بين ترامب وأوباما والمصالح القومية الأمريكية

كتب : محمد جبر الريفي*

بدأ الرئيس الأمريكي الجديد ترامب فترته الرئاسية عنصريا عدوانيا وكان قد صرح بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس فور عشية فوزه بالانتخابات الرئاسية كما له تصريحات نارية ضد دول الخليج العربي بمطالبتهم بدفع أموال النفط للخزينة الأمريكية مقابل حمايتها من القوى التي تسعى لتعميم الديمقراطية والقضاء على أنظمة الاستبداد السياسي كما له تصريحات بشأن الملف النووي الإيراني وعزمه على نقض الاتفاق الذي حصل بشأنه بين إدارة أوباما السابقة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، حتى الصين لم تسلم من تهديداته العنصرية ولكن كل هذه التصريحات والوعود ظلت حتى الآن في طور الانتظار ولم يتحقق أي واحد منها بل اللافت للنظر أن هناك إشارات صدرت منه قبل أيام تدلل على بداية التراجع عن تلك التصريحات والوعود خاصة في موضوعي نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة وقانون شرعنة المستوطنات الذي وصفه بأنه يعرقل عملية السلام.

الرئيس ترامب يمارس السياسة بعقلية رجل الأعمال الذي يبحث عن الصفقات الكبيرة للحصول على الربح الوفير لذلك فقد عرض سقف برامجه السياسية بشكل كامل دون نقصان وبشكل أثار اهتمام الرأي العام الدولي ثم بدأ بعد ذلك يساوم في تصريحات جديدة حسب المصالح الأمريكية العليا.

إن المصالح  القومية الأمريكية الحيوية هي التي توجه السياسة الأمريكية الخارجية وأنه من المهم التأكيد على أنه مهما اختلفت توجهات ومنطلقات الرئيس الأمريكي فإن مسؤوليته الأولى هي المحافظة على المصالح القومية وحمايتها من الأخطار التي يمكن أن تتعرض لها ولهذا كان عداء الولايات المتحدة التاريخي للثورات الوطنية ولحركات التحرر في بلدان العالم الثالث التي تسعى للخلاص من التبعية ومن هيمنة النظام الرأسمالي العالمي الذي تقوده واشنطن.

في الشرق الأوسط حيث المصالح الأمريكية في منطقة الخليج العربي تتركز بشكل أساسي حول النفط باعتباره مادة حيوية  للانتاج وللحضارة الغربية البرجوازية الاستهلاكية برمتها  فإن ذلك يستدعي أن تكون مسألة الأمن والاستقرار في هذه المنطقة لصالح الولايات المتحدة ولكون القضية الفلسطينية لها علاقة وثيقة بهذه المسألة فإن ذلك يستدعي ايضا ان تكون مساعي التسوية السياسية لهذه القضية المركزية بيد واشنطن لذلك فإن الرئيس ترامب لن يسارع إلى نقل السفارة الأمريكية إلى تل أبيب كما وعد بذلك طمعا في توظيف الصوت اليهودي في حملته الانتخابية كذلك أيضا لن يقوم بتأييد الاستيطان “الإسرائيلي” رغم أنه لن يتخذ موقفا ضاغطا لوقفه وهو يفعل ذلك مخالفا لتصريحاته ووعوده حتى لا يعطي الفرصة لدور فرنسي أو دور روسي أو حتى دور للاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة في إيجاد حل للصراع الفلسطيني “الإسرائيلي” تخسر فيه واشنطن دور رعايتها الأساسية الاحتكارية لعملية السلام.

ما يحدث من تراجع في تصريحات ترامب بالنسبة للموضوع الفلسطيني يحدث التراجع نفسه أيضا على صعيد العلاقة مع دول الخليج العربي وإيران لأن معاداة هذه الدول هو إضعاف للدور الأمريكي في المنطقة وتقوية للنفوذ الروسي والإيراني حيث يشهد كلا  النفوذين تمددا واضحا بسبب الصراع الدائر في بعض دول المنطقة على خلفية طائفية.

الرئيس الأمريكي السابق أوباما بدأ فترته الرئاسية بتصريحات ناعمة مريحة للعرب والمسلمين خاصة في خطابة الشهير الذي ألقاه في جامعة القاهرة في بداية عهده وقد جاء فيه عن تصميم والتزام الولايات المتحدة بتحقيق مشروع حل الدولتين ولكن على مدى فترتين من تقلد منصب الرئاسة لم يجعل أوباما من الدور السياسي الأمريكي دورا فاعلا وحياديا كما كانت الآمال قد عقدت على انتخابه لكونه أول رئيس أمريكي وصل إلى سدة الحكم من جذور أفريقية ومسلمه وجاء توليه ايضا بعد الرئيس الاسبق جورج بوش الابن من الحزب الجمهوري اليميني والذي تم في عهده احتلال أفغانستان والعراق بذريعة محاربة الإرهاب الدولي وامتلاك أسلحة الدمار الشامل ولذلك بقي هذا الدور السياسي الأمريكي في عهد أوباما على موقفه من الانحياز الكامل للجانب “الإسرائيلي” لأن المصالح الأمريكية ظلت بمأمن عن التهديدات الخارجية مما جعل الإدارة الأمريكية لا تقوم بتحمل مسؤوليتها في ممارسة الضغط الكافي على الكيان الصهيوني لإجباره على دفع استحقاقات عملية السلام وذلك على الرغم من تجدد المفاوضات مع الحكومات “الاسرائيلية” المتعاقبة أكثر من مرة ودون انقطاع لحملة الاستيطان التي جعلت من مشروع حل الدولتين يفقد بشكل اكبر الامكانية الموضوعية لتحقيقه وهو الهدف الذي يسعى إليه الان الأئتلاف اليميني الحاكم برئاسة نتنياهو للوصول إليه ومحاولة هذا الاخير في زيارته التي يقوم بها إلى واشنطن إقناع الرئيس ترامب بشطب هذا المشروع من الحلول التسووية.

خلاصة القول أن المراهنة على دور للرئيس الأمريكي وحده في القضية الفلسطينية وفي قضايا المنطقة بشكل عام هي مراهنة خاسرة، فما يصدر عن الرئيس الأمريكي سواء أكان جمهوريا أو ديموقراطيا يخضع في النهاية للمصالح القومية الأمريكية فقط لذا فإنه من السابق للأوان تقييم أداء الإدارة الأمريكية الحالية، فمع الانحياز الكامل المعروف للموقف الأمريكي تجاه الكيان الصهيوني فإنه ايضا بإمكان هذه الإدارة أو أي ادارة أمريكية أخرى أن تختار طريق السلام الحقيقي وتعمل على تحقيقه بتسوية عادلة فيما لو شعرت بأن هناك في الأفق مخاطر حقيقية تهدد المصالح الحيوية الأمريكية في المنطقة.

*كاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons