الأربعاء , أكتوبر 18 2017

ما يجري يستدعي وقفة

كتب : عباس الجمعة*

منظمة التحرير الفلسطينية طيلة العقود هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة والمنافي والشتات، ولفصائلها تاريخ طويل في العطاء والنضال والمشاركة الفعالة في عملية إبقاء هذا الكيان حاضراً لكونه يمثل حضور القضية الفلسطينية التي حاول البعض إنهائها من خلال خلق البدائل أو اختصار التمثيل الفلسطيني في إطار مؤتمرات لبعض من يطلقون على أنفسهم أسماء فصائل بعيدة عن أرض الواقع، فإن الأصل في الموضوع الذي أردت تناوله اليوم للرد على المؤتمرات التي تعقد هنا وهناك، أن منظمة التحرير هي البيت الحاضن للشعب الفلسطيني في ظل الظروف التي تمر بها القضية الفلسطينية والمشروع الوطني وفي ظل تطلعات البعض لإنهاء دور المنظمة من أجل إنتاج مؤتمرات وحضور فصائل اسمية حسب الإرادات الإقليمية وعلى أساس الخريطة الشخصية والمصالح.

اردت ان اتحدث اليوم لاعطي كلمة الحق دائماً، فكم كانت شجاعة الرئيس الشهيد الرمز ياسر عرفات، عندما كان يختلف مع الآخرين، لكنه كان يُحرم التجريح والتشويه وقلب الحقائق، كم كانت حكمة فارس فلسطين أبو العباس، الذي لم يكن يوماً يختار التغريد خارج منظمة التحرير من أجل مصلحة هنا أو هناك، أو دولار هنا أو هناك، بل كان يقف مع الرئيس أبو عمار الذي بكوفيته يشكل رمزية فلسطين.

من هنا أقول إن القضية ليست قضية شعارات وبيع مواقف، ففلسطين أمانة في أعناق الجميع، والانقسام كارثي على الجميع وعار على من يغذيه، هذا الانقسام الذي يريد البعض أن نقف عند بعض المحاور كالمتسولين، هذه القوى التي تدعى الى مؤتمرات تحت اسماء لا حضور ولا وجود لها على أرض الميدان، لذلك فهي سعيدة، وهي مستفيدة من بقاء الانقسام حاضراً في المشهد الفلسطيني، هذه الفصائل التي لا تُدرك كم هي الفاتورة التي دفعها الشابات والشباب الفلسطيني.

لم تشهد القضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني تدهورا كما تشهده اليوم، حيث الوجود الفلسطيني في خطر وهجوما عليه كما تشهده الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الفلسطينية والقدس وفلسطين التاريخية عام 48، من نهب الأراضي، والاستيطان، وتهويد القدس، وبناء جدار الفصل العنصري، وممارسات غلاة المستوطنين المتطرفين الصهيونيين في المواقع العديدة من الخليل وبلعين ونعلين والمعصرة ونابلس وجنين، ودعاة الترانسفير كما يشهده اليوم أمام مرأى ومسمع الأسرة الدولية، والمجتمع الدولي، وكافة مؤسسات حقوق الإنسان، ومنظماته العالمية.

لم يشهد التاريخ الفلسطيني، في صراعه ضد العدو الصهيوني تمحورا وصراعا بين الأقطار العربية، شكلت خطرا جديا على القضية الفلسطينية، ومنظمة التحرير الفلسطينية، والوجود الفلسطيني مثل هذه الأيام ليس بهدف التنافس فيما بينها على تقديم الدعم السياسي والمعنوي والمادي للشعب الفلسطيني في نضاله العادل ضد الاحتلال الإسرائيلي، بل العبث بالقضية الفلسطينية والاصطفاف إلى طرف فلسطيني ضد طرف فلسطيني، مما يعمق الانقسام في الشارع الفلسطيني، وزاد من حدة الانشقاق، وبدلا من أن تتحول هذه المحاور إلى مرتكزات وقواعد إسناد لتوحيد الصف الوطني الفلسطيني، فقد أغمضت عينيها، وأغلقت سمعها، وساهمت في ضرب وحدة الشعب الفلسطيني لتحقيق مصالح خاصة لهذه المحاور، وبصراحة أكثر فإن ما يسمى بهذه المحاور تتعاطى مع تفريخات فصائل معينة، وبعض الفصائل التي تتحكم في الواقع تتعرب من حالة الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، حيث تهربت مما تم التوافق عليه في اجتماعات اللجنة التحضيرية للمجلس الوطني الفلسطيني في بيروت وما جرى في موسكو، لهذا نرى الدعوة إلى عقد مؤتمر داعم للقضية الفلسطينية ومؤتمر شعبي فلسطيني مما يفسح المجال لتعميق الانقسام.

لهذا كان الاجدى من أصحاب المحاور تجسيد الوحدة الوطنية ودعوة منظمة التحرير الفلسطينية بكافة فصائلها لهذه المؤتمرات  لمواجهة المخاطر التي تتعرض لها الأرض الفلسطينية في الضفة والقدس  والداخل المحتل عام 1948، من الهجوم الاستيطاني هو واجب هذه اللحظة، وملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة مشرعي سياسات الاستعباد والتطهير العرقي، ومنفذيها، والعمل من أجل  تعزيز الوحدة ودعم خيار المقاومة والانتفاضة.

لذلك نحن نقول هناك فصائل قاومت وما زالت تحمل راية المقاومة والانتفاضة والوحدة الوطنية ويعرف القاصي والداني أمجادها وبطولاتها وعظمتها ألا وهي جبهة التحرير الفلسطينية، التي قدمت قادتها ومؤسسيها وشهدائها وفي مقدمتهم أبو العباس وطلعت يعقوب وابو احمد حلب وسعيد اليوسف وابو العز وجهاد حمو وابو بكر وابو العمرين وجهاد منصور، وانتمى إليها   العدد الكبيرمِنْ شرفاء ومناضلي الشعوب العربية وأحرار العالم، حيث شكلت مسيرتها الطويلة وتاريخها الساطع، وارثها النضالي والكفاحي العريق، ومؤسسيها وقادتها، الشهداء منهم، أما الأحياء وفي مقدمتهم الدكتور واصل ابو يوسف ونائب الأمين العام للجبهة ناظم اليوسف وهي بالتأكيد ليست بحاجة كي يكتب عنها ليعرفها أصحاب المحاور، فمسيرتها النضالية وتجربتها في النضال وفي مواجهة السجان  متعددة لأن مسيرتها على كافة الصعد ورقعة وجودها وحضورها يشهد لها جميع المناضلين كما جبهة النضال الشعبي الفلسطيني التي قدمت خيرة شهدائها وقادتها وعلى رأسهم الدكتور سمير غوشة وحزب الشعب الفلسطيني الذي قدم تضحيات وخيرة مناضليه وقادته وفي مقدمتهم سليمان النجاب والجبهة العربية الفلسطينية التي قدمت بالأمس امينها العام جميل شحادة.

من هذا الموقع، نقول لأصحاب الأجندات أن هناك عوامل عديدة تساهم في خلق هذه الفجوة، فنحن ندرك أن جبهة التحرير الفلسطينية في هذا الظرف التاريخي تعيش في غابة من الأشواك، والعواصف والتحديات الكبيرة كغيرها من القوى السياسية التي تواجه الاحتلال والسيطرة على مقدرات وخيرات وأحلام شعوب المنطقة، اضافة انه لا يتوافر لدى الجبهة ما هو متوافر لبعض الفصائل في الساحة الفلسطينية من منابع مالية تستطيع الاعتماد عليها في تنفيذ برامجها وأفكارها، وتوفير بعض الخدمات الضرورية لشعبنا خصوصاً الـمحرومين منها، وفي ظل عدم توافر الإمكانات فإنها ستبقى فقيرة بما فيها رصد ميزانية للدعاية الانتخابية الخاصة بها بقدر يفوق ميزانية بعض الأحزاب السياسية.

صحيح أن الزلزال الكبير الذي حدث في تسعينيات وسقوط المنظومة الاشتراكية واحتلال العراق ومن ثم اندلاع ما يسمى بالربيع العربي  في العديد من الدول العربية والتي أعطت تأثيرات مباشرة على القضية الفلسطينية، قد عكس نفسه على روح ومعنويات القوى القومية واليسارية العربية عموماً والفلسطينية، لذلك فإن عقد مثل هذه المؤتمرات لا يمكن أن يسهم في تحقيق المصالحة الوطنية، بل إن المصالحة والحوار الوطني هي التي يجب أن يقود إلى حوار حول تطوير مؤسسات منظمة التحرير، لأن المصلحة الوطنية، تتطلب الاصطفاف ونبذ الخلافات والالتفاف حول منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، التي أدت سنوات النضال والكفاح الوطني الفلسطيني إلى أن يعترف العالم بها كمرجعية وحيدة وممثل للفلسطينيين أينما كانوا، بل وتطوير عملها ومؤسساتها واستراتيجياتها بشكل توافقي، على طريق تحقيق الأهداف الوطنية الفلسطينية وعلى رأسها إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.وضمان حق عودة اللاجئين الى ديارهم وممتلكاتهم وفق القرار الأممي 194.

أمام هذه الأوضاع نقول إن رسالة الشعب الفلسطيني واضحة، عبر مؤسساته وقواه وأحزابه بالرفض القاطع لأي مساس بالمنظمة وهيبتها وتمثيلها للشعب الفلسطيني أينما وجد، هو أبلغ رد على دعوات المؤتمرات، فالاختلاف في وجهات النظر والرؤى لا يعني بأي حال من الأحوال الخروج عن النظام السياسي الوطني الفلسطيني، بأجسام بديلة، فسنوات النضال والثورة الفلسطينية شهدت العديد من الخلافات والاختلافات في الاجتهادات والمواقف، بين مختلف قواها، ولا زالت، إلا أن ذلك لم يؤدي إلى انهيار المنظمة ولم يبحث المختلفون عن إنشاء أجسام بديلة.

وفي ظل هذه الظروف الدقيقة نرى إن الدعوات لمؤتمرات معينة لن ترى النجاح، فالشعب الفلسطيني يتطلع إلى خطوات عملية من شأنها إنقاذ الوضع الفلسطيني من دوامة الانقسام، والحفاظ على النظام الوطني الفلسطيني، من أي عبث أو مغامرات.

ختاما: لا بد من القول إن تعزيز وحدة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية نأمل أن نراها في عقد المجلس الوطني الفلسطيني من أجل رسم استراتيجية وطنية والعمل على الخروج من نفق الاتفاقات وتطبيق قرارات المجلس المركزي وصون المشروع الوطني الفلسطيني، وانتخاب لجنة تنفيذية ومشاركة جميع الفصائل في مؤسسات المنظمة على أرضية شراكة وطنية حقيقية حتى تبقى منظمة التحرير الفلسطينية العنوان والممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، على طريق تحقيق أهداف شعبنا المشروعة.

*كاتب سياسي فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons