هل يعيد تاريخ الستينات مأساته معنا اليوم؟

كتب : إبراهيم حياني التزروتي*

في المغرب الراهن من ينظر للأمور بعمق سيجد أن أسس ومرتكزات النظام المغربي في عهد الحسن الثاني هي نفسها أسس ومرتكزات النظام في عهد الملك محمد السادس، صحيح قد يكون جدد هياكله وغير بعض آليات وتكتيكات إدارته للأمور، لكن حتما البنية والعقلية لم تتغير أو تتبدل.

الشكل الحالي للدولة هو أشبه بحالة استثناء غير معلنة (برلمان معلق وحكومة موقوفة التشكيل)، أمور البلد قد تبدوا لنا أنها تسير بشكل عادي أو من المفترض أن تكون كذلك، الحكومة الحقيقية لم تتوقف يوما عن العمل وهي لا تزال مع الملك في جولاته وفتوحاته الإفريقية، وكل من هو ذاهب في الجولة عارف بأن الشيطان الحقيقي يكمن هناك.

ومن سخرية القدر كذلك أن نجد أنفسنا أمام السيناريوهات ذاتها، وأن نفس أحداث و وقائع العهد الأول تتكرر مرة أخرى خلال العهد الثاني، لكن بتوزيع وإخراج جديد وبالطبع بشخصيات جديدة، وكأن مقولة التاريخ يعيد نفسه تعود لتعلن نفسها كمسلمة رياضية غير قابلة للتغيير، وإن كنا نجد أن التغيير الوحيد في ذلك أن تلك الإعادة للتاريخ تكون في المرة الأولى كسخرية، لكن في الثانية فإنها تتحول إلى مأساة حقيقية.

– التاريخ 1965، العهد الحسن الثاني:

هي سنة مفصلية في تاريخ المغرب، ليس فقط لأن الراحل الحسن الثاني أعلن فيها عن “حالة الاستثناء” (وهو ما يشبه إعلان الأحكام العرفية كما يقع في البلدان التي تشهد انقلابات عسكرية و كوارث عظمى أو ما شابه)، لكن لأن هذه السنة لها ما قبلها ولها ما بعدها، ولم يكن إعلان حالة الاستثناء وتعليق العمل بالدستور سوى تحصيل حاصل لأزمة تدبير الحكم والصراع على السلطة بين النظام ومعارضيه خلال تلك الفترة.

فأما ما قبلها فإن الراحل الحسن الثاني اختار لنفسه توجها مختلفا عن توجهات والده في تدبير أسس الحكم، حيث مع توليه العرش تخلص من حرس أبيه في السلطة وعين رجالاته الخاصين المخلصين في المراكز الحيوية للدولة، وان كان اسمي رضى اكديرة كعراب بمهمة ضبط والتحكم في المشهد السياسي والحزبي، ومعه الجنرال أوفقير كعراب للشؤون الأمنية والعسكرية هما الاسمين الفارقين بين الأسماء الأخرى ممن طبعت هذه المرحلة.

…حرب الرمال وتأسيس الفديك في 1963، ملتمس الرقابة المجهض والذي رفعه الفريق الاتحادي، التصفيات والاعتقالات في صفوف اليسار في البرلمان 1964، أحداث 23 مارس/آذار بالدار البيضاء اغتيال بن بركة في 1965… كلها أحداث ووقائع متسلسلة جعلت المغرب فوق نار تغلي، وما كان من بد في نظر الحسن الثاني سوى حل البرلمان والتحكم بشكل كلي وبكل حزم ممكن لمقاليد السلطة.

قد تكون الخمس سنوات التي تلت مرحلة إعلان حالة الاستثناء هادئة نسبيا بالمقارنة مع سابقتها، لكن بعد ذلك تبين أن ذلك لم يكن سوى هدوء سبق تلك العاصفة الهوجاء التي كادت أن تجعل الحكم الملكي بالمغرب في خبر كان، إذ لولا كثير من الحظ و سوء تقدير وتخطيط من الانقلابيين الكولونيل عبابو والجنرال المذبوح في يوليو/تموز 1971 ومن بعدهم محاولة الجنرال أوفقير في أغسطس/آب 1972 لكان اسم العلويين موجودا على كتب تاريخنا فقط.

خيانة جاءت من أقرب المقربين للسلطة، ومن أكثر المؤسسات التي كان ينظر أنها تكن له الولاء وحده دون غيره، لكن مع ذلك فحسب ما جاء في مختلف الروايات التي جاءت من المشاركين في الانقلابين كلها متفقة على شيء واحد وهو أن الظروف الكارثية السياسية والاجتماعية والاقتصادية للبلد هي التي أدت بالعسكريين إلى قلب نظام الحكم.

– التاريخ 2017، العهد محمد السادس: المشهد يتكرر مرة أخرى مع اختلافات بسيطة في الأدوار وترتيب الأحداث.

الأصالة والمعاصرة حل مكان جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية، 20 فبراير/شباط 2011 أو حتى الاحتقان الاجتماعي الحالي في الريف حلتا مكان أحداث 23 مارس/آذار 1965، ونعتبر الحملة التي تشنها وزارة الداخلية ضد الإسلاميين وخاصة المنتمين للعدل والإحسان بالذات أو حتى ضد المنتخبين المنتمين للعدالة والتنمية ممن يديرون المدن ورئاسات الجماعات المختلفة هي نفسها الحملة ضد اليساريين من المنتمين للاتحاد الوطني أو غيرهم، ومع إضافة قليل من الأكشن لنعتبر وفاة باها والأستاذ الزايدي مكان اختطاف بنبركة (وإن هذا لا يعني أننا متفقين مع من يشك في الرواية الرسمية).

قد تكون التفاصيل ليست نفسها وقد يكون الترتيب في الأحداث والوقائع مختلف، لكن القاسم الذي يجمع هذا وذاك أن هناك أزمة جعلت البلد فوق فوهة البركان وأن الجميع يطالب ويرجو تدخل فوري من الملك فهو القادر الوحيد على حلها وهو المنقذ الوحيد للبلد من الذهاب نحو المجهول.

في انتظار إذا “أحمد باحنيني” جديد، أو “محمد بنهيمة” آخر، لكن نأمل يقف التاريخ على هذا الحد ويكون رحيما بنا هذه المرة وألا يأتينا لا عبابو ومذبوح آخر، ولا أوفقير جديد.

*المغرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons