكن التوصل إليه بين الفلسطينيين والإسرائيليين ..لعله من الطبيعي أن نتساءل الآن ما هي مكونات الموقف الأمريكي اصلا من عملية السلام في المنطقة ؟ وهل هذا الموقف الأمريكي من مشروع حل الدولتين له جذوره السياسية أم هو جاء فجأة مع قدوم ترامب إلى البيت الأبيض وذلك ليكون استجابة للموقف الإسرائيلي الرافض لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة؟ من المعروف أن الموقف الأمريكي ظل دائما منحازا إلى جانب الكيان الصهيوني منذ تأسيسه عام 48 وكانت الولايات المتحدة الأمريكية من أوائل الدول التي اعترفت به والحق يقال أن كل الأطراف الدولية المؤثرة في عملية الصراع باتت تعترف بحق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة بناء على قرار التقسيم الصادر من الأمم المتحدة باستثناء الطرف الأمريكي الذي لم يحسم هذه المسألة بشكل نهائي فظلت قضية الدولة عنده مرهونة بالموقف الإسرائيلي ذاته وبذلك كانت الإدارات الأمريكية المتعاقبة لا تمارس ضغوطا كافية مؤثرة على الكيان حتى يلتزم باستحقاقات عملية السلام وفي مقدمتها إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية على حدود 67 وحل مشكلة اللاجئين حسب قرار الأمم المتحدة المتعلق بهذا الشأن.

في الآونة الأخيرة باتت تطرح عدة حلول للقضية الفلسطينية وهو أمر ليس جديدا على مسيرة التسوية التي بدأت بمؤتمر مدريد للسلام وحتى قبل انعقاد مؤتمر مدريد كان يتم تصور عربي ودولي لحل نهائى للقضية الفلسطينية وكل هذه الحلول كانت قد وصلت إلى طريق مسدود لأنها لم تقدم حلا عادلا يلغي التناقض القائم بين المشروعين المتصارعين المشروع الوطني الفلسطيني الذي يؤكد على الثوابت الوطنية التاريخية وبين المشروع الصهيوني العنصري وبذلك كانت توصف دائما القضية الفلسطينية في المنابر الإعلامية الدولية بأنها مسألة سياسية معقدة الأمر الذي فرض على الحلول السياسية المطروحة صياغات ملفقة تقوم أكثرها على فكرة الضم والالحاق للكيان الفلسطيني بعيدا عن هدف إقامة الدولة الوطنية المستقلة.

بعد حرب أكتوبر عام 73 برز التصور الأمريكي للسلام في الشرق الأوسط وبشكل واضح في اطار معاهدة كامب ديفيد التي طرحت حكما ذاتيا محدودا للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة رفضته حينها منظمة التحرير الفلسطينية وعلى اثر الغزو الإسرائيلي للبنان طرحت واشنطن عام 82 مبادرة (ريغان) كتصور أمريكي استراتيجي للسلام لا يتعارض مع مشروع (إيجال آلون ) ومبادرة (ريغان) تنص على إعطاء الفلسطينيين حكما ذاتيا ضمن الأردن أي عدم إعطاء الشعب الفلسطيني حق تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة وبذلك ظلت فكرة الضم والالحاق للشعب الفلسطيني هي الفكرة الطاغية على كل مشاريع التسوية التي تطرح وكان مشروع الوطن البديل في الأردن هو أهم مشروع تجسده هذه الفكرة نظرا لأنه يوجد على أرضه أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في الشتات وكان للنظام الملكي الهاشمي تصورا هو الآخر قائم على تأكيد وتعميق هذه الفكرة (الضم والالحاق) بل عمليا يوظفها عبر طموح العائلة الهاشمية التاريخي في رغبتها بتوسيع دولة المملكة الهاشمية في المشرق العربي وهكذا بعد أحداث أيلول الأسود طرح الملك الراحل حسين مشروع المملكة العربية المتحدة ليضم الضفة الغربية وقطاع غزة إلى الأردن وهو مشروع إلحاقي لا يختلف مع مشروع إيجال آلون الصهيوني.

بعد تعثر المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي ووصول مشروع حل الدولتين إلى مأزق حاد رغم كونه الوحيد من بين مشاريع التسوية الذي يحظى بإجماع دولي بدأت تعود إلى الحياة السياسية في المنطقة موجة طرح حلول التسوية وكلها تقوم ايضا على فكرة الضم والالحاق أي تنظر للشعب الفلسطيني وكأنه شعب زائد في المنطقة بدون أي اعتبار لهويته الوطنية أو تقديرا لنضاله الوطني ويجب لذلك البحث له عن كيان سياسي يلتحق به ومشروع توني بلير واحدا من هذه الحلول التي وجدت تفهما من أطراف عربية ودولية وهي إقامة دولة فلسطينية بإدارتين أحدهما في الضفة ومرجعيتها في الأردن والأخرى في قطاع غزة ومرجعيتها في مصر. أما دولة غزة وسيناء التي تروجها الآن حكومة نتنياهو على أنها مشروع طرحه الرئيس المصري السيسي في إطار حل إقليمي للقضية الفلسطينية يشمل تبادل أراض بين مصر والكيان في منطقة النقب بدلا من دولة فلسطينية في الضفة وقطاع غزة فهو ايضا مشروع سياسي تلفيقي يقوم على فكرة الضم والإلحاق في حين يطرح الائتلاف اليميني الحاكم برئاسة نتنياهو مشروع دولة الفصل العنصري الذي يقوم هو الآخر بضم الضفة الغربية رسميا إلى الكيان أي نظام الابرتهايد كالذي كان قائما في جنوب افريقيا قبل إسقاطه وكل هذه الحلول هي في الواقع حلول تسوية ناقصة لا تستطيع أن تشكل بدائل حقيقية لمشروع حل الدولتين أو مشروع الدولة الديمقراطية الواحدة المرفوض كليهما من قبل الكيان الصهيوني لأنها لا تعالج القضايا الجوهرية في الصراع وقد بدأت تطرح الآن مع مجيء الإدارة الأمريكية الجديدة والكيان الصهيوني يجد فيها تحقيقا لهدفه الرئيسي الذي يضمن له البقاء وعدم التفكك و الذي يستمر في تضليل الرأي العام الدولي حوله وهو عدم الموافقة على إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية على حدود 67 لأنه يرى في الوضع السياسي والأمني الذي تمر به الدول العربية الآن حيث الصراع الداخلي على السلطة في أكثر من دولة. يرى فرصته الحقيقية لتمرير مشروعه الصهيوني التوسعي.

*كاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons