إلى الثورة البلشفية العظمى في عيدها المئوي – راهنية الماركسية

كتبت: نجاة طلحة

تقديم: كتبت هذه المساهمة لكن ظروف خاصة لم تمكنني من إكمالها ونشرها. الآن إنتهذ حلول الذكرى المائة للثورة البلشفية وأرفق العنوان بالتحية لهذا المعلم الأعظم في التاريخ الإنساني. أرجو أن أتمكن من مواصلة الحوار حول تحليل الحالة الراهنة للرأسمالية والذي قدم فيه الرفيق سعيد زارا مساهمة قيمة ناقشت محاور مهمة وضرورية لإستكشاف تعقيدات المرحلة، فمن المؤكد أن راهنية الماركسية مربوطة بالتحليل المادي/الموضوعي للواقع.

استندت الماركسية على الديالكتيك المادي لقراءة الواقع في إطاره الموضوعي. وما أثبت صحة هذا المنهج بما لا يدع مجالاً للشك، أن كل العلوم التطبيقية والإكتشافات العلمية بنيت على معادلات الجدل المادي وأكد تطبيقها صحة تلك المعادلات، مما رسخ هذا المنهج وقطع الطريق أمام التشكيك فيه، ليس فقط من أعداء الماركسية السافرين، بل كذلك من المنتسبين لها كدعاة المذهب النقدي التجريبي. وقد كان الفضل لفلاديمير لينين الذي دحض الادعاء بأن تَطوُر الفيزياء أو ما يسمى بـ (Quantum Physics) قد أبطل الجدل المادي. فبين لينين أن ما تغير هو الحد الأصغر المتعارف عليه في بنيان المادة وهو الذرة، لتتوصل الفيزياء الحديثة إلى جسيم متناهي في الصغر وهو الإلكترون. كذلك خواص المادة من مثبتة، مطلقة وأولية، الى نسبية ملازمة لبعض حالات المادة فقط. وكل هذا لا يعني زوال المادة أو زوال حركة تطورها، بل ولم يمس الديالكتيك المادي، فما يخصه عن المادة هو إن تكون واقعية موضوعية، أي أن توجد خارج وعينا. “فمفهوم المادة لا يعني من الناحية العرفانية أي شيء غير الواقعية الموضوعية الموجودة لصورة مستقلة عن الوعي الإنساني” (المادية والمذهب النقدي التجريبي). كما أن الطابع النسبي لخواص المادة الذي أضافته الفيزياء الحديثة فيه تأمين على الديالكتيك المادي، فالنسبية هي من أساسياته وقد تبنت الماركسية نظرية نسبية المعارف الإنسانية لارتباطها المستقل بالمادة والتي هي في حالة حركة وتطور دائمين.

التسلسل المنطقي المادي لا يترك فرصة لدحضه لأنه يُبنى على الواقع الملموس. فالماركسية لم تنشأ بمعزل عن تطور المجتمع الإنساني المعرفي، وهي إمتداد للمادية وتوسيع لتوظيفها ليشمل قراءة الظواهر في المجتمع البشري وتسلسلها، وإستخدام الواقع الموضوعي كعنصر أساسي في البناء النظري. لذلك فالإنجاز الأول الذي حققته الماركسية للبشرية هو اعتمادها الديالكتيك المادي في تحليل الظواهر والبناء فوقه. هذا ما أكسب الماركسية خاصية التطور الذاتي الممتد بالتوازي مع تطور المجتمع الإنساني، وبالتالي استدامة مواكبتها واستمرارية راهنيتها.

غاصت الماركسية في عمق ظواهر المجتمع البشري، فأحاطت بحقيقة العامل الموضوعي الأساسي في الإنتقال عبر مراحله المختلفة فكانت نظرية الصراع الطبقي. الإكتشاف الذي أنجزه ماركس عبر منظور المادية التاريخية. فإن “تاريخ أي مجتمع حتى الآن، ليس سوى تاريخ صراعات طبقية”. أما دليلها الفعلي فهو تجارب التاريخ الحديث. فالمجتمع البرجوازي نفسه قد “قام على أنقاض المجتمع الإقطاعي” فأعاد إنتاج الاضطهاد الطبقي لكن بأشكال مختلفة. الرأسمالية الآن تنهار بعد أن وصلت لأعلى مراحلها، فمسألة إنتفائها وراهنية الإشتراكية العلمية يُقرآن ضمن هذا التسلسل الذي يموضع الإشتراكية كمرحلة من مراحل التطور المادي للمجتمع. بل وتكتسب الماركسية كذلك شرعيتها من الواقع الذي يعيشه المجتمع البشري اليوم. فالماركسية لم تكن حاضرة وضرورية عبر تاريخها أكثر مما هي عليه الآن. لم تشخ الماركسية بل أن كل خصائص المجتمع البرجوازي، تناقضاته، وإفرازات علاقات الإنتاج الرأسمالية التي عايشها ماركس أو تنبأت بها الماركسية قد إتضحت معالمها الآن، بل أصبحت أكثر وضوحاً.

يؤكد التاريخ المادي أنه عندما يستحكم التضاد بين مصالح الطبقات ويحتدم الصراع الطبقي وتفشل آليات المرحلة في علاج تناقضاتها تنضج الظروف الموضوعية للتغيير. فعندما يرزح ما يقارب 3 مليار نسمة من سكان الأرض تحت وطأة الفقر بينما يملك1% من سكان العالم ما تملكه البقية مجتمعة (منظمة أوكسفام)، ويعيشون في رفاهية فاحشة، تكون الضرورة للإشتراكية أشد إلحاحاً. وبقدر ما يشهد العالم من تقدم تقني ونمو المتزايد للثروات بقدر ما يتأذى فقراؤه من التوزيع غير العادل للثروة، وتصبح الإشتركية ضرورة موضوعية. تنهي هذه المعادلة الخاطئة بإنهاء الملكية الخاصة التي ومنذ ظهورها تأذت منها البشرية، لتتوجها البرجوازية بعبودية العمل المأجور التي فصلت بين البشر والتمتع بثمرة إنتاجهم. ووضعت ثروات العالم في أيدي قلة من الناس. ففي تقرير لمركز ورلد سنتريك إن ثلاثة من أغنياء العالم تفوق ثروتهم الناتج الإجمالي لل48 دولة الأفقر في العالم. إن الصراع الطبقي الآن في مرحلة غليان صامت يظهر في إنتفاضات عفوية هنا وهنالك وينذر بالإنفجار الحتمي. إذ تسود العالم اليوم درجة من الفوارق الطبقية لم يشهد التاريخ أعمق وأوسع منها، بإشتداد حدة فقر الأغلبية المسحوقة وتراكم ثروات الطغمة المالية. إن البرجوازية تتحكم في ثروات العالم، وتفرض على العالم نموذجاً من العلاقات الإقتصادية يوطد لهذا التحكم، فأكذوبه أن المنظات العالمية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي قد أُسِست لإعانة الدول النامية ومساعدتها على الخروج من خناق التخلف ووضعها في طريق التنمية قد انكشفت ووضحت بجلاء في روشتات التقشف والسياسات المعادية للشعوب التي تُملى وتُفرض على الحكومات. كذلك أحكمت الطغمة المالية سيطرتها على حركة الإستثمار والتجارة العالمية بواسطة الإتفاقيات كإتفاقية منظمة التجارة العالمية. فبُناء على هذه الإتفاقية تملك الدول الصناعية 97% من كافة الإمتيازات العالمية و80% من الإمتيازات الممنوحة للدول النامية موجهة لأنشطة شركات الدول الصناعية الكبرى العاملة هناك. هذا على المستوى العالمي، أما على المستويات المحلية وبحسب موقع غلوبال إشوس فإن أكثر من 80% من سكان العالم يعيشون في بلدان حيث الفجوة بين الفقراء والأغنياء في حالة إتساع مستمر. بما يعني أن كل يوم يمر تزداد فيه معاناة الفقراء، ثمناً لرفاهية البرجوازية، وقرباناً لرأس المال. وبذلك تشتد حدة الصراع الطبقي!! وتصبح “أيّها البروليتاريون، في جميع البلدان، إتحدوا” حاضرة، بل ضرورة موضوعية.

النظام البرجوازي لم يعد يستجيب لحاجيات المجتمع، بل فشل في توفير ضروريات الحياة للإبقاء على المصدر الأساسي لتراكم رأس المال فالبرجوازية “عاجزة عن أن تسيطر، لأنها عاجزة عن تأمين عيش عبدها” (العمل المأجور ورأس المال). فقد واجهت الطبقة العاملة البطالة وضعف الأجور مع مشكلة التضخم وأصبحت الحياة بالنسبة لها شبه مستحيلة. والعامل عند البرجوازي لا يعني سوى الرأسمال المتحول، فقد مارست البرجوازية أبشع أشكال التشيء (objectification) ضد البشرية ولم تُعر أي اهتمام بالإنسان. لذلك فعندما تراكمت أزماتها إنصب كل اهتمامها في البحث عن البديل وتركت الكادحين يواجهون انعدام حاجيات الحد الأدنى للحياة. فعندما تراكمت تناقضات علاقات الإنتاج الرأسمالي وتفاقمت أزماته فكرت البرجوازية في البديل، كاللجوء للاستثمار النقدي (الذي أثبت فشله) أو تصدير رأس المال. فارتحلت المصانع إلى بلدان العالم الثالث ليمارس الرأسمال المزيد من استغلال الطبقة العاملة وليعولم جريمته في حقها. وعلى مستوى العالم فشل النظام البرجوازي السائد في تأمين أبسط متطلبات الحياة وحسب اليونيسيف فإن 22,000 طفل يموتون كل يوم بسبب الفقر، والذي يعتبر السبب الأول للموت في العالم. إذ تموت جموع من الفقراء نتيجة للجوع وبسبب أمراض سهلة العلاج لو توفرت للمرضى أدوية زهيدة الثمن. كل هذا يؤكد راهنية الماركسية والضرورة الموضوعية للإشتراكية العلمية. أما تنبؤها بما آلت اليه البرجوازية الآن من فشل يؤكد صدقها ويعلن أن هذا النظام قد انتفت مقومات وجوده. فالبرجوازية فشلت في توفير العيش للعامل الكادح حتى”في إطار عبوديته، لأنها مرغمة على تركه ينحطّ إلى وضع يُلزِمها بأن تُعيله، بدلا من أن يُعيلها. فالمجتمع لم يعد يستطيع أن يحيا تحت سيطرتها، أو بعبارة أخرى، لم يعد وجود البرجوازية يلائم المجتمع”. (المانيفستو الشيوعي). هذه مرحلة قد فقدت شروط وجودها الإنتقالي، ولن تستمر إلا إذا توقف المجتمع الإنساني عن التطور. الشاهد أن المجتمع الإنساني الآن هو أكثر حاجة للمخرج الإشتراكي.

لم تستطع البرجوازية تجاوز تناقضات النظام الرأسمالي. إن نقد ماركس للإقتصاد الرأسمالي، والتأكيد على عدم مقدرته على تجاوز أزماته ذات الأسباب والعوامل المتجذرة في بنيته، ثبتت صحته عند كل أزمة عاشها الإقتصاد البرجوازي فقد لازمته وأعيت كل الإصلاحات الهيكلية منذ ظهور الرأسمال الصناعي في منتصف القرن الثامن عشر. وكلما تقدم الزمن بالإقتصاد البرجوازي زادت أزماته عمقاً وحِدّة. فحسب توقعات إقتصاديي البرجوازية فإن التعافي من أزمة 2008 سيستغرق ما بين عشرة الى عشرين عاماً من إجراءات التقشف، وهذه أبطأ فترة تعافي مرت على تاريخ الرأسمال. فهي لم تتسم بالإزدهار الإقتصادي كما كان يحدث عقب أزمات الركود السابقة، بل أن كل الإصلاحات والمساعدات من الحكومات والتي صبت في صالح إنقاذ الرأسمال على حساب الأغلبية المسحوقة أصلاً، لم تستطع مساعدته في التغلب على آثار الأزمة، رغم أن هذه الأغلبية قد سددت فواتير الأزمة تقشفا، إنخفاضاً في الأجور، بطالة، وإستقطاعات من المعاش. وبذلك أثبت التاريخ ما أكدته الماركسية أنه بنمو الرأسمال تنمو وتتفاقم تناقضاته وبالتالي أزماته. إن أزمة (2008-2009) قد زلزلت أركان الرأسمال بعد أن إحتفت البرجوازية بمشروع العولمة ورصدت له ترسانة من الرأسمال الوهمي العابر للقارات، فتفاقمت فوضى السوق بسبب هشاشة الإستثمار في النقد وصعوبة السيطرة عليه. كذلك فشلت كل وسائل التكيف الرأسمالي في إخماد التناقضات الرأسمالية. وواحدة من أشهر هذه الوسائل هي نظام التسليف الذي إدعى المدافعون عن النظام الرأسمالي أنه سيخلق التوازن في السوق ويقيه من الركود، ففشل فشلاً زريعاً وكان السبب الأول في أزمة 2008-2009 التي لا زال إقتصاد العالم يعاني من آثارها حتى الآن. وبرغم كل ما تم سرده سلفاً من التغول اللاأخلاقي للبرجوازية على ثروات العالم، فإنها لم تستطع أن تعالج وتوازن تناقضات نظامها. فالأنظمة البرجوازية اليوم تحاصرها المآزق من بطالة وتضخم وديون سيادية تعكس فشل هذا النظام الذي أصبح يعيش على الإستدانة. إن الإشتراكية العلمية هي الطور القادم والذي قد نضجت ظروف الإنتقال اليه، والذي نظرياً نطلق عليه (الماركسية) فهي أكثر راهنية الأن!

الطبقة العاملة وهي التي مكانها الترتيب الأول في الدفاع عن راهنية الماركسية تأتي مناقشتها في نهاية هذه المساهمة لأن العلاقة هنا تبادلية فدور الطبقة العاملة معقود على راهنية الماركسية، وبالمقابل فأهلية هذا الدور دليل على هذه الراهنية.

قد كثر الحديث عن التغيير في طبيعة الطبقة العاملة وعن أن التقدم التقني قد حول العمال الى فنيين بفضل تطور وسائل الإنتاج. قد قدمت مساهمة في هذا الموضوع في يناير 2010 أقتطف منها:

التغيير الوحيد الذي أحدثه تطور الآلة علي وضع العامل هو أنها حلت محل مهارته وحُرِم بسببها من أي فرصة للتدريب وتطوير قدراته أو إستخدام مهاراته. فالآلات المتطورة تحول العامل الي متحرك آلي يقوم بحركة رتيبة أمام الحزام المتحرك أمامه فكل عامل، وفي خطة الأهمية الوحيدة أمامها هي زيادة حجم الإنتاج، يربط مسمارًا أو يضع جزءًا واحداً في القطعة المصنعة، ويقوم العامل بنفس الحركة آلاف المرات في اليوم. هذه العملية الآلية لها تأثير نفسي مدمر فهي تقتل أي متعة قد يحسها العامل بإستخدام مهارته للمشاركة في تصنيع المنتج المعين، كذلك فتأثير الرتابة بتكرار نفس الحركة طيلة ثماني ساعات أو أكثر يصيب العامل بضغط نفسي يتراكم وينعكس سلباً علي حياته بكاملها. هذه الحركة المتكررة ويد العامل في نفس الوضع لهذه الفترات الطويلة ينتج عنها في الغالب آلام عضوية قد تتطور لعاهات مستديمة.

وبذلك لازال “رأس المال يولد وهو ينزف دماً وقذارة، من جميع مسامه، من رأسه وحتى أخمس قدميه.” (رأس المال، المجلد الأول) وبالمقابل لازالت الطبقة العاملة هي تلك القوى الخلاقة التي تدخل في علاقات الإنتاج الرأسمالية رأسمالا متحولاً، يضيف القيمة التبادلية ويخلق فائض القيمة الذي ينمي رأس المال ويراكمه. لم يتحسن وضع العامل بل إزداد سؤاً كما تنبأ ماركس”فالعامل أصبح مجرّد مُلحق بالآلة، لا يُطلب منه سوى الحركة اليدوية الأكثر بساطة ورتابة وسهولة وامتهان”. (المانيفستو الشيوعي). لذلك فحقيقة راهنية الماركسية تؤكدها معاناة العمال وتؤكدها النبوءة الصادقة المبنية على الاستقراء العلمي السليم، إذ أن هذا الوصف لحال العامل قد تبلور بشكل كامل عندما ابتكر هنري فورد نظام الحزام المتحرك المذكور في عام 1913، وبعد مرور 65 عاماً على كتابة المانيفستو الشيوعي. هكذا ظلت معاناة الطبقة العاملة واستغلالها من قبل البرجوازية، لذلك فغني عن البيان أنها هي صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير وقائدة الإنتقال للاشتراكية. بل تأكد أكثر من قبل أن الاشتراكية هي المشروع الذي يستدعيه هذا الواقع المقيت وهو المخرج الوحيد إلى مجتمع العدل.

رغم أنه وفي بلدان الأنظمة البرجوازية الكبرى تناقص عدد العمال بتقلص الصناعة لكن لازالت الطبقة العاملة تشكل الأغلبية بعد أن إنحدر الى مصافها جزء من الطبقة المتوسطة، تماماً كما تنبأ المانيفستو الشيوعي، “فإن أقساما بكاملها من الطبقة السائدة تنحدر، بفعل تَقدُّم الصناعة، إلى البروليتاريا، أو تتهدد على الأقل بأوضاعها المعيشية.” فبحسب معهد بيو للأبحاث فإنه وخلال العقود الأربعة الأخيرة قد تقلص حجم الطبقة المتوسطة في الولايات المتحدة بما لا يقل عن 18%. بالمقابل وبحسب موقع ستي لاب والذي يعتمد على البحوث العلمية فإن الطبقة العاملة تشكل الآن ثلثي القوى العاملة في الولايات المتحدة. وفي بريطانيا وبحسب صحيفة القارديان الصادرة بتاريخ 29 يونيو المنصرم أن 25% من البريطانيين هم في وظائف عمالية، لكن 60% من الشعب البريطاني يعتبر نفسه طبقة عاملة. أما على مستوى العالم وبعد عولمة تقسيم العمل فقد تزايد عدد الطبقة العاملة وبحسب تقرير لمعهد ماكينزي العالمي صدر في 2012 أنه و”من 1980 إلى 2010 ازدادت القوة العاملة في العالم من 1.2 مليارإلى ما يقارب 2.9 مليار، بما في ذلك 500 مليون عامل جديد- في الصين والهند وحدهما.” كذلك وبحسب نفس المصدر فإن هنالك تحول من العمالة الزراعية الى الصناعية في الدول النامية من 45% في 1980 الى 70% في 2010. هذا التحول لا يغير في تصنيف العامل، لكنه ينقله الى حيث يتنامى الوعي الطبقي في تجمعات العمال الصناعيين. لذلك فإن هذا العصر “عصر البرجوازية، يتميز بتبسيطه للتناحرات الطبقية. فالمجتمع كله ينقسم أكثر فأكثر إلى معسكرين كبيرين متعاديين، إلى طبقتين كبيرتين متجابهتين مباشرة: البرجوازية والبروليتاريا” (المانيفستو الشيوعي). هكذا حللت الماركسية المجتمع البرجوازي وخرجت بتوقعات نراها ماثلة أمامنا الآن توكد على راهنية الماركسية وصحة تحليلها.

كل البدائل التي طرحتها أيدولوجيا البرجوازية الصغيرة الإنتهازية، والتي وقعت تحت نفوذ البرجوازية قد ثبت فشلها. ولقد وضح تماماً كم هي ساذجة فكرة كونراد شميدت عن نزع الملكية على مراحل حتى تتوازن مصالح الرأسمال ومصالح العمل، إذ أن علاقات الإنتاج الرأسمالي مؤسسة على التناقض بين هاتين المصلحتين. كذلك لم يكن للبرجوازية أن تكون من الغباء وهي في قمة سيادتها السياسية أن تسمح بتسرب ملكيتها من بين يديها وحتى زوالها. كما سقطت نظرية السلام الإجتماعي التي راجت نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين والتي يدحضها واقع الصراع الذي تدفعه المطامح المتناقضة في المجتمع الطبقي. أما أُطروحة برنشتاين عن الإشتراكية التدرجية أوالإشتراكية الديمقراطية فهي في الواقع، لم تكن سوى حل وسط يحفظ مصالح رأ س المال، وأما تجاربها فقد ثبت فشلها خاصة في أيامنا هذه. إذ صارت الحكومات التي تتبناها العوبة في يد مؤسسات اللصوصية العالمية التي تضع مصلحة رأسمال المتهالك على حساب مصلحة الشعوب وتفرض روشتاتها الجاهزة ذات المسار الواحد الموجه لمصلحة رأس المال. وها هي الطبقة العاملة تصارع الحكومات مدعية الإشتراكية الديمقراطية، كاشفة كذب وعودها، مدافعة عن مكتسباتها، ورافضة الإذعان لحِزَم التقشف والتغول على حقوقها التي إنتزعتها خلال نضال طويل. فقد أعطى اليسار الإصلاحي ظهره لجماهير العمال ليلعب الدور الذي رُسِم له، حيث تنتهي حقوق الطبقة العاملة عندما تبدأ مصالح رأس المال.

ففي فرنسا أدخلت حكومة الحزب الإشتراكي تعديلات على قانون العمل ليكون منحازاً بالكامل للشركات وأرباب العمل ومجحفا في حق العمال والموظفين، هذه التعديات تمس الحقوق الأساسية للعمال من ضوابط الحد الأدنى للأجور، التعويض عن البطالة، ثم عقود العمل وساعات العمل والحقوق النقابية والتأهيل المهني. كذلك نزعت التعديلات سلطة تحديد الأسباب القانونية لتشريد العمالة من القضاء ووضعتها في يد رجال الأعمال، وقلصت التعويض في حالة الفصل. فجر هذا التعديل الغضب الثوري ضد سلطة رأس المال. فعمت الإحتجاجات فرنسا، ونُظِمت المظاهرات وإستنفرت النقابات الشارع، وإستمرت الإحتجاجات أكثر من أربعة أشهر. تسببت الإضرابات في تعطيل مصاف تكرير النفط فانعكس ذلك بشكل مباشر على تزويد محطات الوقود، كذلك تأثر قطاع النقل بالإضراب فقد دخل عمال السكك الحديدية على الخط وشُلت حركة التنقل. أعلن مدير السكك الحديدية حينها أن شركته تخسر بسبب الإضرابات ما يتجاوز عشرين مليون يورو يومياً. كذلك شملت الإضرابات النقل الجوي المدني ومصانع معالجة النفايات. واجه الحزب الإشتراكي الجماهير الكادحة الغاضبة بأقصى درجات العنف بما فيها إطلاق الرصاص الحي، كما واجه المتظاهرون أحكامًا بالسجن لمدد طويلة. وقد لجأ رئيس وزراء الحكومة الإشتراكية مانويل فالس إلى تمرير القانون بالقوة دون اللجوء للتصويت عليه في الجمعية الوطنية، ليعري إدعاءات اليسار الإصلاحي الزائفة. الشاهد أنه قد تأثرت كل القطاعات الدنيا والطبقة المتوسطة الدنيا بسياسات الحكومة المنحازة لمصالح الرأسمالية. لكن أكدت قيادة العمال لهذه الإحتجاجات أنهم حقيقة يمثلون الطليعة قائدة التغيير. وليكون ذلك في الوقت نفسه تأكيداً على راهنية الماركسية!

ونموذج آخر لتجربة أكذوبة اليسار الإصلاحي ما يعانيه اليوم الشعب اليوناني تحت قيادة حكومة تحالف سيريزا الذي فاز في الإنتخابات ببرنامج الرفض لسياسات التقشف المفروضة من مؤسسات التحكم الرأسمالي: الاتحاد الأوروبي، والبنك المركزي الأوروبي و صندوق النقد الدولي. لم تبذل هذه المؤسسات جهداً كبيراً في ترويض سيريزا، فسرعان ما توافق مع البرجوازية ونكص بالكامل عن عهوده للشعب وإستجاب لإبتزازها. نفذ سيريزا حزم قاسية وغير مسبوقة من التقشف شملت تقليص الخدمات الصحية، تخفيض المعاشات مع زيادة حد سن التقاعد، وفرض ضرائب مباشرة وغير مباشرة تجعل الحياة أكثر قساوة على الشعب اليوناني. كما أُتخِذت جملة من الإجراءات ضد العمال تتضمن التسريح الجماعي، غلق المصانع في وجه العمال و الحد من حق الإضراب. بالمقابل مارست الحكومة سياسات منحازة للرأسمال فخصخصت المواني ومولت الشركات الكبيرة، ومنحت إعفاءات ضريبية لرأس المال الكبير.

منذ البداية، فإئتلاف سيريزا مع حزب اليونانيين المستقلين اليميني كان مقدمة صارخة للمساومة الطبقية. تلك المقدمة أكدت أن إشتراكية اليسار الإصلاحي هي أكذوبة سرعان ما كشفتها التجربة. قاد النضال ضد هذه السياسات العمال المنظمون في جبهة النضال العمالي (بامة) ذات التوجه الطبقي والتي ينضوي تحت عضويتها عشرات الإتحادات العمالية والنقابات والآلاف من العمال النقابيين. دعم هذا النضال الصامد الحزب الشيوعي وشارك في قيادته. ليقدم عمال اليونان الدليل الأكثر جلاءاً على راهنية دور الطبقة العاملة ودورها الحيوي في قيادة النضال ضد الرأسمال، لينضموا لتجربة عمال فرنسا ويقدموا الدليل على راهنية الماركسية.

وخاتمة ذات أهمية خاصة: العالم الآن يمر بأكثر الظروف مواتاة للإنتقال الإشتراكي. فلا شك في أن التقدم التقني والتطور الذي إكتسبته القوى العاملة الآن يهيئ أرضية المجتمع الإشتراكي، ويمثل قاعدة مادية صلبة لبنائه؛ المجتمع الإشتراكي الذي يضع كل هذه الإمكانيات في خدمة الجميع، بإدارة جماعية ممنهجة. هذا ما أكدته الماركسية على لسان أنجلز في مبادئ الشيوعية
إن الصناعة الكبيرة وما تتيحه من إمكانية لا متناهية لتوسيع الإنتاج، تفسح المجال لإحلال نظام إجتماعي سيبلغ فيه إنتاج وسائل العيش حداً يمكّن كل فرد في المجتمع من إمكانية تنمية قدراته ومؤهلاته الخاصة وإستخدامها بكل حرية. بحيث أن الصناعة الكبيرة التي عودتنا على خلق الأزمات الاقتصادية ونشر البؤس في المجتمع الراهن، يمكن توظيفها بفضل تنظيم إجتماعي آخر في سبيل إلغاء البؤس وكل الأزمات.”

وهكذا فإن الأرض الآن معبدة للمشروع الإشتراكي كما لم تكن من قبل أبداً. وقبل ما يقارب القرن من الزمان أعلن لينين أنه وبدون كهرباء ونظام زراعي وصناعي يقوم على أحدث إكتشافات العلم لا يمكن بناء النظام الشيوعي، وقس على ذلك. فالتقدم في مستوى إنتاج الحياة المادية، مصحوبا بتقدم القدرات البشرية، يشكلان الظروف المادية اللازمة للإنتقال للمجتمع الإشتراكي. طورت البرجوازية الناس ووسائل الإنتاج فحفرت قبرها ومهدت للإنتقال للإشتراكية. الرأسمالية تنهار ومشروع الإشتراكية الديمقراطية قد أثبت فشله فالمجتمع الإنساني الآن أمام خيارين: إما الإشتراكية أو الفوضى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons