نقد الثابت والمتحول .. قراءة في كتاب أدونيس

كتب : مارك مجدي

كثرت الكتابات التي تناولت كتاب أدونيس الثابت والمتحول بالنقد، وان كان كثير منها قد خرج عن النقاش النقدي المثمر واستغرق في القوموية والدفاع المتعصب عن التراث، دون أن يعطي الكتاب حقة في التحليل والدراسة. وهي سمة عامة في الجزء الأكبر من المراجعات العربية للكتب، إذ يغلب عليها الطابع السجالي وتتحول من نقد موضوعي الي قصائد ذم أو مدح.

ساحاول هنا ان اقدم بعض الملاحظات المتواضعة علي هامش هذا الكتاب الهام، وتلك الملاحظات تتضمن أهم النقاط المنهجية التي تسير العمل البحثي لأدونيس وليست بحثا في التفاصيل الواسعة التي تبحر فيها وله فضل عظيم في ذلك.

ربما أغرى أدونيس بظاهرة الثقافة العربية الراهنة فصادر علي الثقافة العربية العامة ووضعها في قفص الاتهام، فهو يصدر حكمه عليها منذ البدء ويلحق بها صفة الثبات ونبذ التحول، ثم ينطلق بعد ذلك باحثا في كتب التراث عن استشهادات وأحكام تؤكد وتدعم أطروحته الأساسية.

منهج الظواهر

وهو ما اتبعه أدونيس في بحثه، اي المنهج الفينومينولوجي، الذي ساعده للسير في هذا الاتجاه وتبسيط الظواهر التي كانت في حاجة لكثير من البحث والإضاءة، وهو ما يشير الية في مقدمة الكتاب أنه استخدم المنهج الظاهري في تحليل الثقافة العربية. ونشدد هنا علي هذه المسألة، فقد اقتصر البحث علي دراسة الظواهر الثقافية بشكل مستقل عن قاعدتها المادية فعرض جدلية هذة الظواهر فيما بينها ولم يعرض للجدلية بين هذه الظواهر وقاعدتها المادية اي الظروف الاقتصادية الاجتماعية التي نشأت فيها كل ظاهرة “أردت أن أدرس الثقافة كظاهرة قائمة بذاتها”. ونتساءل علي أفاد هذا المنهج أدونيس في الكشف عن جدل الأفكار وهل استطاع أن يميز أسباب الثبات والجمود في الثقافة العربية. فكما يفترض هوسرل مؤسس المنهج الفينومينولوجي أن تحليل القصد المبادل هو تحليل للمعرفة والوجود معا.

 

وفي اعتقادي أن عيوب المنهج الفينومينولوجي الذي جاء تعبيرا عن أزمة العلوم الإنسانية وعجزها عن تحليل بنية المجتمعات الحديثة، هذه العيوب التي اسقطت نفسها علي بحث ادونيس بل سحبت البحث الي مواقف نزعة المركزية الأوروبية التي تعني بوضع صفات ثابتة ومميزة للذهنية الشرقية مقابل صفات أخرى للذهنية الغربية وهكذا نجد في حديث أدونيس عن الذهنية العربية أصداء للمتطابقات التي تروجها المركزية الأوروبية عن الذهنية الشرقية مثل الوجدانية الروحانية والاندفاع من اجل المعرفة لاغراض أخلاقية وغيرها من الصفات التي تلصقها المركزية الأوروبية بالمجتمعات الشرقية وتحاول التأكيد علي الروح اللازمنية لها من خلال التأكيد علي استمرارية وثبات ذهنياتها في مختلف العصور . وعمل أدونيس لا يزيد سوى ان يكون اضافة لنصوص وشواهد تؤكد هذة الصفات وتدعمها. فهو يقرر في مقدمته أن العربي مفطورا علي الثبات “العداء الذي يكنه العربي، بعامة لكل إبداع حتى لكأنة مفطور عليه. فإن ردود فعله المباشرة إزاء الإبداع هي التردد والتشكيك والرفض عل مستوى الحياة العامة والذم والقمع علي مستوى النظام”.

كذلك تحدث عن الذهنية العربية والصق بها صفات الفردية التجريبية والعينية المطلقة والماضوية. ولتبرير أطروحته يأخذ أدونيس الفكر في نموذجه هو يعزل الأفكار عن ارتباطاتها الاجتماعية ويفصل المفكرين عن مجتعاتهم. ثم يقدم الأفكار المجردة ملتمسا فيها قيم الثبات والجمود ومعاداة التحول. فالمهنج الذي يعتمده إذن يرفض ان يدرس الثقافة العربية في حركتها. وانتهي بالباحث إلى أحكام عامة وصفية ومجردة، ثم كيف يمكن للباحث ان يتجنب البنية الاجتماعية والسياسية المادية للثقافة عند تحليلها ثم، ولكنه لا يتردد في استخلاص نتائج عامة تتجاوز إطار الثقافة إلى بنية المجتمع العربي ككل فالثبات لم يعد محض صفة. ويتجاوز هذا الثبات إطار الأدب والفقه ليشمل سياسة الحكم ونمط الوجود.

هوسرل والخطوات الثلاثة

وأدونيس في تحليله هذا مخلص تماما لاصول المنهج الفينومينولوجي كما ببر عنها الفيلسوف هوسرل -حيث يضع ثلاث خطوات لصياغة الفينومينولوجيا كمنهج للعلوم الإنسانية: هي تعليق الحكم، البناء والإيضاح. وبين تعليق الحكم عند هوسرل وضع العالم بين قوسين أو وضعه خارج الميدان. ويعني هذا إزاحة الظاهرة المادية جانبا.

وهوسرل لا يرى انفصال الذات والموضوع كما يفعل المثاليون والماديون علي حد سواء بل الذات والموضوع عندة وجهان لشيء واحد، هو الشعور الذي هو ذات عارفة وموضوع للمعرفة وتكون مهمة الفينومينولوجيا تحليل الشعور الي تحليل القصد المتبادل والذي يكون في نفس الوقت تحليلا للمعرفة والوجود في آن واحد.

وهو بالضبط ما فعلة أدونيس في دراسته عن الثبات والتحول في الثقافة العربية، فقد قام بالخطوة الأولى في المنهج وهي تعليق الحكم .. ووضع المجتمع العربي والحركة التاريخية العربية بن قوسين وقام بتجريد الثقافة وعزلها عن ارتباطها وتأثيرها المتبادل مع المجتمع . فيقول “لم أشأ أن أدرس نشوء هذه الثقافة بما هي حركة نتاج وتطور تاريخيين. فمثل هذه الدراسة في رأيي ضعيفة الأهمية .. بل لم تعد لها أي قيمة معرفية خلاقة”.

وينهي أدونيس في خلاصته الأخيرة إلى النهاية نفسها عن مرحلتها التاريخية وفي محيطها الاجتماعي الذي ظهرت فيه. ويأخذ في دراستها علي هيئة نماذج أو ظواهر أو تجليات للثقافة دون أن يكون لها أي اتصال بالتطور التاريخي والاجتماعي. وقد قام بغربلة التراث باحثا ومدققا عن قيم الثبات وقيم التحول في الثقافة العربية، واستطاع ان يصل الى استخلاصه الهام وهو أن الثبات كان قدر الثقافة العربية وان المتحول كان دائما استثناء علي القاعدة وخرقا لها. ويمضي أدونيس بعد ذلك وراء المنهج الفينومينولوجي ليستنتج أن ما صح علي الثقافة العربية يصبح صحيحا علي الحياة العربية بشكل عام.

حياة أم ثبات؟

فالحياة العربية كما يرى أدونيس عرفت منحيين أساسيين في النظر والعمل: منحى التحول ومنحى الثبات. هذان المنحيان رسما التطور التاريخي للمجتمعات العربية ولم تكن العلاقة بينهما جدلية وتلك خصوصية الثقافة العربية والمجتمعات العربية كما يرى أدونيس بل إن هذه العلاقة هي علاقة تعارض وعداء بين طرفين ينفي كل منهما الآخر وقد كانت الغلبة لخط الثبات فهو الذي يعبر عن طبيعة العقل العربي، ولم يكن التجديد والتحول والإبداع سوى محاولات جانبية يائسة تراجعت أمام ذلك الخط العام المسيطر.

ويمضي أدونيس باحثا في كتب التراث عن تجليات لخط ثابت في الثقافة العربية، فيري تجلياته في ميدان الدين بتغليب النقل علي العقل. والرجوع إلى النص وإنكار التأويل والتمسك بحرفية الكتاب والسنة.

وبالرغم من النماذج الكثيرة التي يستخرجها أدونيس من كتب التراث إلا أنها غير كافية للتدليل علي صحة أطروحته وأخذها كمسلمة نهائية. ولو أن أدونيس أراد أن يثبت العكس لاستطاع من خلال نفس المصادر. ويكفي ان نشير الي ابن رشد ومؤلفاته.

ومن وجهة نظري فان الطريقة النصوصية التي لجأ اليها أدونيس لا تفيد في نقد الثقافة العربية. فمن السهل معارضة النصوص بنصوص أخرى تناقضها وتدحضها وكما وجد أدونيس شواهد علي سياد الثابت في الثقافة العربية، فان باحثا آخر يستطيع ان يستخرج شواهد متناقضة. وتلك إحدى نتائج منهج تجريد النصوص وعزلها عن مدلولاتها الاجتماعية.

ويتابع أدونيس بحثه عن تجليات الثبات في الحياة العربية، فنجدها في ميدان السياسة بالقول بسلطة الخلفية الدينية. وفي ميدان الأدب يظهر خط الثبات وتغليب أخلاقية الأدب علي فنيته. وهي الخاصية ذاتها التي يؤكدها انصار المركزية الاوروبية فيما يتعلق بالذهنية الشرقية عامة، إذ يضعون الاندفاع وراء المعرفة من اجل الاغراض الأخلاقية العملية في الشرق مقابل الاندفاع وراء المعرفة من أجل المعرفة ذاتها في الغرب.

كذلك يتجلى الثبات في رأي أدونيس، في تكريس الشعر الجاهلي نموذجا للشعر العربي وجعله مقياسا لكل شعر. بل يمضي أدونيس الي التاكيد علي ان الادب الجاهلي اكتسب عند المسلمين صفة دينية شبه مقدسة، وذلك ليبرر أطروحته الأساسية التي ترتكز علي إقامة علاقة متبادلة بين قيم الثبات في الفكر الديني وقيم الثبات في الأدب. وقد أكد أدونيس رفض الإسلام للشعر الجاهلي وعداءة له في البدء لكنه يرجع بعد ذلك الى اعطاء هذا الشعر صفة التقديس بأسم الدين نفسه. كيف يمكن لأدونيس أن يجمع النقائض ويوفق بين الرفض والتقديس ..

الزمان المفتوح .. الزمان المغلق

ولا يكتفي أدونيس بعزل الثقاف العربية عن محيطها الاجتماعي والتاريخي بل يذهب كذلك إلى إلغاء تأثير الزمان و نفي اي قدرة له علي التغيير، فالزمان عندة مفتوح نحو الماضي فيتم ظهور الحاضر فيه. ويمضي أدونيس في صياغة مقولاته التي تعتمد رؤيته الزمنية هذه، فالشرقي يعيش غريبا عن ذاته بدئيا. فهو من البدء دينيا في السماء، ودنيويا في الأمة -الدولة، وفي هذا ما يقدم عنصرا أساسيا لنفس الظاهرة السائدة اليوم في المجتمع العربي … فالماضي هو الأصل عند أدونيس، والحاضر هو الماضي أو هو تأصيل الاصل وتكراره، فالزمن دائري اذن، وكل تقدم الي الأمام ليس سوى عودة إلى المركز وتكرار للدائرة ذاتها. ومن هنا ينتفي مفهوم التطور فليس ثمة تطور في التاريخ العربي عند أدونيس. يمكن اذن باعتماد هذا المنهج تفسير أية ظاهرة من الظواهر الثقافية والاجتماعية المعاصرة استنادا إلى الماضي “الموتى يمسكون بالأحياء”.

اين أرض الوقائع؟

أدونيس إذن يجعل الماضي مقياسا للحاضر ومنطلقا لفهم كل هذه الظواهر المعاصرة لذا فانه يتجة نحو دراسة الماضي ليبحث عن قيم الثبات والتحول في لحظة الأصل. وبدلا من أن يتجه أدونيس في دراسته نحو أرض الواقع بحثا عن أسباب تاريخية واقعية لسيادة منحي الثبات في الثقافة العربية .. فإنه ينطلق من سماء الأفكار والتجريدات، دون نظرة واحدة نحو التربة المتغيرة التي تنبت هذه الأفكار. ويجد أدونيس في الدين تفسيرا للثبات والنقل ومعاداة الإبداع دون النظر أيضا في الشروط التي تجعل من الدين صانع حدود التفكير للعقلية الشرقية العربية، فالمسألة ليست عصور ظلام وتنوير كما شهد التاريخ الغربي بل إن قدر على الشرق أن يكون للدين الغلبة حتى لو توفرت شروط التحديث التنوير.

ويمكن القول في النهاية أن ملاحظات أدونيس وأفكاره تبقى عند حدود الوصف، ولا تستطيع أن تصل بالبحث الي نهاية منطقية، وهي بحث الأسباب ومحاولة الإجابة عن إشكاليات الثقافة العربية عبر تجلياتها التاريخية وليس من خلال عزلها وتجريدها.

الثقافة عند أدونيس إذن هي نظام مغلق لا يتغير عبر التاريخ، تنتفي السببية. لان كل ما هنالك خصائص عامة ثابتة سطرها في البداية البحث وأعد لها بعد ذلك العديد من الاستشهادات.

والملاحظات الواردة هنا لا تنتقص من قيمة الكتاب الهام، ولا تقلل من الجهد الواضح في كل صفحة من صفحاته. وقد اختار أدونيس أحد الأوتار الأكثر إيقاعا والأشد توترا في بنية الثقافة العربية وكان له شرف المغامرة في الدخول الي ميدان حديث حيث انه حتى وقتنا هذا لم يوضع قراءة تاريخية ثقافية اجتماعية او تاريخ ابستمولوجي للثقافة العربية، يتناول الظاهرة الثقافية بارتباطاتها التاريخية والاجتماعية. ومن هنا أهمية كتاب ادونيس حيث انة يحاول ان يؤسس لتاريخ معرفي للمجتمعات العربية ,و لكنة يقع في خطأ بالغ حين يعزل الثقافة عن المجتمع ويحاول تفسير الظواهر الثقافية بالظواهر الثقافية ذاتها. ذلك أن كل ثقافة هي تعبير عن ظروف تاريخية في مجتمع محدد علي أساس مادي، لذا كان ينبغي البحث عن أسباب تاريخية اجتماعية -لسيادة الثبات في الثقافة العربية، أو قبل ذلك ينبغي البحث في البدء عما يمكن تسميته عملية “إنتاج المجتمع” علي حد تعبير آلان تورين والانطلاق بعدها في البحث في عملية إنتاج الثقافة. اي أن موضوع البحث هو كيف ظهرت المجتمعات في الشرق الاوسط وكيف تطورت خلال العصور التاريخية المختلفة وكيف أنتجت هذه المجتمعات قيمة الثقافة الثابتة والمتحولة وآلية العلاقة بين التطور الاجتماعي من جهة وبين التطور الثقافي المعرفي من جهة أخرى. وبعدم تحديد البنية الاجتماعية لمنحى الثبات في الثقافة العربية لا يمكن تحديد الأسباب الحقيقية التي أدت إلى سيادته، كذلك لا يمكن بالنتيجة تحديد أي مشروع تنويري نهضوي من أجل التغيير.

فما ينبغي إدراكه أن الثبات ليس سمة ثابتة مميزة في ثقافات معينة أو في ذهنية معينة كما يقول أدونيس بل هو مشروع تاريخي تصنعه نخبة سياسية ثقافية وتعمل علي تنفيذه في شروط تاريخية ملائمة.

الجدل ونفي المطلق

وقد بين علم الاجتماع والأنثروبولوجيا ان ليس هنالك مطلق أو ثبات اسمه الذهنية العربية أو الشرقية أو الأوروبية وانما هناك أساليب ومناهج في النهج والتفكير نشأت عن طريق الممارسة التاريخية لمجتمع في مواجهة الحاجات الاجتماعية والاقتصادية خلال مسيرته عبر العصور. كذلك تثبت الأنثروبولوجيا أن الثقافة في المجتمع هي متغير ديناميكي ولو بصورة بطيئة وغير مرئية. والمنهج الجدلي الذي قصره أدونيس علي الأفكار فقط يرفض عزل الفكر عن المجتمع، ويعتبر المبدأ الرئيسي في دراسة الوعي الاجتماعي اي الثقافة يكمن في محاولة الإجابة عن العلاقة بين الوعي والوجود وبين الفكر والطبيعة.

يقول ماركس “ليس وعي البشر هو الذي يحدد وجودهم علي العكس يتحدد وعيهم بوجودهم الاجتماعي”. وكذلك فإن الثقافة السائدة في مجتمع ما هي نتيجة لوضع طبقي اجتماعي معين، فالطبقة المسيطرة في أي مجتمع تفرض ثقافتها علية. ومن هنا ندرك أن ثبات الفكر في عصر ما هو ثبات للبنية الاجتماعية وهذه هي الحلقة المفقودة في عمل شاعرنا الكبير أدونيس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons