مشبوهية حركات التأسلم السياسي

كتب : حمدي عبد العزيز*

كلما حاولت التوغل في محاولة فهم نشوء وطبيعة وتطور التأسلم السياسي في مصر كلما اقتربت من استنتاجات رئيسية منها:

أولاً: أن التأسلم السياسي هو أمر وافد وأجنبي تماماً علي الثقافة المصرية وأنه من الخطأ الشديد أن نؤرخ لبداية ظهوره بظهور جماعة الإخوان المسلمين ومؤسسها حسن البنا الذي لم يفعل أكثر من أن أقام بنياناً تنظيمياً على أساس أفكار السلفية الوهابية التي كان يعتنقها أستاذه وولي علمه الشيخ رشيد رضا ووالده الشيخ عبد الرحمن الساعاتي وكلاهما لم يكونا إلا أتباعاً ممولين ومدعومين من الحركة الوهابية وقت أن كانت تخوض معركة التأسيس السعودي في نجد برعاية وتمويل وتدريب المخابرات البريطانية وبعد أن تشكلت عصاباتها في منطقة نجد بالجزيرة العربية في بدايات القرن الماضي.

ثانياً: أن سيد قطب لم يأت بأي جديد عما جاء به إمامه حسن البنا ولكنه فقط استطاع صياغة أفكار حسن البنا ودعوته التي تعد بدورها استنساخاً حركياً لأفكار السلفية الوهابية البدوية.

أما سيد قطب فقد حولها من أفكار وأحكام حول الحاكمية وهجرة المجتمعات الكافرة وتأثيم من لا يعمل من أجل الحاكمية ومن لايقوم عليها وتكفير من لايؤمن بها والجهاد من أجل إقامة نظام الخلافة الإسلامية على الأرض وذلك عبر كتابيه الشهيرين “في ظلال القرآن ومعالم علي الطريق” إلي بنيان نظري متماسك ملك لجماعة الإخوان دليلاً عملياً وبرنامجاً لتحقيق وهم الحاكمية، وبالتالي فلا حسن البنا قد جاء بفكرة مصرية ولا سيد قطب ولا متبعيهم أو المنشقون عنهم غلواً أو تشدداً أو حتى كنوع من أنواع إضفاء المرونة التكتيكية (فريق القرضاوي وعبد المنعم أبو الفتوح بالإضافة لفريق كمال الهلباوي ومختار نوح) كل هؤلاء لم يأتوا بجديد.

فالفكرة قد صنعت في هجر نجد عبر تحالف السلفية الوهابية – السعوديين – المخابرات البريطانية ورجلها فيليبي. والفوارق بين هؤلاء وهذا وذاك وأولئك ليست كبيرة وهي في التفاصيل والهوامش أما الخطوط الأساسية ففي اعتقادي – كشخص فقير إلى العلم والتجربة – فهي واحدة، بل أن ذلك الحال ينطبق على كل تيارات التأسلم السياسي وتنوعاتها الدعوية والمنظمة وغير المنظمة والجهادية الدعوية والجهادية المسلحة طالما كانت الفكرة الأساسية هي الحاكمية والجهاد الدعوي أو المفخخ أو المسلح من أجل تحقيقها وتكفير من أنكرها وتأثيم من تقاعس أو أهمل في العمل علي تحقيقها.

ثالثاً: أستطيع القول إن “إعادة تصنيع” الفكرة الأساسية التي جرت عليها عملية تأسيس تيار التأسلم السياسي وهي “الحاكمية الإسلامية والجهاد في سبيلها وتكفير من أنكرها” والتي تمت في المنطقة العربية ومنطقة غرب آسيا بدءً من القسم التركي من الإمبراطورية الروسية القديمة وجنوبها الأفغاني إلى شمال شبه القارة الهندية. وأن عملية (إعادة التصنيع ) هذه قد شاركت فيها عن طريق الدعم والتمويل والتدريب والتسليح أجهزة مخابرات دول استعمارية.

1 – ففي منطقة الشرق الأوسط ومنطقة شمال شبه القارة الهندية كانت أجهزة المخابرات البريطانية هي التي تقود عملية إعادة التصنيع في نجد مع عبد العزيز آل سعود وفي شرق قناة السويس عبر تقديم دعم مالي لحسن البنا ساهم في المساعدة على تأسيس الجماعة وفي شمال شبه القارة الهندية بدعمها لأبو الأعلى المودودي حتى نجح تلميذه محمد علي جناح في شطر شبه القارة الهندية وإجهاد أن يؤدي خروج دولة الهند علي حالتها الجيوسياسية إلى بروز دولة وطنية عظمى لها ثقلها تمسك بصرة العالم الصاعد وقتها نحو التحرر من الاستعمار الكولونيالي.

(أرجوا مطالعة المراجع المتعلقة بتاريخ تأسيس المملكة السعودية كذلك الملفات التي أفرج عنها في وزارة الخارجية البريطانية)

2- في القسم التركي من الإمبراطورية الروسية القديمة (مناطق التتر والقوقاز) كانت مخابرات الرايخستاج الألماني هي التي تتولى عملية إعادة تصنيع الحاكمية الإسلامية وتأسيس تيارات التأسلم السياسي في هذه المنطقة تمهيداً لاجتياح الإتحاد السوفيتي ومن الثابت أنها أنشأت قسماً خاصاً في المخابرات النازية للتعامل مع الشعوب الشرقية وكان يخدم فيه عدداً من الألمان من ذوي الأصول القوقازية والتترية كانوا يشرفون علي عملية التصنيع هذه في إطار عمليات غسيل المخ التي كانت تقوم بها آنذاك المخابرات الألمانية.

(أرجوا مطالعة كتاب “مسجد في ميونخ” فهو يكشف بالتفاصيل والوثائق قصة توظيف الدين الإسلامي في المخابرات الألمانية وتجنيد الكثيرين من أبناء العالم الإسلامي القديم من أجل مصالح النازية الألمانية)

– وكان من الطبيعي للولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية وقد ورثت العالم الاستعماري القديم وأزاحت بريطانيا عن قيادة العالم الإستعماري في نسخته الحديثة المتطورة أن ترث مخابراتها هذا الملف الحيوي وأن تطور عملية توظيفه في خدمة تكريس الهيمنة الأمريكية وعلى طريق تحقق الحلم الإمبراطوري الأمريكي وقد اتضح هذا التوظيف جلياً في دعم المملكة الوهابية السعودية وكذا الأنظمة العسكرية السلفية في باكستان والدعم الغير مباشر والمباشر لهذه التيارات واستخدامها في تشكيل الجماعات الجهادية في أفغانستان والتي كانت التأسيس الحقيقي للقاعدة ثم داعش وكل هذه التجليات الحركية المسلحة في العالم العربي.

كما أن بعض الأطراف الإقليمية المحيطة بتلك المناطق انطلاقاً من مصالحها الجيوسياسية وأدوارها الوظيفية في خدمة الاستعمار العالمي علي مدى عقود طويلة قد دأبت علي دعم حركات التأسلم السياسي بشكل أم بآخر علي حساب المصالح الوطنية لشعوب المناطق التي تعاني من تمدد تلك التيارات والحركات والعصابات المنبثقة عنها سواء كانت مسلحة تمارس القتل أو غير مسلحة تمارس الإرهاب الديني والبلطجة الثقافية علي والتسلط السلفي علي مجتمعاتها.

لذلك فالخلاصة أن نشأة وتطور كافة تيارات التأسلم السياسي التي تؤمن بفكرة “الحاكمية الإسلامية والجهاد بالدعوة أو السلاح من أجل تحقيقها وتكفير من لايؤمن بها” هي عملية تحيط بها المشبوهية منذ النشأة وحتى تاريخه وأنها بالتالي ستظل عقبة في طريق الاستقلال الوطني والتقدم لشعوب تلك المناطق التي شهدت نشأتها وتطورها أو تلك التي تشهد تجلياتها الحركية والتنظيمية.

*عضو السكرتارية المركزية للحزب الإشتراكي المصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons