فيدل كاسترو في ختام مؤتمر اتحاد الشباب الشيوعي الثامن: لقد فقدت الرأسمالية كل جوهر إنساني

اختتمت في الخامس من ديسمبر/كانون الأول عام 2004، أعمال المؤتمر الثامن لاتحاد الشباب الشيوعي الكوبي، والذي عقدت في قصر المؤتمرات، بالعاصمة الكوبية هافانا، وقد شهدت الجلسة خطابا ألقاه رئيس جمهورية كوبا، الزعيم فيدل كاسترو روز، تلبية لدعوة الاتحاد.

جاء في خطاب الزعيم الكوبي:

(حضرات المندوبين والمدعوّين والمشاركين في المؤتمر الثامن لاتحاد الشبيبة الشيوعية:

سبق لجزء من المفاهيم التي سأعبر عنها اليوم أن تم قوله أو نشره؛ بعض منه تطوّر على نحو أكبر في خضم الصراع، بينما تتناول مفاهيم أخرى الأهداف التي تم تحقيقها؛ وبعض ثالث هو عبارة عن تمعّن.

في مثل هذا اليوم الذي تدعونني فيه إلى توجيه الكلمة لكم، سأحاول أن أشرح حيثية خصوصية هذا اليوم بالنسبة لنا جميعاً والدافع لهذه الخصوصية.

 

إن المسؤولية التي وقعت على كاهلي عل مدى هذه العملية الثورية المكثّفة والشاقة، وبشكل خاص علاقتي بمعركة الأفكار، يرغماني، وللأسف، على العودة إلى خطابات وتمعّنات ومفاهيم جاءت على لساني، وهو أمر لا يروق لي، ولهذا أطلب منكم المعذرة سلفاً على ذلك. طالما حضرني الاعتقاد بأن الأفكار لا تتمحور حول الشخصيات العامة، إنما هؤلاء هم الذين يجب أن يتمحوروا حول الأفكار.

الدرجة التي تجرأت بها على التكهن بالأحداث التي بدأت تتأكد صحتها اليوم كحقائق لا تُدحض، إنما هي على ارتباط حصري بتجربتي المتراكمة. أمكن لي أن أموت في وقت مبكّر، إلى ثوار كوبيين كثيرين على مدى تاريخنا.

فأعداء الأمس واليوم فعلوا كل ما بوسعهم من أجل تحقيق ذلك، ولكنني حظيت بميّزة خوضي للصراع خلال سنوات كثيرة، منذ أن راودتنا في الأشهر الأولى من عام 1953 فكرة الاستيلاء على أسلحة فوج سنتياغو دي كوبا من أجل البدء بخوض الكفاح، والميّزة لا تشكّ فضيلة؛ إنما تكمن الفضيلة الحقيقية في كل أولئك الذين سقطوا وكانوا على استعداد للتضحية حتى بأرواحهم من أجل الأهداف التي كنّا ندعو إليها.

عندما كان بعضهم يهنِّئني، قبل ثلاثة أيام بالكاد، مذكّراً لي بحلول الذكرى الثامنة والأربعين لإنزال يخت “غرانما”، كانت الدهشة ردّة فعلي الأولى. كم من وقت مضى وكم من حدث وقع منذ ذلك الحين! ففي لحظات تسرقنا فيها واجباتنا الراهنة، بالكاد يتمتع بعضنا نحن الذين شاركنا بتلك العملية بثانية واحدة لتذكّر بدايات المسيرة الطويلة التي كنّا نشرع بها أيام ثكنة “مونكادا” ويخت “غرانما”. من شأني أن أعرّف كل ذلك على أنه عملية تعلّم طويلة يدهشنا فيها الجهل نفسه الذي بدأنا به بسلوك ذلك الطريق الجديد كلّياً.

باختصار بالغ الإيجاز، وعبر استخدام عبارات حرفية أحياناً، ألجأ إلى مورد التذكير بما قلته في ثلاث لحظات سبقت “معركة الأفكار” التي تسود اليوم على روح المؤتمر الثامن لاتحادنا، اتحاد الشباب الشيوعي المرموق.

في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول 1997، في التقرير المركزي للمؤتمر الخامس للحزب، قلت:

“واضحة هي الحاجة لعمل أقوى وأكثر كثافة في صفوف شبابنا، ذلك أن هذا الزمن وهذا الحزب يستلزمان مواصلة تغذيهما بكوادر وأعضاء قادمين من صفوف الشبيبة.

أعتقد أنه اليوم وأكثر من أي وقت مضى، أكثر من أي مرحلة أخرى، كون هذه المرحلة هي الأصعب والأقسى، يحتاج الأمر لعمل خاص مع الشباب وفي تأهيل شبابنا، لأنه، خلافاً لذلك، يمكن للذين يأتون بعد هذا الجيل ألا يعودوا أفضلين”.

“نريدهم أن يتحلوا بأعلى قدر من وعي دورهم، ووعي ما يمكنهم فعله من أجل بلدهم وما يمكنهم فعله من أجل الثورة، وما يمكنهم فعله من أجل مستقبلهم”.

في كلماتي عن الشباب في جلسة اختتام أعمال المؤتمر الخامس للحزب، في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 1997، أشرت:

“لدينا الحزب، ولدينا شبيبتنا الرائعة –نعم، هكذا، بهذه الكلمات، شبيبة رائعة!-، والتي نطالبها بالطبع، وسنطالبها دائماً بالمزيد، وسنطلب منها المزيد من العمل السياسي؛ وهو عمل سياسي ليس ذات الشيء كاستخدام شعار سياسي. الحزب أيضاً كان في بعض الأحيان، وخلال زمن طويل، وجيزاً، دوغمائياً، عمل بكثير من الشعارات السياسية، وليس دائماً بالحجج والبراهين”.

“لا بد من العمل مع المواطنين بشكل ملموس، واحداً واحداً؛ وليس هو بالعمل من خلال الصحافة والتلفزيون فحسب، أو من خلال المحاضرات، أو الجمعيات العمومية السياسية. فنشاط إقناع الأشخاص واحداً واحدا هو نشاط تاريخي. الأديان قامت على هذا النحو وقد دامت آلاف السنين”.

“نحن الثوّار علينا أن نفعل ذات الشيء. كوادرنا وكوادر الشبيبة عليهم أن يعملوا بهذه الطريقة، وليس وضع أحد في منزلة الحالة الضائعة”.

“انطلاقاً من أعمق قناعة بأن الحق يحضرنا وأننا ندافع عمّا هو أعدل، وما هو أروع، وما هو أكثر إنسانية، يجب المناقشة كل الوقت الذي يستلزم الأمر مناقشته، والشرح كل المرات التي يحتاج الأمر لشرحها، التعليم، التهذيب. فلا يمكن القيام بعمل سياسي بشكل تجريدي. والتعمّق بالمعارف، بالأفكار، بما يحدث هنا وما يحدث في العالم. أن يكونوا صريحين، أن يكونوا جريئين، وأن يكونوا صادقين”.

“يوجد في الحزب 780 ألف مواطن، ثم هناك باقي الثوّار الذين ليسوا أعضاءً في الحزب. إنها مهمة الجميع مهمة تحويل ما هو استثناء في حالات كثيرة إلى قاعدة، ومهمة إشاعة أفضل ما لدينا من تجارب وخبرات. كيف يمكن لنا ألا نحقق ذلك؟ ما الذي نحن عليه؟ ما هي قيمتنا إذا لم نكن نستطيع ذلك؟ فبكل ما نتمتع به من معرفة اليوم، وبكل الإمكانيات المتاحة لدينة، علينا أن نفعل ذلك. من شأن هذا أن يشكل النصر الحقيقي للأفكار”.

وفي العاشر من ديسمبر/كانون الأول 1998، في المؤتمر السابع لاتحاد الشباب الشيوعي، أكدت:

“لا بد من الاجتماع، في خضم المعركة، مع القوة النّخبة من أجل التداول والبحث والتعمق ووضع الخطط والاستراتيجيات وتناول المواضيع وإعداد الأفكار، على غرار اجتماع قيادة أركان أي جيش”.

“إن استخدام الحجج المتينة للتكلم مع الأعضاء ومع من هم ليسوا بأعضاء؛ ومن أجل التكلم مع من يمكن أن يكونوا ضائعين، أو حتى للمناقشة والجدل مع أولئك الذين يمكنهم أن يكونوا في مواقف معادية لمواقف الثورة، أو لأنهم متأثّرين بأيديولوجية الإمبريالية في صراع الأفكار الهائل هذا الذي نخوضه منذ سنوات بالذات من أجل تحقيق مأثرة التمكن من مقاومة أعتى إمبراطورية في الميدان السياسي والعسكري والاقتصادي والتكنولوجي والثقافي منذ الأزل. يجب أن يكون كوادر الشبيبة على درجة عالية من الاستعداد لهذه المهمّة.

“السلاح الرئيس في هذا النضال ذي الطابع الأيديولوجي هو الأفكار، وأهم ترسانة ذخائر هي أيضاً ترسانة الأفكار. علينا أن ندجّج كوادرنا بالأفكار، لكي يقوموا هم بدورهم بنقلها إلى كل الشباب وكل الشعب”.

“إن هذا الجيش يعرف خطّته، ويعرف استراتيجيته، وليأخذ الأعداء علماً بذلك أثناء المسيرة. أعود لربط فكرة هذا الصراع بمعركة كبرى يخوضها جيش طليعي، قوة نخبة من قوات الثورة. أضع في المكان الأول الثورة والحزب، وهما في نهاية الأمر ذات الشيء”.

“في الاجتماع المقتضب مع اللجنة الوطنية تمكنت من التحدث إليكم بقدر أكبر من الحرية، أكبر بعض الشيء، لكونه عدداً أصغر من الرفاق، وفي اجتماعٍ مع المكتب الوطني يمكننا أن نتكلّم بقدر أكبر بعد من الحرية، وبمزيد من الحجج وعناصر الحكم”.

وقلت آنذاك: “لقد شكل هذا المؤتمر السابع مؤتمراً رائعاً، إنه واحد من المؤتمرات التي تم فيها التداول بأكبر إسهاب، والذي لم يتم فيه بأي شكل من الأشكال التهرب ولو من واحد فقط من المواضيع؛ بل على العكس من ذلك، كانت هناك دعوة متواصلة لتناول كل المواضيع، مهما كانت شائكة، ومهما كانت معقّدة، وذلك بالذات من أجل الخروج من هذا الاجتماع بكل ما يمكن من الفائدة، وأظن أننا حققنا ذلك”.

وقد كان ذلك ممكناً -ولا بد من قول هذا بشكل قطعي-، بفضل عملٍ ما فوق العادي تم القيام به على مدار سنة كاملة، في ظل قيادة المكتب الوطني لاتحاد الشباب الشيوعي. الحقيقة أنه هنا حيث تم تقديم شهادات عرفان، لا بد من التعبير عن عرفان صادق جداً ومن القلب للرفاق أعضاء المكتب وللعديد من الكوادر الذين عملوا، تحت قيادة أوتو، بدءاً من الدعوة لإحياء المؤتمر وحتى هذه اللحظة عينها”.

“لقد تعلّمنا جميعاً، ليس فقط أنتم وإنما نحن أيضاً”.

وأضفت لهم: “إن هذا المؤتمر يعكس تعززاً متزايداً لاتحاد الشباب الشيوعي للوصول به إلى التمتع بخبرة وتنظيم أرقى من الخبرة والتنظيم اللذين تمتع بهما أبداً، وكذلك بمكان ونفوذ أكبر من اللذين تمتع بهما أبداً في قطاعات أساسية، استراتيجية فعلاً بالنسبة لمجتمع اليوم، بل وأكثر من ذلك، بالنسبة لمجتمع المستقبل، بالنسبة لبلد المستقبل؛ بالنسبة لمنظمة كالمنظمة التي يحتاجها هذا العصر، هذا العصر التاريخي!”.

“أحد الأفعال ما فوق العادية لثورتنا هو أنه منذ مجيئها إلى العالم –ويمكن القول بأن أفكار ثورتنا قد تولّدت في ذلك المرتفع الجامعي-، كانت هناك علاقة وثيقة بين أختين توأمين، بل ويمكن القول أنهما أختين سياميّتين، بين الثورة والشبيبة. وليبحثنّ في أي بلد آخر من العالم عن درجة من السمو تبلغ ما بلغته وتبلغه وستبلغه درجة السموّ هذه دائماً في هذه العملية الثورية العميقة. إن ثورتنا تولد كل يوم من جديد، لأن الأفكار التي نمثّلها، والعدالة التي ندافع عنها، والقضية التي نناضل من أجلها، هي اليوم القضية، ولا يمكن وجود قضية أخرى غير قضية آلاف الملايين من الأشخاص على وجه هذا الكوكب”.

“وأقول أفكاراً لأن هذا الصراع الذي نتكلم عنه الآن سوف يكون بشكل أساسي صراع أفكار؛ فهو لن يكون حروباً. مشكلات العالم لن تُحلّ بأسلحة نووية، فهذا أمر مستحيل، ولن تُحلّ عبر الحروب؛ بل وأقول أكثر من ذلك، لن تُحلّ عبر ثورات منعزلة يمكن ضمن النظام القائم بالعولمة النيوليبرالية سحقها بكل بساطة خلال أيام أو خلال أسابيع على الأكثر”.

“غير أن ذلك لا يمكنه أن يجعلنا نهمل الدفاع دقيقة واحدة، لأنه مع قيام الأزمات المحتّمة، يمكن لأي تغيير في الإدارة، أو لوجود مجموعة ذات نزعة فاشية أو يمينية متطرفة في السلطة أن يكون كافياً لكي تعود الإمبراطورية إلى مغامراتها السابقة. لا يمكن استبعاد مخاطر الاعتداءات العسكرية. إن المعركة الحقيقية اليوم هي معركة الأفكار”.

“تجري عولمة العالم على نحو متسارع، وعلى نحو متسارع يجري وضع نظام اقتصادي عالمي غير قابل للديمومة ولا لتحمّله. الأفكار هي المادة الأوّلية التي يتم بها تكوين الوعي، وهي المادة الأولية بامتياز للأيديولوجية. أفضّل أنا أن أسمّيها مادّة أولية للوعي للتعبير بأن الأمر لا يتعلّق بأيديولوجية محضة وصارمة، وإنما بوعي متقدّم، أي قناعة بما يعكف مئات الملايين وآلاف الملايين من الأشخاص على هذا الكوكب على الوصول إليه، وهي قناعة ستكون بلا شك أفضل خيار لكي يصل الأمر بهذه الأفكار للانتصار في كل العالم.

ليست الأسلحة؛ إنما الأفكار هي التي ستحسم هذا الصراع العالمي. وليست الأفكار من حيث قيمها الذاتيّة، وإنما من حيث الدرجة العالية جداً من ملاءمتها للوقائع الموضوعية التي يعيشها عالم اليوم. إنها أفكار تنطلق من القناعة بأنه ليس أمام العالم، من الناحية الحسابية، مخرجاً آخر، والقناعة بأنه لا يمكن لوجود الإمبريالية أن يدوم، والقناعة بأن النظام الذي يفرضونه على العالم يؤدّي به إلى كارثة، إلى أزمة لا ملاذ منها، وأتجرأ على القول بأن هذا الأمر هو أكثر منه عاجل من آجل.

“إنما انطلاقاً من هذه الاعتبارات ومن هذه القناعات أقيّم أنا ما قمنا بتحليله وما نقوم بفعله في هذه الأيام؛ ليس هذا بالأمر الوحيد أو ما شابه ذلك، ولكنه يكتنز قيمة ما هو جوهري”.

“إن هذه المعركة التي تقومون أنتم بخوضها لا يمكن خسارتها. فبدون المهام التي من واجبكم القيام بها، وبدون العمل الذي ستقومون أنتم بتنفيذه –وسوف تنفذونه بشكل ناجح على الإطلاق، بدون أدنى شك عندي-، ليس بالإمكان الحديث عمّا نحلم به، ليس فقط بالنسبة لأبناء وطننا، وإنما بالنسبة لجميع سكان هذه المعمورة.

لم يحدث أبداً، في أي مكان كان، أن فعل شعبٌ ما يقوم شعب كوبا بفعله اليوم. وما يقوم بفعله اليوم بأفكار، عبر زرعه للأفكار، وعبر حصده للأفكار وتطويره للأفكار، سيكون من المستحيل انتهاءه إلى شيء آخر غير انتصار الأفكار، مع الثقة بأن هذه الثورة لن تندثر ولن تنكسر، لأنها تقوم بشكل متين على أساس أفكار آخذة بالتعمّق وبالتطور.

الأفكار العادلة هي أفكار لا تُهزَم. وقد قال عنها مارتيه: ‘خنادق الأفكار هي أمتن من خنادق الحجارة‘ و”يمكن لقضية عادلة أن تقوى من قعر مغارة على ما لا يقوى عليه جيش‘”.

“ليست الأفكار مجرّد أداة لخلق وعي يحمل الشعوب على النضال، وإنما أن الأفكار قد تحوّلت إلى أداة النضال الرئيسية في هذه اللحظة؛ ليس إلى إلهام، وليس إلى دليل، وليس إلى مرشد، وإنما إلى أداة النضال الرئيسية”.

لسنا دوغمائيين ولا يمكننا أن نكون كذلك؛ بدون عقائد من أي نوع كان، وبعقلية جدليّة ومرنة بالفعل، مما لا يسمح بالانتهازية أو بالعقائدية ولو بحد الأدنى منهما.

إننا مرنون ونحن جدليّين انطلاقاً من التزامنا الصارم بمبادئ وأهداف عمليتنا الثورية، وبأهدافنا الجديدة التي لم نطلبها من أحد، ولم نكن نطمع بها، ولم نكن نسعى إليها، وإنما الأهداف الجديدة التي أنزلتها الحياة وأنزلتها قصة ما حدث خلال هذه العقود على بلدنا وعلى ثوريينا. وما دام الأمر كذلك، لا يعود هناك من خيار آخر أمامنا غير خيار النضال بكل الحماس، مع التفكير ليس بأنفسنا فقط، وإنما بكل الرفاهية التي يمكن لثمار نضالنا أن تعنيها بالنسبة لعدد ولا أكبر من الأشخاص في العالم”.

كان قد مر عام واحد بالضبط على قول هذه الكلمات حين شاء القدر أن تبدأ “معركة الأفكار” الهائلة التي أخذ شعبنا بخوضها منذ خمس سنوات من اليوم وما يزال يخوضها حتى الآن.

في الخامس من يوليو/تموز 2000، عند منح خوان ميغيل غونزاليز وسام “كارلوس مانويل دي سيسبيديس”، استذكرتُ كيفية تعرّفي به قبل ذلك بعام واحد، في الثاني من ديسمبر/كانون الأول بالذات، وكيف بدأت المعركة من أجل عودة إليان. قلت في ذلك اليوم:

في كل لحظة من اللحظات لم أرَ على وجهه إلا ملامح رجل نبيل وصادق وجاد.

عبّرت له عن قناعتي بأنهم لن يعيدوا الطفل عبر الإجراءات القضائية أبداً. وأن محاكم الولايات المتحدة ليس لها أي ولاية قانونية في هذه القضية، وأن واجب إعادة ابنه فوراً لم يكن يقع إلا على كاهل سلطات الهجرة الأمريكية؛ ولكنني كنت أعرف حق المعرفة كم يبلغ سلوك سلطات الولايات المتحدة من العجرفة والتعسّف والتحيّز والتواطؤ في كل ما يتعلق بالأعمال النابية والجرائم التي ترتكب ضد شعبنا. لم يكن بالإمكان إحراز إعادة الطفل إلا عبر معركة سياسية ومعركة رأي عام محلي ودولي مكثفة”.

في اليوم التالي –وكما علّقت في ذلك الاحتفال- تحادثت مع الرفاق في قيادتنا، واتصلت بدون أن أضيِّع دقيقة واحدة مع قادة اتحاد الشباب الشيوعي واتحاد الطلبة الجامعيين. إن الشبان والطلبة سيكونون الطليعة في هذا النضال بدعم كامل من جانب كل القوى الثورية.

بعد ذلك بثمانٍ وأربعين ساعة، وكان يوم أحد ليلاً –كهذا اليوم، قبل خمس سنوات بالضبط-، قام أول احتجاج أمام مكتب رعاية مصالح الولايات المتحدة، شارك فيه ألف شاب من الفرق الفنية كانوا قد انتهوا لتوهم من عقد مؤتمر وطني لهم.

هكذا بدأ الكفاح الملحمي من أجل تحرير إليان. وتلك المعركة من أجل الإفراج عن طفل تحوّلت إلى معركة من أجل العدالة ومن أجل سعادة كل أطفالنا وشعبنا”.

بأعمق قناعة، سبق وعبّرت عنها في كلمة اختتام أعمال المؤتمر السابع للشبيبة التي استذكرتها هنا، بأن الأفكار هي السلاح الأساسي لنضال البشرية من أجل خلاصها، كانت المعركة التي بدأناها معركة فكر، معركة حجج، معركة ردود وردود على الردود، ولكنها كانت أيضاً معركة أفعال وإنجازات ملموسة.

في عملية تنسيق ودفع عجلة نحو 200 برنامج للثورة تم وضعها حيز التنفيذ كمحصّلة لهذه المعركة تحرّك اتحاد الشباب الشيوعي كجزء من مجموعة عمل “معركة الأفكار”.

لمهام التبادل والتحليل وتوجيه هذه المجموعة المكوّنة في أغلبيتها من مسؤولين من الشباب الشيوعي وممثلين عن العمال والطلاب وعن أعضاء لجان الدفاع عن الثورة والنساء، في ظل قيادة حزبنا، كرّستُ خلال هذه السنوات أكثر من سبعة آلاف ساعة من الجهد المثمر والخالد في الذاكرة.

لقد تم العمل خلال كل هذا الوقت في التعمق في الرؤيا النقدية وليس المسايرة الذاتية لإنجازنا ولأهدافنا التاريخية. لقد وُضِعَت حيز التطبيق مفاهيم ثورية تقضي على النزعة الشكلية والقناعة بما هو قائم وتعجّل من عمليات التحوّلات الضرورية لمستقبل البلاد.

يأتي من بينها بعضٌ تم أخذه من ملاحظات سجّلها كوادر من الشبيبة ومشاركون آخرون في اجتماعاتنا:

  • لا ينبغي أن يذهب أي شاب محلاً للإهمال وأن يُترك أي مواطن رهناً لمشيئة القدر.
  • ليس هناك من مشكلة بلا حل، وما يتعلّق به الأمر هو العثور على خيارات.
  • عملية التنسيق التي يتم القيام بها يجب أن تتمتع بالبحث المتواصل من أجل اتخاذ القرارات، وبمعلومات حديثة تأخذ بعين الاعتبار كل التفاصيل وبكل دقّة؛ والإمعان والتفكير جيداً بكل خطوة، والتحرك بسرعة وعدم إضاعة دقيقة واحدة أبداً.
  • إيجاد مناهج وآليات تنسيق جديدة لكي تشارك جميع المؤسسات والهيئات في ظل المفهوم القائل بأن الأولوية تكمن في مصالح البلاد فوق اعتبار التناقضات البيروقراطية، وفوق اعتبار التطلع إلى لعب أدوار رئيسية والغيرة والحسد بين المؤسسات.
  • تحقيق اضطلاع واسع والتزام من جانب الكوادر والعمال المشاركين في كل واحد من البرامج.
  • تطبيق النقد والإمعان في الوقت المناسب.
  • كل فكرة تؤدّي بنا دائماً إلى أخرى جديدة، وهذه تؤدي بنا إلى فكرة وأفكار أخرى. الفكرة الجديدة، مهما بدت جيّدة، يجب أن تخضع للامتحان والتجارب الجادّة في ظروف واقعية.
  • التكتم والمشاطرة هما مبدأين أساسيّين في نشاط قيادة وتنسيق البرامج. لا يُعلَن عن هذه البرامج إلا بعدما تتحوّل إلى واقع؛ بهذه الطريقة نتفادى إطلاق وعود يمكن لها ألا تنفَّذ أو وعوداً منفَّذة ولكنها تتعرض لاحقاً للإهمال والنسيان.
  • الشركات التي تشارك في هذه البرامج لا ينبغي أن تحقِّق أي أرباح، ولا أن تمنى بخسائر أيضاً. يجب أن تنفَّذ المشاريع بشكل سريع، بسعر التكلفة، وبجودة وباستخدام أمثل للموارد.
  • تؤمَّن صيانة الأجهزة والمعدّات والمنشآت الموضوعة بخدمة البرامج. يجب أن تبدو كلها دائماً كما كانت عليه في اليوم الأول.
    إلى هذا النموذج البسيط عمّا ظلّ في ذهن الكوادر يُمكن إضافة مئات الملاحظات الأخرى أمام الحاجة للتحرك بسرعة وضمان النجاح. كان لا بد من كسب كل الوقت الضائع بسبب الروتين والبيروقراطية وغيرهما من العادات التي تعرقل القفزات والأهداف التي لا يمكن إلا لنظام اشتراكي بالفعل أن يحقّقها”.

لقد قلت يوماً بشكل حرفيّ:

“بغض النظر عن الحقوق والضمانات المحرزة لصالح جميع المواطنين من أي أقلية أو عرق كان، لم تتمكن الثورة من تحقيق ذات النجاح في كفاحها من أجل القضاء على الفوارق في الوضعية الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين الزنوج في البلاد، رغم أنهم يلعبون دوراً هاماً في العديد من المجالات ذات الأهمية الهائلة، ومن بينها التعليم والصحة”.

كلمات هذه الفقرة بالتحديد قلتها أنا، بدون أي تردد، في السابع من فبراير/شباط من العام الماضي في الجلسة الختامية لأعمال المؤتمر الدولي للتعليم 2003، الذي انعقد في خضم “معركة الأفكار”. إنما هو كان أمراً يسكن في نفسي وأردت إطلاقه؛ إرث مؤسف عن العبودية والمجتمعات الطبقية والرأسمالية والإمبريالية.

لم يوجد في أي مكان كان مساواة حقيقية في الفرص. فإمكانيات الدراسة والارتقاء العلمي والحصول على شهادة جامعية كانت على الدوام ملكية حصرية للقطاعات صاحبة أكبر قدر من المعارف ومن الموارد الاقتصادية. إنما في حالات استثنائية كان الفقراء يفلتون من هذا القدر القاتل.

القفزات الهائلة التي حققتها الاشتراكية كانت قد وفّرت الأسس، ولكن لم يكن ينقص إلا القيام بالقفزة. نستطيع التأكيد أنه بفضل “معركة الأفكار” لم تعد حياة الأطفال والفتيان والشبان والعائلة الكوبية اليوم مماثلة لما كانت عليه قبل خمس سنوات.

في المدرسة الابتدائية يعتني المعلّم الواحد اليوم بعشرين طفلاً فقط، مما يسمح بتوجيهٍ أفضل لهم، وبتوفير عناية مخصّصة بكل واحد من التلاميذ وبالعائلة، وبتعليم أكثر تكاملاً.

يتمتعون بأجهزة استقبال تلفزيوني وأجهزة فيديو ومختبرات كمبيوتر وأدوات ذات فاعلية لا تصدَّق تم وضعها في خدمة التعليم وتسمح بمضاعفة معارف أطفالنا. لم يبقَ طفل واحد من كوبا بدون إمكانية الوصول إلى هذه الوسائل الحديثة. المدارس التي كانت بلا كهرباء تتمتع اليوم بأطباق شمسية من أجل استخدام الكمبيوتر والتلفاز وجهاز الفيديو.

بدأ إعطاء دروس الكمبيوتر منذ مرحلة الروضة. وصل اثنا عشر ألفاً و958 أستاذ كمبيوتر تم تأهيلهم في دورات عاجلة إلى غرف الصفوف، وفي ذات الوقت تلقّى معلّمو المرحلة الابتدائية دورات مناسبة في هذه المادة.

الأطفال ذوو الاحتياجات التعليمية الخاصة تلقوا أيضاً وسائل تعليمية جديدة وحديثة من أجل تأهيلهم. وقبل سنتين افتتحنا أول مدرسة لفاقدي حاسّة السمع، وهو اختصاصي يذهب محل النسيان في جميع بلدان العالم تقريباً.

والآن يبدأ الأطفال بتعلّم اللغة الإنكليزية اعتباراً من الصف الثالث من خلال دروس تُعطى بواسطة أشرطة الفيديو. ويتعلمون بشكل واسع الشطرنج في المدارس ويتلقون المعارف الثقافية والترويج الفنّي من خلال الثلاثة آلاف و271 مرشد للفنون الأوائل الذين تخرّجوا في العشرين من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، والذين سيتم تعزيزهم سنوياً بعدد مماثل أو أكبر من المرشدين، ممن سيعملون ليس في القطاع التعليمي فقط، وإنما في بقية المؤسسات الثقافية والاجتماعية لدى التجمعات السكانية.

لقد تمكنّا من تحسن التغذية في المدارس التي تتمتع بخدمة تقديم وجبة الغداء المدرسيّة، وهم الأغلبية الساحقة ممن يحتاجون لذلك.

يتم توفير عناية منتظمة لكل الأطفال الذين ظهرت عندهم مشكلات غذائية حين طُبِّق أول برنامج لقياس وزن وطول جميع الأولاد حتى الخامسة عشرة من العمر، عام 2001.

أُنجزت قبل فترة وجيزة دراسة شاملة لكل المواطنين من الأطفال، وهي دراسة تقيّم جوانب مثل الوضع الغذائي والعناية التربوية والوسط العائلي والشروط الحياتية، ويتلقون حالياً العناية اللازمة.

لقد سمحت جميع هذه التحوّلات بالتمتع بنظام حقيقي من دوام الجلستين الدراسيتين يومياً وسمحت لأطفالنا في المرحلة الابتدائية أن يتعلموا في الرياضيات 2.2 ضعفاً وباللغة الإسبانية ضعفاً ونصف ضعف ما كانوا يتعلمونه بهاتين المادتين قبل أربع سنوات، وهي نسب يجب أن تنمو بقدر مواصلة نظامنا التعليمي برنامج التطور الموضوع له. لقد تساوت الإمكانية الفعلية لنيل المعارف وفرص النمو الجسدي والعقلي بالنسبة لجميع الأطفال، من دون أن يهم في ذلك مكان إقامتهم أو لون بشرتهم أو انتماءهم الاجتماعي.

إن التغيرات ما فوق العادية التي تشهدها المرحلة الابتدائية قد تم القيام بها بموارد متواضعة، وهي موارد تم استخدامها بذكاء وحس بالمساواة والعدالة، والأهم من كل ذلك، مع توفير ذات الفرص لجميع أطفال البلاد.

على ذات النحو يتم العمل وسيتواصل العمل بشكل مكثّف في الارتقاء بباقي مستويات التعليم المدرسي وتطويرها.

وفي مدارس المرحلة المتوسّطة تم الشروع أيضاً بتحوّلات جذرية، وذلك باعتمادها نموذجاً تعليمياً مختلفاً يخرج من بوتقة المفاهيم القديمة لتعليم الأطفال والفتيان أبناء الصف السابع والثامن والتاسع، والذين يواجهون في بقية البلدان أزمة عميقة.
تتمتع هذه المرحلة التعليمية اليوم بأستاذ عام تكاملي واحد تتمثل مسؤوليته بالعناية بخمسة عشر طالباً، وهو يقوم بتدريسهم جميع الموادّ باستثناء اللغة الإنكليزية والتربية البدنية. إنه وصيّ، مهذِّب، ومؤدِّب بالنسبة لكل طالب، الذي يتخلّص بدوره من العدد المتمادي من أساتذة المواد المختلفة، مما لم يكن يسمح في السابق بتحقيق تكامل المعارف والتأثير التعليمي اللازم في هذه المرحلة الحاسمة من عمر الإنسان.

بفضل هذه الخطوة تحسنت علاقة المدرسة بالعائلة نوعياً، مما سمح ويسمح بتعاونها الأوسع، بل وبتغير مواقف آباء كثيرين ومعاملتهم لأبنائهم.

دروس الرياضيات والإسبانية والتاريخ واللغة الإنكليزية والفيزياء يتلقونها عبر أشرطة فيديو تحتوي على حصص من إعداد أرفع المعلمين في البلاد مكانة، مما يدعم بشكل كبير جهد الأساتذة ويرتقي بجودة وعُمق المضمون الذي يدرّسونه.
ازداد عدد ساعات حصص الرياضيات والكمبيوتر واللغة الإسبانية والتاريخ، وعليه يتلقى التلاميذ مزيداً من المحتوى ويضاعفون معارفهم في هذه المواد.

مرشدو الفنون الجدد يتواجدون أيضاً في مدارسنا المتوسطة ليروّجوا للثقافة وليجعلوا أفضل تقاليد كوبا والعالم على مسافة أقرب من الفتيان.

تم وضع برنامج يجعل طلاب المرحلة المتوسطة يتلقوا وجبة إضافية أو وجبة غداء، مما يسمح لهم بمواجهة جلستي الدوام بظروف مناسبة ويوفّر ضمانة أمنية أكبر لتلاميذ هذا المستوى التعليمي، حيث لا يتوجب عليهم أن يغادروا مدارسهم حتى موعد انتهاء ساعات الدوام.

في الثاني من ديسمبر/كانون الأول الجاري بلغ 307 آلاف و339 عدد التلاميذ و38 ألفاً و246 عدد عمال الـ 591 مدرسة متوسطة في المدن الذين يتلقون الوجبة الإضافية المدرسية المجانية. وما زال بانتظار الاستفادة من هذا البرنامج طلاب 83 من هذه المدارس، والذين سيبدأون باستلامها خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام المقبل.

طلاب “مدارس تقويم السلوك” يتمتعون بعناية العمال الاجتماعيين، الذين هم مكلّفين أمر تحرّك المجتمع من أجل تصويب الأسباب والظروف المؤدية للخلل الاجتماعي والشذوذ في سلوك هؤلاء الفتيان.

وشبّاننا، من سن السادسة عشرة فصاعداً، كانوا وما يزالون أيضاً في محور هذه التحولات العميقة.

تمت إقامة مدارس العمّال الاجتماعيين، التي خرّجت حتى الآن 21 ألفاً و485 شاب، كفرقة إسناد وتضامن اجتماعي حقيقية تلعب دوراً في جميع المجالس الشعبية في البلاد تقريباً. ويتأهل في كل سنة سبعة آلاف شاب آخرين عبر استخدام مفاهيم تعليمية جديدة، لا تنظَّم في المدارس المخصصة لهذا الهدف فقط، وإنما كذلك في بلدياتهم ذاتها، والواقعة في ما تسمى المنازل-المدارس، وتُستخدم لذلك أجهزة استقبال تلفزيوني وأجهزة فيديو وكمبيوتر، بإشراف أساتذة مجرّبين وعلى ارتباط مباشر بالوقائع الاجتماعية لبلدياتهم. بعدما يتخرجون، يتمتعون جميعاً بفرصة الحصول على دراسة جامعية لها صلة بنشاطهم متعدد الأوجه.
أقيمت دورات الارتقاء التعليمي التكاملي لشبان تتراوح أعمارهم بين 17 و30 سنة، والذين لم يكونوا يدرسون أو يعملون، بالرغم من اجتيازهم لعلوم الصف التاسع، وهو المستوى العام لهذه الأعمار.

لقد سمح ذلك لأكثر من 150 ألف شاب بالارتباط ببرامج الارتقاء التعليمي التكاملي مع تلقيهم دخلاً ملائماً لسنّهم واحتياجاتهم.

لقد سمحت النتائج المحرزة لثمانية وأربعين ألفاً و406 خرّيج من هذه الدورات الالتحاق بدراسات جامعية مختلفة، بما فيها العلوم الطبية، بنتائج على درجة عالية من الإيجابية.

في خضم “معركة الأفكار” تم تحقيق حلم قديم: تعميم التعليم العالي، وذلك عبر فتح أبواب الجامعات أمام جميع الشبّان خرّيجي “برامج الثورة” وأمام العمّال بشكل عام.

لقد عنى هذا البرنامج توفير إمكانيات غير معهودة أمام شبّان وبالغين لم يكونوا يستطيعون من قبل الوصول أبداً إلى التعليم العالي، وهم يلتحقون اليوم بالهدف الثوري المتمثل بتحقيق ثقافة عامة تكاملية لجميع المواطنين، بغض النظر عن العمل الاجتماعي الذي يقومون به.

لقد أفسحت هذه البرامج في المجال أمام البلاد لكي تتمتع اليوم بأكبر عدد من المسجَّلين في مرحلة التعليم العالي في تاريخها: 380 ألف طالب؛ منهم 233 ألف و11 يتأهّلون في التسعمائة وثمانية وثلاثين مقراً جامعياً الموجودة في بلديات البلاد المائة وتسعة وستين.

استجابة حازمة وواعدة جاءت من الخمسة وستين ألفاً و427 أستاذ ومشرف الذين يعملون في عملية تعميم التعليم، والقادمين من الكتلة الهائلة المكوّنة من أكثر من 700 ألف مهنيّ أهّلتهم الثورة وتتمتع بهم البلاد، بالرغم من السرقة المتواصلة للعقول التي يذهب بلدان العالم الثالث ضحية لها.

طموحنا للتمتع بمراكز متميّزة في مجال التعليم العالي أدّى إلى نشوء جامعة العلوم المعلوماتية، وهي أول مؤسسة من نوعها تنشأ خلال “معركة الأفكار”.

خلال سنتين وثلاثة أشهر بالكاد من افتتاح هذه المؤسسة الجامعية التي أصبحت شهيرة، يتلقى العلوم هناك أكثر من ستة آلاف شاب من جميع بلديات البلاد، وذلك في ظل مفاهيم مبتكرة ومناهج عمل ثورية، ويحققون بشكل متسارع إنجازات هامة في التعليم والنشاط الإنتاجي.

إن الروح والمفاهيم المطبّقة في جامعة العلوم المعلوماتية هي روح ومفاهيم من واجبنا نقلها إلى معاهد البوليتيكنيك في هذا المجال في جميع أنحاء البلاد، حيث يتأهل اليوم نحو أربعين ألف فنّي متوسّط بالمعلوماتية.

هذا المشروع المتعلق بمعاهد البوليتيكنيك للمعلوماتية، والذي تمّ إقراره مؤخراً، يمكن تصنيفه بأنه آخر برامج “معركة الأفكار” خلال الفترة الممتدة بين عامي 2000 و2004. وسيُخصَّص لذلك ما يلزم من الموارد المادّيّة والمعدّات. وقد تلقت وزارة التعليم والمعلومات والاتصالات واتحاد الشبيبة الشيوعية التعليمات ذات الصلة بهذا الشأن.

لقد عنت” معركة الأفكار” الكثير بالنسبة للعائلات الكوبية من حيث ما توفّره من آفاق أمنية وتنمية جسدية وعقلية لأبنائها بدون أي استثناء.

في مجال بالغ الأهمية كالمجال الصحي تستفيد من استثمارات كبيرة تشمل مجموع الأربعمائة وأربعة وأربعين مجمّع صحي متعدد الاختصاص، حيث تم إجراء التحوّلات في 107 منها، بينما يخضع اليوم لهذه العملية أربعة وثلاثون. تضاف إلى ذلك أعمال إعادة البناء والتحديث الجارية في 27 مستشفى، وذلك كجزء من برنامج سيشملها جميعاً أيضاً؛ وافتتاح 217 قاعة علاج فيزيائي في المجمعات الطبية، التي ستتمتع جميعها بهذه الخدمة في نهايات العام المقبل؛ وتم توفير 24 خدمة جديدة لديلزة الدم، و88 مركزاً لطب للعيون و118 مركزاً للعلاج المكثّف في بلديات لا يتوفر فيها هذا المورد الطبّي الهام جداً، والذي أنقذ أرواح آلاف الأشخاص، بسبب عدم تمتع هذه البلديات بمستشفيات جراحية في السابق.

برنامج إعادة التجهيز التكنولوجي الذي هو في أوجّ تنفيذه يعود بالفائدة على مجموع الخدمات الأولويّة والثانوية التي تتمتع بها البلاد، مع الفائدة الإضافية الكبرى المتمثّلة في تقريب أهم الخدمات الطبية وذات الجودة إلى مساكن المواطنين وأماكن إقامتهم.
في التجمعات الريفية التي لا كهرباء فيها ويصعب الوصول إليها تم افتتاح 1095 قاعة تلفزيون تسمح باستقبال المعلومات والأنباء والبرامج الترفيهية ووصول البرامج التلفزيونية التعليمية إلى أكثر من نصف مليون كوبي يقيمون في تلك الأماكن، وهم آخر من كانوا يفتقدها.

رفع عدد دور نوادي الشباب إلى 300 مركز سمح بتأهيل 436 ألفاً و753 من أبناء وطننا في تقنيات الكمبيوتر خلال السنوات الأربع الأخيرة، اعتباراً من بدايات شهر نيسان/أبريل 2001، حين تم افتتاح المنشآت الجديدة، ليصل إلى ثلاثة آلاف عدد أجهزة الكمبيوتر المخصّصة لها. يتم توسيع هذا البرنامج الرائع بثلاثمائة مركز إضافي آخر، أصبح مائة منها منجزاً.

معارض الكتاب تحوّلت إلى عيد بهيج للعائلة الكوبية. فبعد توسيعها إلى خارج مقرها التقليدي في العاصمة لتصل إلى 19 مدينة من البلاد عام 2002، وحتى 34 مدينة هذه السنة، استقبلت هذه المعارض خلال سنواتها الثلاث الأخيرة زيارة تسعة ملايين ونصف المليون شخص، وعُرض فيها للبيع أكثر من 15 مليون كتاب.

“المكتبة العائلية” ساهمت بوصول أفضل نتاج الأدب الكوبي والعالمي إلى شعبنا بأسعار زهيدة. تم إنتاج 100 ألف مجموعة مكونة من 25 كتاباً. وقد أصبح جاهز من الناحية المطبعية أمر إصدار طبعة ثانية.

مطبعتان جديدتين وحديثتين ذات قدرة كبيرة تم شراؤهما، إحداهما هي في أوج عملها والثانية هي قيد الاستثمار. تم تخصيص موارد من أجل ترميم وتحديث جميع منشآت الاتحاد الوطني للمطابع.

“الجامعة للجميع”، المرتبطة بالتلفزيون، والتي نشأت في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر من عام 2000، تحوّلت إلى الجامعة الأوسع والأكثر تنوعاً في البلاد. من خلال هذه الجامعة تم تلقين 43 دورة تعليمية يبلغ عدد ساعاتها من المحتوى 1721. في هذه اللحظة يتم بث ست دورات تعليمية. شارك في الدورات التي تم إعطاؤها حتى ألان 775 أستاذ، منهم 265 هم حملة شهادة دكتور في العلوم و134 حملة شهادة ماجستير.

البرامج التي تم تطويرها في سبيل تحويل السجون إلى مدارس لها وقع بارز عند العائلات، مما يساهم في تعزيز العلاقة بين العائلة وبين الشبان الذين ينفّذون عقوبات.

الأبحاث التي أُجريت على أشخاص معاقين مكّنت من إيجاد حلول لأوضاع حرجة من ناحية العناية بهؤلاء المواطنين وعائلاتهم. فقد سمحت بتنبيه هؤلاء إلى مخاطر الأمراض التي تنتقل بالوراثة، كما سمحت بجعل ستة آلاف و52 أماً تتمكنّ من تكريس جهودهنّ بالكامل للعناية بأولادهنّ المصابين بإعاقات شديدة، مع تلقّيهن راتباً من أجل القيام بذلك.

تمت دراسة 366 ألفاً و864 حالة أشخاص ذوي إعاقات جسدية-عقلية وحسّية وعضوية وغيرها، بما فيها التخلّف العقلي. شارك في هذه الدراسة الوطنية أكثر من ثلاثين ألف مهني في العالم وطاقم إدارة وإسناد.

في الخامس من أغسطس/آب 2003 تم افتتاح “المركز الوطني للتناسل الطبي” الجديد.

كمحصّلة لهذا الجهد الهائل في سبيل تحقيق أرفع مستوى من العدالة لشعبنا سعياً للمساواة الكاملة في الفرص المتاحة للجميع تم خلال السنوات الخمس هذه، وكثمرة لبرامج الثورة، توفير أكثر من 380 ألف فرصة عمل، يستفيد من معظمها الشبان.
استناداً لمعلومات وفّرتها وزارة العمل، تقلّصت البطالة وتصل في نهايات العام الحالي إلى 2 بالمائة، وهو أمر مستحيل على الإطلاق في أي بلد رأسمالي صناعي كان.

تم تأهيل 44 ألفاً و979 معلّم وأستاذ جديد خلال أقل من ثلاث سنوات، ما يعادل إحدى عشر دفعة تخريج معلّمين من الدورات التعليمية العادية بين عامي 1988 و2000.

كما سبق وذكرت، لدينا 21 ألفاً و485 عامل اجتماعي. في عام 2000، حين بدأت “معركة الأفكار”، لم يكن مسجلاً لدى الضمان الاجتماعي إلا 795 عامل اجتماعي في كافة أنحاء البلاد.

لقد أنجزت حتى العشرين من تشرين الثاني/نوفمبر أعمال البناء أو إعادة البناء أو التوسيع في خمسة آلاف و810 مشاريع؛ منها 1732 في مجال التعليم، و1537 في الصحة، و32 مؤسسة ثقافية هامة، يأتي من بينها إعادة البناء الكلّي للمعهد العالي للفنون وتوسيعه، و2508 تابعة لبرامج أخرى من برامج الثورة.

خضعت لعمليات ترميم كلي 913 مدرسة. وتم بناء 32 مدرسة جديدة. تتمتع البلاد اليوم بخمسة آلاف و270 غرفة صف جديدة للتعليم.

تم إنتاج أكثر من 25 مليون شريط فيديو-كاسيت خلال أقل من سنة ونصف السنة من العمل ويجري بناء مصنع جديد للإنتاج.
الاتفاقات التي وقّعناها للتّو مع الصين تؤمّن لنا شراء مائة ألف جهاز كمبيوتر سنوياً، والتي ستُخصَّص بشكل أساسي لتعليم الأطفال والشبان والبالغين وللارتقاء بمستوى العدد المتزايد من الفنيين والمهنيين أبناء المستوى التعليمي العالي في بلدنا.
كما سيصل اليوم الذي يتم فيه استخدامها الجماهيري من أجل التحاور مع العالم. فليس عند أي شعب آخر قدراً أكبر من الأمور التي ينقل أخبارها، ولا تأهلاً لفعل ذلك على نحو أفضل، مع الأخذ بعين الاعتبار ثقافته السياسية وجهده المتزايد لاتقان الإنكليزية ولغات أخرى.

أول مليون من أجهزة التلفزيون التي تم شراؤها من جمهورية الصين الشعبية مكّن من جعل 827 ألفاً و322 عائلة في البلاد تتمتع بجهاز تلفزيون ملوّن بشاشة يبلغ حجمها 21 بوصة وبجودة رائعة، يستهلك الواحد منها ما يقل عن استهلاك التلفاز السوفييتي بالأبيض والأسود بمائة وعشرين واط. لهذاً أثراً عميقاً وواسعاً على مستوى إطلاع وثقافة شعبنا وإمكانياته الترفيهية. باقي أجهزة الاستقبال التلفزيوني تم تخصيصه لبرامج التعليم والصحة وغيرهما من القطاعات ذات الطابع الاجتماعي في البلاد؛ منها ثمانون ألفاً استُخدمت في التعاون الدولي؛ ويجري حالياً استلام 300 ألف جهاز آخر بشاشة يبلغ حجمها 21 بوصة. وهناك عدة عشرات من الآلاف بحجم 29 بوصة، أصبحت محل الاستخدام في مجال التعليم، وهي من صنع بلد آخر.

يتمتع النظام التعليمي في غرف الصفوف بمائة وتسعة آلاف و117 جهاز استقبال تلفزيوني وأربعين ألفاً و858 جهاز فيديو، تم تحويلها إلى وسائل تعليم رائعة الجودة.

نشأت قناتان تلفزيونيتين تعليميتين جديدتي يصل عدد ساعات بثهما، إلى جانب ساعات بث قناتي “كوبافيسيون” و”تيلي ريبيلدي”، إلى 394 ساعة أسبوعياً من البرامج التعليمية؛ ما يمثل نسبة 62.7 بالمائة من مجموع الساعات التي تبثها التلفزة الوطنية. منها 247 مخصصة لمناهج دراسية.

إذا كنا في المؤتمر السابق للشبيبة قد انهمكنا في مناقشة قلة إنتاج الكتب والمطبوعات المخصصة لأطفالنا وشباننا بقلق، فإننا نستطيع أن نقول اليوم بأنه قد تم خلال السنوات الخمس هذه إنتاج 457 مليوناً و840 ألفاً و862 نسخة من كتب ونشرات وملفّات وغيرها من المنتجات المطبعيّة لمختلف البرامج والمهمّات.

منها:

41 مليوناً و25 ألفاً و778 كتاب ونشرة وملف لبرامج التأهيل التعليمي.

15 مليوناً و979 ألفاً و198 كتاباً لمعارض الكتاب.

35 مليوناً و371 ألفاً و157 نشرة تحتوي على مضمون “الطاولات المستديرة” و”المنابر المفتوحة”.

15 مليوناً و905 ألفاً و798 نشرة تحتوي على مضمون تربوي خاص “بالجامعة للجميع”.

لم يكن يوجد في البلاد عام 1999 إلا ثمانية مدارس للفن التشكيلي. امتد هذا التعليم اليوم إلى جميع المحافظات وأصبح يوجد مدارس من هذا النوع في 17 مدينة.

التسجيل في المدرسة الوطنية للباليه ذات القدرة على استيعاب 300 طالب اتسع ليشمل طلاب من جميع المحافظات.

يرتاد اليوم أربعة آلاف وواحد وعشرون طفلاً من جميع بلديات العاصمة مرتين في الأسبوع إلى ورش الهواة التي يتم القيام بها في المدرسة الوطنية للباليه. وتقوم مدارس أخرى للرقص بنشاطات مشابهة.

تلقت ستة آلاف و789 مكتبة عامة ومدرسية مجموعات من الموسوعات والقواميس والأطالس وغيرها من الكتب التي تجدّد بها رصيها المرجعي.

مليونان و365 ألفاً و234 طفل وشاب تلقوا كتاباً كحافز في احتفالات تخرّجهم.

عشرة ملايين و900 ألف من أبناء وطننا شاركوا في المائة وواحد وستين منبراً مفتوحاً التي تم إحياؤها.

بلغ أحد عشر مليوناً و800 ألف عدد المشاركين في المسيرات الثماني عشرة التي أقيمت خلال السنوات الخمس.

تم حتى يومنا هذا إحياء 1030 طاولة مستديرة. لقد تحوّلت هذه إلى جامعات سياسية، تحتوي على أنباء جديدة وملائمة وتحليل عميق وواقعي عن الأكاذيب الفظة والاعتداءات الغادرة التي تقوم بها الإمبراطورية ضد شعبنا، وعن مواضيع هامة من السياسة الدولية والاقتصاد والثقافة والعلوم والرياضة وغيرها من المسائل الهامة.

ولكون “معركة الأفكار”، –كما سبق وقلنا مرة- “هي معركة الانتماء الإنساني في وجه التجرد من الإنسانية، معركة الأخوّة والأخاء في وجه الأنانية الفظة، معركة العدالة في وجه الظلم الأكثر وحشية؛ معركة من أجل شعبنا ومعركة من أجل شعوب أخرى”، فإن لدينا في الوقت الراهن 23 ألفاً و413 مهنيّ وفني من مجال الصحة ينفّذون مهاماً إنسانية وتضامنية في 66 بلداً، يقوم عدد كبير منهم بنشاطه في أفقر أحياء وطن سيمون بوليفار العظيم، الذي هو حالياً في أوج عملية تغييره الثوري، في ظل قيادة زعيم سياسي، بوليفاري ومارتيني، ما فوق العادي، وصديق حميم لكوبا: هوغو شافيز فريّاس.

أثر “معركة الأفكار” ومبادئها ومفاهيم عملها لم تنعكس فقط على التحولات التي شهدها التعليم وحياة شعبنا، وإنما تنعكس أيضاً في تعزيز ورفع مكانة اتحاد الشبيبة الشيوعية، الذي يصل إلى هذا المؤتمر بأكبر عدد من أعضاء اتحاد الشبيبة الشيوعية خلال العقد الأخير من الزمن: 557 ألفاً و298، ما يمثّل زيادة في عدد الأعضاء عمّا كان يبلغه في المؤتمر السابع تصل إلى 104 آلاف و692.

تتمتع هذه المنظمة الشبابية اليوم بتسعة وأربعين ألفاً و54 مرتبة قاعدية، ما يزيد عن عددها عام 1998 بثمانية آلاف و756.

وإذا ما كنّا في المؤتمر الأخير للحزب قد ذكرنا للشبيبة بشكل نقديّ مواطئ ضعفها من حيث إسهامها بأعضاء في منظمتنا الطليعية، فإننا نرى اليوم بارتياح بأن العناية التي أولوها لهذه القضية الهامة وتعزُّز المنظمة بحد ذاته يسمحان لاتحاد الشبيبة الشيوعية بالمساهمة حالياً بثلاثة وستين من بين كل مائة عضو يبلغون الثلاثين من العمر، وأن المجموع، بمن فيهم أولئك الشبان دون الثلاثين من العمر الذين أجريت لهم إجراءات الانتماء بصفة خاصة، وفّر اتحاد الشبيبة الشيوعية للحزب 133 ألفاً و283 عضواً جديداً كاستجابة ملموسة لتلك الانتقادات المحقّة التي وُجّهت إليه.

القاعدة الأساسية لهذه النتائج تمثّلت وما تزال بالكوادر الشبابية، الذين تطلّبت المعركة منهم مضاعفة قدرتهم على التحرك ومضاعفة تأهلهم، كما أرغمتهم على أن يحوّلوا بشكل نوعي مناهج عملهم من أجل المحافظة على الاهتمام بالحياة الداخلية والتحرك اليومي لاتحاد الشبيبة الشيوعية، والاستجابة في ذات الوقت للمهام الجديد المنبثقة عن برامج الثورة.

لقد سمحت الخبرة والاستقرار ونتائج العمل للمنظمة أن تسهم بمزيد من الكوادر لصفوف الحزب. خلال السنتين الأخيرتين انتقل 215 كادراً من اتحاد الشبيبة الشيوعية إلى العمل المهني في إطار الحزب.

ما تم إحرازه حتى الآن هو ثمرة الجهد البطولي لشعبنا وشبيبته الرائعة. ما زال أمامنا من العمل أكثر من ذلك بكثير. أنتم تعرفون أين توجد صعوبات قديمة وجديدة.

علينا المحافظة على الأساتذة الموجودين اليوم في غرفنا المدرسية، وزيادة العدد الاحتياطي منهم، وحماية الموارد البشرية الشابة بغيرة، وهي الموارد التي كوّنّاها خلال هذه السنوات بالتركيز على قدرتهم المهنية وارتقائهم؛ ومواصلة دراسة التحولات الضرورية التي يجب أن يخضع لها التعليم المهني والمرحلة الثانوية؛ والارتقاء بعملية تعميم التعليم العالي، والتمكن من جعل كل جامعات البلاد تنتقل انطلاقاً من هذه الفكرة إلى هذا الامتياز الأكاديمي والثوري الذي تتطلبه البلاد من طلابها وأساتذتها الجامعيين.

من واجبنا أن نكثّف العمل السياسي مع كل طاقمنا في المجال الصحي لكي تكون جودة الخدمات التي تقدَّم للمواطنين على انسجام مع الجهد الاستثماري الذي يجري تطويره في هذا القطاع من الناحية العمرانية والتكنولوجية، ومع السمعة التي حققها الطب الكوبي عبر حضور مهنيينا وفنيينا التضامني في أماكن مختلفة من العالم.

يحتاج الأمر على نحو عاجل لمواصلة مهمة توفير ترفيه سليم وثقافي ونافع لشباننا، نستخدم فيه كل الإمكانيات المتاحة والموارد المتوفرة لدينا اليوم بفضل برامج الثورة.

يتوجب علينا أن نواصل محاربتنا الحازمة لحالات الفساد والانتهاكات الاجتماعية وأي مؤشر على استهلاك المخدرات.

يحتاج الأمر لتكامل أكبر بين جميع المؤسسات المضطلعة بعمل التوعية الجماهيرية، والتي بإمكانها ومن واجبها أن تكون كلياً بخدمة المعارف والثقافة والترفيه والدفاع عن أكثر القيم والمصالح قدسية بالنسبة لشعبنا.

هناك الكثير مما ينتظر الترميم والبناء والتحسين بعد في جميع مؤسساتنا الاجتماعية. وقد تم الإثبات بأن هذا الأمر هو أمر ممكن.
كما سبق وأشرت مرة، “لعلّ أجدى ما في جهودنا المتواضعة في النضال من أجل عالم أفضل هو إثباتنا لمدى ما يمكن فعله بالموارد مهما كانت ضئيلة حين توضع كل الموارد البشرية والمادية للمجتمع بخدمة الشعب”.

نفقات “معركة الأفكار” بالعملة الصعبة، بما فيها أعمال البناء والمواد من كل نوع، وآلاف المعدّات الطبية ولطب الأسنان وطب العيون عالية الجودة والموحّدة المقاييس، وأجهزة الكمبيوتر، وأجهزة الفيديو؛ بما في ذلك المدفوعات التي تم إجراؤها لتسديد قرض شراء أجهزة استقبال تلفزيوني خُصِّصت للمواطنين وللمؤسسات وغيرها من النفقات المشابهة، تقلّ عمّا نسبته 2 بالمائة من النفقات الشاملة للبلاد بالعملة الصعبة للبلاد خلال السنوات الخمس المنقضية.

يجب أن يضاف لذلك، كمثال على العقلانية، أن تكلفة المليون تلفاز الواردة من الصين تعوَّض عملياً بالتوفير من الكهرباء الذي يتحقق خلال السنوات الثماني التي يستغرقها تسديد القرض الذي تم استلامه.

عندما نستعرض ما كانت عليه هذه السنوات البطولية، من عمل مكثّف وليس القليل من التحديات، علينا أن نشعر بالفخر بشبابنا وبقيمهم وببسالتهم وبالطينة التي جُبلوا منها. فمنهم ينشأ رجال أمثال خوان ميغيل، الذي قام بواجباته كأب وكوطنيّ على نحو نموذجيّ.

من شبيبتنا خرج أبطالنا الخمسة أسرى الإمبراطورية الذين، وبعدما ذهبوا ضحية الانتقام والحقد، يعانون سجناً ظالماً وقاسياً في المعتقلات الأمريكية دون أن يتمكن ذلك من ثني عزيمتهم وصمودهم ووفائهم للثورة ولشعبنا.

إنهم رمز وإلهام للذين سيغيّرون العالم. ولن نهدأ ثانية واحدة حتى يحقّ الحق وتتم إعادتهم إلى وطننا. وعاجلاً أم آجلاً سنكسب هذه المعركة أيضاً بدعم باقي الشعوب!
المعطيات الواردة في هذه الكلمات التي استجيب بها لدعوتكم يمكنها أن تبعث الدهشة عند كثيرين، ويمكن لبعض آخر ألا يصدّقها، بينما يجهلها بعض آخر على نحو أولمبي.

الإمبريالية تشيط غضباً وتعلن بدناءة مذهلة أنه لا بد من تحرير كوبا وجلب الديمقراطية لهذا الشعب المستعبَد وتعليمه القراءة والكتابة أيضاً، حسبما يعلنون في برنامجهم للانتقال إلى الرأسمالية. والجماهير، التي ما زال سيل الأكاذيب والافتراءات التي تطلقها وسائل الدعاية الإمبريالية الجبّارة يخدع جزءاً منها، ستصدّقنا على نحو أكبر يوماً بعد يوم، بقدر يقظتها إلى الواقع الذي ينتظرها ووعيها بأن الفارق بين نظامنا وبين النظام الذي تدعو له الإمبريالية هو فارق سحيق.

لقد فقدت الرأسمالية كل جوهر إنساني، إنها تعيش من الإسراف ومن أجل الإسراف، ولا يمكنها أن تنجو من هذا المرض الفطري وغير القابل للعلاج. يكفي القول أنه في هايتي، بلد الشعب الأفقر في كل النصف الغربي من الكرة الأرضية، يوجد لكوبا 450 طبياً؛ والبلدان الصناعية لا تستطيع إرسال خمسين فقط، فهي تملك رأسمال نقدي ولكنها تفتقد للرأسمال البشري.

لا الاعتداءات ولا الحصارات ولا الأعمال الإرهابية ولا تفكك المعسكر الاشتراكي ولا السيطرة أحادية القطب على العالم ولا استيلاء اليمين المتطرف على السلطة في الولايات المتحدة، الذي نبّهنا إليه عام 1998 كأمر ممكن وحتى محتمل، ولا التهديد بالإبادة تمكنت من هزم الروح النضالية عند شعبنا البطل.

لقد عرفنا الاستقلال الفعلي والحرية الحقيقية. لن نرضى أبداً بالعيش دونهما! ونحن مستعدّون لدفع الثمن اللازم الذي تحدث عنه مارتيه!

سنواصل إبداعنا ونضالنا. لن يعود عند أحد بعد اليوم القوة القادرة على أن تحبس في قمقم شعباً تخلّص إلى الأبد من النهب والإذلال والازدراء.

وكما قال كميلو سيينفويغوس، ذلك المناضل ما فوق العادي الذي يظهر إلى جانب ميجا وتشي (غيفارا) في شعار الشبيبة الشيوعية الكوبية وكان في السابعة والعشرين عند وفاته، في خطابه الأخير في السادس والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 1959: “لن نركع إلا مرة واحدة، ولن نحني هامتنا إلا مرة واحدة، وذلك في اليوم الذي نصل فيه إلى الأرض التي يرقد فيها جثمان عشرين ألف كوبي لنقول لهم: يا أخوتنا، لقد أصبحت الثورة ثورة، ودماؤكم لم تذهب سدى”.

لقد قال شعب كوبا منذ زمن طويل “الوطن أو الموت!” وسيسير بمعركة أفكاره حتى النهاية.

عاش الشعب الذي يواجه بشرف أعتى إمبراطورية عرفها الوجود!

عاش إلى الأبد المثال الذي تقدمه الشبيبة الكوبية للعالم!

عاشت الاشتراكية إلى الأبد!)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons