تأملات في المسرح الأفريقي “التقليدي والمعاصر”

كتب : كريبسو ديالو*

ما المسرح الأفريقي؟

المسرح في أفريقيا هو الحياة أو علي أقل تقدير هو امتداد للحياة ، إنه وسيلة الشعوب الافريقية في التعبير عن قلقهم وعن احلامهم وبلورة معتقداتهم القديمة. ويعبر عن الموروث الثقافي للشعوب الافريقية سواء إذا كانت رقصات وملاحم واحتفالات شعبية أو كل مايدور في الحياة اليومية التي لا تنفصل بوجه عام عن الحياة الاجتماعية فكانت مهمته توصيل ما يريد “الشعوب” التعبير عنه، والعروض المسرحية “التقليدية” كانت لا تعد نوعا من الاكتفاء الذاتي autarcique ولكنها كانت تشكل رابطة اجتماعية ، سلاحا فكريا ، وسيلة للوعي الجماعي ، وفي احيان اخرى علاجا “روحاني” theatre otherapie مستوحاة من العروض الدينية التي تخضع لها القبائل. وعندما كانت الصلاة تجتمع بالرقص والغناء وكان اُسلوب التعبير يرتكز في أغلب الأحيان على فكرة المكان “الدائري” وأسلوب البوليڤالون Polvaolent الذي يجمع مابين “الكلمة والغناء والحركة” والبلينث Plinth الذي يعني في لهجة الولوف Wolof السنغالية المكان الذي يتم فيه اللقاء واتخاذ القرار بالمشاركة أو المشاورة في اجتماع يهم القبيلة. وإذا كان الموضوع يخص عرض أو مشهد يأخذ شكل دائرة.

الأسطورة في المسرح الأفريقي التقليدي

إن الأفارقة شعوب تمتلئ حياتهم بالأساطير وتستمر حياتهم طبقا للنظام والقواعد الموضوعة من قبل الأجداد، والتي نجدها في القصص والأساطير.

تعكس الأسطورة الأفريقية الشعور بالقلق أو الفرحة بآلام المجتمع الأفريقي وآماله العميقة. انها رمز يثير ويوجه الطاقة السيكولوجية.

فمثلا كانت تظهر “اسطورة” مالو Malaw حصان لات – ديور Lat-Dioz الذي فضل الموت علي رؤية أرض “القارة” تتلوث بأقدام المحتل. وأقصوصة “بيراجو ديوب” المسماة العظمة “I’os” كانت تظهر أن كل من يتجاوز حدود التضامن يلتقي العقوبة الإلهية.

إن الأسطورة في المسرح الأفريقي ليست مبنية علي الخيال أو أشياء مخالفة للواقع المعيش لكنها رمز للحياة، أسلوب يعمل علي تأكيد النظام الاجتماعي السائد. حتى يستطيع تحقيق استمراريته وفعاليته.

أنماط المسرح السنغالي التقليدي المختلفة

يقرُّ مؤرخو المسرح العالمي بأن أنماط المسرح الأفريقي كانت موجودة قبل ظهور المسرح الأوروبي. وبالاخص في السنغال.

وفي هذا الإطار سأشرح الأنماط المنتشرة في المسرح السنغالي التقليدي من الملحمة والدراما الأخلاقية التي تقدم شكل أقصوصة أو كوميديا، ثم المسرح الساخر وأخيرا العروض الترفيهية.

الملحمة

منذ مئات السنين وكانت تحكي الملحمة في السنغال عن طريق شخص يدعى جريو Griot اي روايا أو الجيويل Geewel بلغة الولوف Wolef “السنغالية” والتي تعني تكوين دائرة حول هذا الراوي أو المنشد هو إذن البطل الذي يلتف حوله الناس في شكل دائري يسمعونه وبالطبع يتبادلون الحوار معه. ويروي “القاص” في الملحمة قصة مصحوبة بآلة موسيقية، ويقوم عن طريق الصوت بتشكيل أجزاء القصة المختلفة وتتكون الاَلات من وتريات مثل الكلام Khalam والكورا Kora أو آلات إيقاعية مثل البلافون balafon.

إن دور الملحمة الأساسي هو التعليم والإقناع بحث المشاعر. ويظل يصاحب الشكل السائد للملحمة، وهو القص، من تغيير في نبرات الصوت و الغناء والموسيقى فيما عدا التعبير الحركي بالجسد، وتعد الملحمة سمعية أكثر منها بصرية أو مرئيّة. ولا يصاحبها أي ديكور. فالمحيط البيئي العام يكفي.

الفنان هنا متخصص، تلقى تأهيلا تكنيكيا خاصا في مجاله واكتسب معرفة تاريخية ضرورية. لانها ترجع الى حدث “خالد” واقعي أو أسطوري في ذاكرة الشعوب, ويتم تقديمها بفن بالغ الرقي، حتى أن أفراد المجتمع يجدون أنفسهم في أبطال تلك الملاحم.

التراچيديا

سبق أن أشرنا إلى أن الملحمة سردية أي تحكي. بينما التراجيديا تشاهد.

إن الملحمة عبارة عن قصيدة شعر طويلة أو نثر يروي احداث البطولة الباهرة لأبطال من الزمن الماضي، ولكي تكون هناك تراجيديا يجب ان يكون هناك، “دراما” اي ان يكون هناك “حدث وحركة” إن القصة أو الرواية، وإن كانت مأساوية، فهي لاتعد تراجيديا، لكن الدراما, دون معني مأساوي، لا يمكن اعتبارها تراجيديا أيضا. تلك هي الأساسيات المتعارف عليها في المسرح السنغالي التقليدي تبدو التراجيديا، بمفهومها المتعارف عليه في الغرب، غير موجودة تقريبا.

ويظل معروفا أن التراجيديا تستمد أصولها من الطقوس الجنائزية، وقد اتخذت هذه الطقوس أهمية كبرى في المجتمع السنغالي، فهي احتفال ديني، ومن هذا المنطلق كان لها طقوسها ورجال الدين القائمين عليها، والمكان الذي تؤدى فيه أيضا ودورها الفعلي هو توحيد القبيلة واللجوء الى الالهة والتوكل عليها والتحرر من عبودية الشهوات الجسدية عن طريق بذل التضحيات وتقديم الذبائح اذا كانت التراجيديا قد سيطرت علي إفريقيا جنوب الصحراء بوصفها تجربة معيشة في إطار من الحقائق التاريخية أثناء فترة الاحتلال، إلا أنها لم تفرض نفسها في المسرح التقليدي ولو في شكل عرض دنيوي. ويعود هذا السببين الأساسيين:

(1) كانت التراجيديا مرتبطة بمفهوم الصراع بين الإنسان والقدر، وكانت الأحداث تتصاعد بطريقة لا تقاوم نحو النهاية الحتمية، وهي في الغالب موت الإنسان.

تخضع حياة الرجل الأفريقي التقليدي لفلسفة قدرية. البطل لا يتعرض أو يقاوم قدرة لانه قوة عليا لإله العالم. فهو يقبل المكتوب عليه بسلام.

(2) أن بطل التراجيديا يقف وحده في مواجهة مصيره. إن الشعور بالوحدة في حد ذاته موقف تراجيدي، والافريقي بطبيعته يتقاسم ويشارك الآخرين في آلامهم، ولكن السبب القاطع أو الفيصل هنا هو غياب النص المسرحي. وهو غياب يعود الى عدم وجود نصوص مكتوبة، لأن اللغات الإفريقية الأكثرية لا تكتب، والتراجيديا تحتاج الى تطور وتصاعد طبيعي ولا تحتمل الارتجال مثل الكوميديا.

استطاعت التراجيديا أن تفرض نفسها في افريقيا منذ عشرات السنين، وان تحتل مكانها عليا معتمدة علي الكتابة وتستخدم في ذلك قنوات مستوردة مصدرا لها.

الكوميديا

تعد الكوميديا اكثر انتشارا في إفريقيا، وغالبا ما تكون كوميديا إجتماعية تبرز أخطاء المجتمع وتمجد صفاته الحسنة، وهذا النوع يعد أصعب الأنواع في التأليف والإخراج. تنفذ الكوميديا غالبا في شكل أقصوصة شخصياتها من البشر و الحيوانات.

وعندما قرأت مقدمة الكاتب السنغالي “مارسيل ضيوف” لكتابه “دراسة الحكي” استخلصت إن الأقصوصة الافريقية جزءا من عالم “ميتافيزيقي” ولكنها ذات طبيعة ظاهرية وهي نموذج للتعبير الشفهي بكل جدارة، لا ينقصه التشبع بالتجربة. لذا يمكن تشبيهها في بعض النواحي بالمسيرة المسرحية عامة، التي تظهر فكر وحكمة الإنسان الأفريقي الذي يعبر عن نفسه علانية . انه يجعل الشخصيات التي هي “أشجار – عقول – أناس” ذات دور فعال، فهي أدوات في خدمة الحقيقة التي يجب توصيلها ليكون لها دور تعليمي، وفرصة متاحة من خلال نص درامي تعليمي يفرضه الإنسان.

الأمثلة علي ذلك كثيرة. يستخدم هذا الشكل الدرامي على الكائنات بوصفها شخصيات وغالبا ما تنتصر فيه الفضيلة علي الرذيلة والذكاء علي القوة الهمجية العمياء. الراوي هو الممثل الوحيد الذي يؤدي كل الأدوار مستعينا بالتعبير الإيمائي أو حركة ملامح الوجه، وهو في الغالب متخصص وموهوب للقيام بهذه الأدوار المختلفة علي وجه العموم فهو فنان يذكرنا بفناني الكوميديا “ذي لارتي”.

يحدث ايضا، ان تقوم الشخصية الرئيسية بالعرض مع الاستعانة بفرقة صغيرة، يقوم أفرادها بالتعبير عن باقي الأدوار.

الهجاء

هو عرض أو مشهد مسرحي يعتمد أساسا علي الكلام أكثر من الأداء الحركي. هذا العرض يهدف إلى النقد اللاذع لسلوك بعض الأشخاص أو جماعات محددة. فهو من العروض التي يقوم فيها الممثلون بالغناء والكلام أكثر من التعبير الحركي.

العروض الترفيهية

هذه العروض تأخذ صورا مختلفة ولكنها تنبع في أغلب الأحيان من براعة الفنان الارتجالية.

مفهوم العرض

من الصعب تعريف ومضاهاة المسرح الأفريقي بالاحتفالات والعروض ، فيمكن استخلاص بعض المعطيات التي تميز العرض المسرحي الافريقي كما سبق أن تكلمت عنه فهو ظاهري أي علني يقدم للجمهور في مكان محدد و يدور التمثيل في شكل دائري ، تلك الدائرة قابلة للتغير حسب الأحداث وتدخل الجمهور فقد تتسع وتتشوه وتفقد معالمها ثم يعاد تشكيلها تبعا للعرض المقدم.

مخرج العرض رجل متخصص باستطاعته مواجهة كل ما يمكن أن يعوق العرض. فهو يقتبس من بعض التعليقات المباغتة من الجمهور ويضيفها إلى العرض بشكل أفضل.

الممثل

الممثل في المسرح الأفريقي التقليدي محترف ولا يعتمد على نص ولكن على خطوط أولية وهو بهذا يساهم بمسئوليته الثقافية.

تطور المسرح في افريقيا

في عام 1935 أضيف إلى المسرح الأفريقي شكل جديد من الأشكال المسرحية. من خلال كلية التربية “وليام بونتي” تلك المؤسسية التي تكون خلالها في عهد الاحتلال جميع الكوادر الفرانكفونية لأفريقيا الغربية.

كان الأساتذة “الأجانب – بعض الأفارقة” يقدمون آخر كل عام مسرحية باللغة الفرنسية مستوحاة من الأصول الأفريقية.

كانت تلك المسرحيات تحمل الطابع “الغربي” الاستعماري. محشوة بالاغاني ذات الطابع الغريب التي تتماشى مع تهميش جذور المسرح الأفريقي ولا تطوره وذلك مما دفع الطلاب الأفارقة فيما بعد بالتمرد وإعلان أن تلك العروض مليئة بالزيف وكل أستاذ أفريقي يشارك فيها يكون هدفه الوحيد اكتساب عطف المستعمرين و تقديم دعامة تسنده في تهميش الهوية الوطنية للمسرح الأفريقي.

ويجب هنا الإشارة إلى أن طلبة “بونتي” وجدوا أنفسهم في صراع مع أساتذتهم الذين كانوا يحاولون تغريب شخصياتهم وابعادهم عن هويتهم الافريقية. وكانت هناك رغبة قوية من المحتل آنذاك أن يهيئ مسرح “بونتي” من الناحية النفسية كي يكون منبرا للقيم الأدبية والفلكورية التي يستسيغها الذوق الأوروبي. ويجب ألا نغفل الدور الذي لعبه بعض الاستاذه الذين كانوا علي يسار الادارة الاستعمارية التي كانت تتحكم في المسرح لان في وجودهم ظل الطلبة مرتبطين بجذور المسرح الأفريقي. ولا يجب إغفال دور المفكرين الذين ساندوا الحراك لان لولا حثهم علي الوعي لفقد الطلاب هويتهم الأدبية الأصلية.

بعد تلك الفترة، حدث نوع من الغزو لمسرح معد خصيصا للسياح ونتج عن ذلك ابتعاد تام عن المسرح الأفريقي المعاصر وقيمه.

بدأت مرحلة جديدة، منذ عام 53-1954، نشأت فيها المراكز الثقافية الافريقية ومؤسسة تهتم بالمسابقات المسرحية، وكان الفائز منها يعرض علي العامة في شوارع المدينة.

مع فترة الاستقلال، أخذ رجال المسرح علي أنفسهم عهدا بإعادة إحياء التراث الثقافي التقليدي.

إعداد الممثل بعد فترات الاستقلال

بعد فترات الاستقلال كان يتم إعداد الممثلين المحترفين في بعض الجامعات المتخصصة في الفنون الدرامية التي تقوم بتدريب الممثلين وإعطائهم محاضرات عملية وأخرى نظرية.

“تعبير حركي بالجسد-إلقاء- تمثيل -سينوغرافيا-إخراج- محاضرات في تاريخ المسرح العالمي ، الدراما ، علم جمال المسرح”

هذا التعليم كان نسخة من التعليم الذي كان يطبق في الكونسرفتوار الفرنسي القديم. وبتطبيقه بطريقة “القص – اللصق” في افريقيا وجد به بعض الأخطاء و النقائص وعدم تسلسل تاريخي. نظرا لاختلاف الثقافة بين شعوب أوروبا وأفريقيا، فإن ردود الأفعال “السوسيو- سيكولوجي” كانت مختلفة، وأن التعبير الظاهري عن المشاعر كان يختلف تماما. ولهذه الأسباب يجب ان يعاد تقييم كل هذا ليطوف طبقا للمسرح الأفريقي.

ومن الضروري أن يعمل المتخصصون من الأفارقة لإعادة صياغة فكر ليس مغترب يوضع من خلاله قواعد لتدريس المسرح الأفريقي لبناء جيل أفريقي صاعد يأخذ باعتباره أن مشاكل المسرح في أفريقيا “جنوب الصحراء” لا تتعلق فقط في “ندرة” الدعم المادي ولا الافتقار للتقنيات الحديثة، بل مشكلته الأساسية اليوم هو انعزاله عّن الحياة الاجتماعية، لأن الممثل الافريقي لا يمكن أن يكون مجرد مؤدي يبيع نفسه لأفضل عرض “مادي” فهو المسرح وشعبه وتأهيله هو تأهيل اجتماعي وسياسي وفني. ويجب أن يتعلم بأن المسرح الأفريقي كان من العناصر الأساسية للثقافة في افريقيا، لذا يجب أن يكون معبرا ويعكس صورة حقيقية لحياة الشعوب الافريقية اجتماعيا وثقافيا وسياسيا.

من أجل مسرح أفريقي حديث

إن أهم المخاطر التي استهدفت المسرح الأفريقي منذ 40 عاما هو المسرح المقتبس والمسرح الطائر theatre daeroport. وانا كنت تحدثت مع بعض الأصدقاء المتعمِّقين في الشؤون الفنية في “الكاميرون” من 3 سنوات عن كيفية تأثير تلك النماذج علي الواقع الفني في قارتنا وأننا كأفارقة عدم ثقتنا في أنفسنا تحقير وعدم الثقة في ذواتنا واستسلامنا للثقافة الاستهلاكية في “العقد الزمني” الذي مر بعد فترة الاستقلال جعلنا في حالة تخدير “متراخية” لعدم النقد أو الاعتراف الفوري مما يأتي من الغرب لأنه سيد الفكر و المستوي المتفوق ذو الشأن العالي عن بقية شعوب العالم الثالث.

لا أحد يستطيع الإقرار أن الاستسلام كانت حالة مطلقة في العموم فكان هناك ردود أفعال كثيرة وصحوات منددة بالإطاحة التي تحدي للمخزون الثقافي الافريقي.

وقد نتج عن هذا الوضع العودة إلى الشكل الفولكلوري بأي حال. وكان هذا نوعا من الحلول السهلة التي مازال بعض رجال المسرح الأفريقي “الشامل” يتمسكون بها. وكلمة المسرح الشامل تعني “المتكامل” بكل العناصر الأساسية من ” الرقص – الغناء- الموسيقي” التي تضاف بها الطابع واللون المحلي. التدرج النابع من الداخل ولا يأتي كن مؤثرات خارجية.

لا يمكن أن يكون المسرح الأفريقي في حالة بحث عن الهوية الثقافية ولكن الدفاع الهوية الثقافية هنا لا يعني الانطواء علي النفس وبالتالي الجمود. إن الحفاظ على الهوية ليس معناه الدفاع عن الماضي فقط ولكن إمكان السيطرة واحتواء هذا الماضي وتوجيهه بما فيه الصالح. يجب ملاحظة أن مشكلة العودة إلى الأصول ليست مشكلة خاصة بإفريقيا. في الواقع، لا يمكن أن نقول اليوم إن هناك حضارة تقليدية لا مناص ولا ان هناك في المقابل حضارة قاصرة علي كل ماهو حديث.

وكما ذكر المفكر الهندي “هومي بابا” ان هناك حضارات أصلية، سواء أكانت حضارات قديمة أو حديثة، أي أنها وجدت وعبرت عن نفسها في رموز مفهومة لمن كانوا يتعايشون معها.

والآن نحن لسنا بصدد تعريف المسرح الأفريقي الحديث وإنما نهدف إلى استخلاص اتجاهاته وإعادة اكتشافه وطرح إشكالاته.

ومن وجهة نظري الخاصة إذا كان من المفروغ منه أن الإبداع المسرحي يجب أن ينبع من ثقافتنا الأصيلة، إذن يجب الأخذ في الاعتبار أن لكل فترة زمنية متطلباتها الاجتماعية والثقافية والسياسية ووسائلها المادية والتقنية الخاصة بها. وانا مع الاحتفاظ بالأصالة داخل المسرح الأفريقي ولكن لا يجب أن تتجمد حياتنا عند مواقف محددة لمجرد الحنين إلى الماضي أو التعلق بقيم بالية لمجرد إحساسنا بأنها تبعث في نفوسنا الشعور بالاطمئنان، بل يجب إعادة إكتشاف نظام جديد يعتمد على تجربة الماضي من اجل اعادة التعريف بالهوية المسرحية في افريقيا للخارج.

لا يمكن أن يكون مضمون المسرح الأفريقي نوعا من الفلكلور القائم على الرقص والغناء فقط، لأن هذا النوع اليوم للأسف تحول إلى أداة للتجارة والربح. ولهذا يجب علي المؤلفين والقائمين علي الأعمال المسرحية أن يضعوا في اعتبارهم هذه المهام. ليس كل تقليدي بناء. علي المسرح الافريقي ان يسهم في إظهار الإشكاليات التي تساعد على اضمحلال المجتمعات في القارة ويلعب دور تحريضي ضد “الفساد – السلبية – العنصرية – الطبقية – الجهل” ولهذا من الضروري تحمل إعادة اكتشاف المسرح للوصول لاحتياجات عصرنا دائم التغير.

أي مسرح من اجل افريقيا القرن الواحد والعشرين

لا نملك الإجابة علي هذا التساؤل ولكن لدينا بعض المعطيات التي يمكن ان نذكرها علي سبيل البيان.

1- اللجوء إلى الأصول الشفهية القديمة.

2- مفهوم أكثر إيجابية للبناء المسرحي.

3- إعادة قراءة اللغة المسرحية.

4-تأهيل الممثل كما سبق أن أشرنا.

يجب أن يعتمد المسرح الافريقي علي اصوله الشفهية القديمة، لكي يحتفظ بتفرده. وهنا يجب الاستشهاد بمرجع هام لألفونس رفائيل نيفيديا مدير الأرشيف الثقافي السنغالي السابق.

“الحقيقة الأولي، أن الأصول الشفهية القديمة سجل كامل يعبر عن حياة الشعوب الإفريقية، وهي بذلك تنتمي إلى عالم النصوص الشفهية، التي تجسم ذاتها في الحياة بترديد الكلام ويمتد هذا الكلام عبر الفضاء من خلال تعبير حركي حر أو منظم ، حيث يشكل الرقص الشكل النهائي الكامل لها، وحيث تصحب الأصوات حركة الجسم”

إن اساسيات ثقافة هذا الشعب تكمن في التقاليد الشفهية، سواء كانت هذه الثقافة نابعة من “الدين أو الأدب و قوانين الطبيعية” في هذا التنوع العجيب نجد تلك الثقافة محفورة بداخلها هذه التقاليد الشفهية لتشكل ملكة الانسان. الذاكرة هنا لها وضع مهم مثل المشاعر والانفعالات، والذكاء والمعاناة، والصبر، والمعايشة الاجتماعية…..الخ.

ولكن أمام تلك التقاليد القديمة هناك الحداثة والمعاصرة، وهما البحث الدائم عن التطور. إن العناصر الأساسية التي تمثل الحداثة هي العلوم والتقنيات. والاستخدام العقلاني في استغلال الثروات الطبيعية التي يحتاجها ويستخدمها الإنسان…..العلوم والتقنيات هما تراث مشترك للبشرية. علي العكس، فإن الاستخدام العقلاني لهذه التقنيات لا يمكن أن يعتبر معطيات سلبية من وجهة نظر الشخصية الثقافية. هذه العقلانية تعني في حقيقة، توحيد مقاييس التقنيات واستخدامها. أن نمذجتها تُخلْق بداخلها العلاقات الاجتماعية المتعارضة الخاصة بمجتمعاتنا. إن خلق علاقات جديدة يتطلب غالبا استبعاد اعتبارات كثيرة في مجتمعاتنا.

لذا نحن نستورد أدوات تساعد على التنمية وتشكل شخصيتنا الثقافية على المستوى الشخصي والجماعي. إذن في هذه الحالة فإن هناك نقدا لهذه التقنيات ويفرض نفسه أمام العناصر الأساسية المكونة لشخصيتنا الثقافية.

الطراز الغربي أحدث فجوة أو خلل بينه وبين البناء المسرح الأفريقي بسبب البنية الموروثة من الاحتلال التي كانت لا تتناسب مع المعطيات الأساسية لفضائنا المسرحي. ولكن هل يجب ان نقاطع الطراز الغربي بأكمله؟؟؟ لا اعتقد ذلك، يجب استخدامه بتمييز، وإعادة خلق فضاء مسرحي وأشكال تعبير. لا يجب أن يأخذ علي محمل إعادة الخلق شكلا ونظاما جديدا. يجب إعادة خلق هذه الإشكالات لأن ما يهم في المقام الأول، هو محتوى أو مضمون العرض، والتعبير عن احتياجات الجمهور. من هذا المنطلق فقط علينا أن نضع تصورا لشكل البنية المعمارية الملائمة.

واليوم لا يمكن ننكر أن المسرح الأفريقي نال ازدهارا نسبيا. ولم يتوقف المسرح بوصفه فنا متميزا واضح المعالم عن النمو منذ ثلاثين عاما، وإذا قمنا بحصر سريع لكتاب المسرح الإفريقيين المعروفيين و الموهوبين لوجدنا أكثر من 160 عملا مسرحيا من مختلف دول إفريقيا جنوب الصحراء وهذا التطور نتيجة طبيعية النمو الثقافي العام الذي نال جميع المجالات. وهذا يعني ان افريقيا السوداء لديها عدد لا بأس به من المبدعين المسرحيين وهذا مما يدعو إلى الفخر وتعمل الدول الإفريقية اليوم جاهدة علي إعداد وتنفيذ سياستها الثقافية الوطنية.

وكي تكون هذه السياسات مترابطة وعظيمة لا يمكن أن يزدهر الإبداع الفني والفكري اذا لم يتوفر هذا الضمان لحرية التعبير والخلق للمبدعين أنفسهم… ومن هنا تبرز مشكلة الحريات الفردية والجماعية في ظل انظمتنا السلطوية الحالية التي تعرقل إطلاق العنان لعبقرية الإبداع لدى الشعوب الإفريقية وتيسير حرية التعبير لأصحاب المواهب. وهذا هو الثمن الحقيقي الذي يجب أن ندفعه للنمو الثقافي ولنمونا الشامل.

*باحث في الشؤون الأفريقية

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons