في ندوة الشيوعي المصري: 25 يناير ثورة شعب لم يعد قابلاً لاستمرار السياسات الحاكمة

مصر

4 متحدثين و20 مداخلة في ندوة الحزب الشيوعي المصري تؤكد:

25 يناير ثورة شعب لم يعد قابلاً لاستمرار السياسات الحاكمة

الثورة نتاج تراكم تحركات جماهيرية وسياسية طوال أعوام سابقة

كسر حاجز الخوف وتزايد الوعي الشعبي والدستور أهم الإيجابيات

الثورة مهدت لكشف حقيقة تيار الإسلام السياسي وسقوطه شعبياً

الشعب ثار من أجل تغيير السياسات القائمة وليس تثبيتها

تقرير : حسن بدوي

أجمع المتحدثون في ندوة الحزب الشيوعي المصري بمناسبة مرور ست سنوات على ثورة 25 يناير/كانون الثاني على أنها كانت ثورة شعب لم يعد قابلاً للاستمرار في ظل السياسات الحاكمة ضد نظام لم يعد قادراً على الاستمرار بنفس السياسات القائمة، وأن ثورة 25 يناير/كانون الثاني لم تنشأ من فراغ، وإنما هي حلقة من حلقات الثورة الوطنية الديمقراطية المصرية، التي تتداخل فيها الأهداف الوطنية والديمقراطية والاجتماعية، وأنها جاءت نتيجة تراكمات من التحركات الجماهيرية والسياسية ضد النظام طوال الأعوام السابقة عليها، كما أجمعوا على أن عوامل عديدة داخلية وخارجية جعلت الثورة لا تحقق تغييراً جوهرياً ولا تنجح حتى الآن في تحقيق أهدافها الرئيسية، رغم إيجابياتها التي تمثلت في كسر حاجز الخوف، وتزايد الوعي والخبرات الشعبية والاهتمام بالسياسة لدى قطاعات عريضة من المواطنين، وانكشاف حقيقة تيار الإسلام السياسي، وخاصة جماعة الإخوان، وسقوطه شعبياً، وأن الثورة قامت من أجل تغيير السياسات القائمة وليس تثبيتها.

وكان الحزب قد نظم الندوة مساء 28 يناير/كانون الثاني الماضي بمركز “آفاق اشتراكية” بالقاهرة تحت عنوان: “ثورة 25 يناير.. ماذا حققت؟.. وهل أخفقت؟”، وأدارها صلاح عدلي، الأمين العام للحزب، وتحدث فيها كل من حسين عبد الرازق، الكاتب الصحفي وعضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني التقدمي، والدكتور محمد حسن خليل، عضو السكرتارية المركزية للحزب الاشتراكي المصري ومنسق لجنة الدفاع عن الحق في الصحة، ود. نور ندا، نائب رئيس الحزب العربي الناصري، ود. صلاح السروي، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي المصري، وشهدت الندوة أكثر من عشرين مداخلة من الحاضرين لقيادات عمالية وسياسية من مختلف الأعمار والانتماءات الحزبية اليسارية.

وكشفت المداخلات عن حقيقتين، أولهما احتياج اليسار إلى ضبط وتوحيد المفاهيم والمقولات التي تتردد على الساحة السياسية بمعان ومدلولات مختلفة، مثل مفهوم “الثورة مستمرة” الذي تعني فيه الثورة عند البعض ثورة 25 يناير/كانون الثاني فقط، ويقتصر مفهوم الثورة لديها على أنه التعبير السياسي الذي يتخذ شكل المظاهرات والوقفات الاحتجاجية وفقط، بينما الثورة تعني لدى البعض الآخر عملية التحرك الشعبي المنظم والمستمر لتحقيق الأهداف الوطنية والديمقراطية والاجتماعية، وأنها بهذا المعنى مستمرة حتى تحقيق أهدافها كاملة، منذ ثورة عرابي 1881 وحتى الآن، وكذلك مفاهيم مثل “ثورة الشباب ضد العواجيز” و”الشباب والمجتمع المدني بديلاً للأحزاب” وغيرها من المفاهيم التي يجري ترويجها منذ سنوات طويلة لطمس الصراع الطبقي والوطني واستبداله بمفاهيم ليبرالية زائفة. والحقيقة الثانية أن ثورة 25 يناير/كانون الثاني كانت ثورة شعب ولكنها لم يكن لها شعب يحميها، أي لم تكن قواها الشعبية تمتلك منظماتها القادرة على الاستمرار بها حتى تحقيق أهدافها، وهو ما تسعى بعض فصائل اليسار لتحقيقه حالياً عبر اللجان الشعبية ضد الغلاء والإفقار وغيرها من أشكال التنظيم النقابي والجماهيري المختلفة.

وكان الدكتور محمد حسن خليل أول المتحدثين في الندوة فبدأ كلمته بسؤال: كيف نقيم الثورة؟ بأنها فعل شعبي أم بنجاحها في تحقيق أهدافها؟

وركز الدكتور خليل في كلمته على العوامل الداخلية والخارجية التي شكلت مقدمات وضرورة الثورة، فأشار إلى خطة صندوق النقد الدولي، التي بدأت مرحلة جديدة منذ عام 1991 للسير قدماً في طريق التبعية بتصفية الأصول الإنتاجية المملوكة للشعب، وتزامن ذلك مع سياسات العولمة في عقد التسعينات، وتوجع الإمبريالية للتحالف مع قوى الإسلام السياسي والإخوان كأفضل حليف لهم بعد اهتزاز عروش الأنظمة الاستبدادية في المنطقة، تلك القوى الخارجية والداخلية لعبت دوراً رئيسياً في إفشال ثورة يناير، وأصبحنا أمام موقفين لليسار الآن: موقف ضد الإمبريالية ومخططاتها التي ينفذها الإخوان, وموقف يعتبر الإخوان قوى وطنية وأن العدو هو ما يسميه “حكم العسكر”.

من جانبه أكد حسين عبد الرازق أن ثورة 25 يناير/كانون الثاني هي محصلة لتراكمات طويلة ساهم فيها دور الأحزاب والقوى السياسية في إحداث تراكم الوعي، خاصة منذ عام 2003، ودور حركة كفاية في رفع شعار “لا للتوريث”، ودور الصحف الحزبية والمستقلة، ودور الحركة العمالية وتجاوزها الاتحاد العام لنقابات العمال وإضراب الضرائب العقارية، والذي كان أول إضراب للموظفين منذ ثورة 1919، وكان السبب المباشر للثورة هو التزوير الفاضح في انتخابات البرلمان عام 2010.

وأوضح عبد الرازق أنه في 25 يناير/كانون الثاني لم تكن هناك ثورة، وإنما انتفاضة ضد قمع السلطة في يوم عيد الشرطة، وكان عدد المعتصمين في ميدان التحرير يتراوح بين 30 إلى 40 ألفاً، مما أعاد ذكرى الكعكة الحجرية في يناير/كانون الثاني 1972 وانتفاضة 18 و19 يناير/كانون الثاني 1977، وفي يوم 28 يناير/كانون الثاني تحولت إلى ثورة شارك فيها الإخوان، وبعد قطع الإنترنت ووسائل الاتصالات انتشرت المظاهرات في كل ميادين مصر، وبدأت الشعارات تتصاعد للمطالبة بإسقاط النظام، وانسحبت الشرطة وتم حرق السجون وسادت الفوضى، وقد حدد الجيش موقفه وقتها بأن “مطالب المتظاهرين شرعية، ولا استخدام للقوة في مواجهتهم”، وفي 11 فبراير/شباط تنحى مبارك وتعهد المجلس العسكري بإنهاء حالة الطوارئ وحدد خطوات نقل السلطة للمؤسسات، إلا أن المؤسسة العسكرية ارتكبت أخطاءً كان أبرزها تشكيل لجنة الدستور برئاسة طارق البشري المرتبط بالإخوان، والتحالف مع الإخوان دون الاستفادة من التجارب السابقة للإخوان مع كل الرؤساء السابقين (عبد الناصر والسادات ومبارك).

وأكد عبد الرازق أن أهم ما حققته الثورة أن الشعب المصري أصبح فاعلاً رئيسياً في الحياة السياسية لم يعد ممكناً تجاهله، كما أصبح لمصر دستور لدولة مدنية حديثة، ونمن انتخابات رئاسية حرة، غير أن أهداف الثورة (عيش حرية عدالة اجتماعية وكرامة إنسانية) لم تتحقق بعد، كما أن الدستور لم يتحول إلى قوانين (باستثناء قانون بناء الكنائس رغم كل ما شابه من ملاحظات)، وما زال جوهر السياسات الاقتصادية المطبقة منذ عام 1974 قائماً بل وتعمقت رغم ما سببته من تعثر التنمية وزيادة الفقر والبطالة.

وتحدث د. نور ندا عن غياب العدالة في توزيع عوائد التنمية، مما أدى إلى قيام ثورة 25 يناير/كانون الثاني، مشيراً إلى عدم دستورية الموازنة الحالية للحكومة التي خصصت نحو 4.8 % من الإنفاق على التعليم والصحة والبحث العلمي، أي أقل من نصف ما حدده الدستور لتلك المجالات وهو 10%.

وقال د. ندا: ثورة 25 يناير/كانون الثاني كانت حركة عفوية غير منظمة، مشيراً إلى أن “العسكر” لهم دور وطني دائم، ولهذا فإن الحزب الناصري لا يدعو لـ”إسقاط حكم العسكر”، لكن لنا بدائل سياسية نطرحها، فنحن نختلف مع النظام في كل سياسات الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، ولهذا شاركنا في تحالف حزبي اشتراكي شعبي ضد هذه السياسات، ونختلف أيضاً مع النظام حول منظومة الفساد التي بدأت منذ عهد السادات بمجموعة قوانين وأنظمة، ونحن ضد الاحتكار، كما نختلف مع الحكومة لأنها لا تفهم في السياسة ولا تحب السياسيين، ولهذا تنفرد بالقرارات، رغم دور اليسار والقوى الوطنية ووجودهما القوي في النقابات المهنية.
من جهته ربط د. صلاح السروي بين ثورة 25 يناير/كانون الثاني وطبيعة السلطة منذ 1974 وحتى 2011، مشيراً إلى أنه في 1974 بدأ انقلاب سياسي من مستوى الدولة الوطنية القومية إلى الدولة التابعة، دولة الحلف الطبقي الجديد بين الرأسمالية الطفيلية وكبار البيروقراطيين، وبدأ هذا الحلف سياسات تدمير الهياكل الإنتاجية والاعتماد على الاستيراد، وبالتالي الوقوع الكامل في براثن التبعية، وفي أسر الليبرالية المتوحشة (وليس حتى الرأسمالية بمعاييرها الأوروبية والغربية)، كما بدأ تدمير التعليم والخدمات الصحية والثقافة والفن والأدب تدميراً ممنهجاً، وإعادة ترتيب مصر بما يتناسب مع الأمن “الإسرائيلي”، وتزايد البطالة والغلاء وتفشي الجرائم، مما أدى لتزايد السخط الشعبي.

وتساءل السروي: لماذا تقوم الثورة؟

وأجاب: إذا كانت هناك مسارات لتداول السلطة بشكل سلمي يصبح الأمل معقوداً على المسارات السياسية، ولكن عندما يكون الحكم بهذه الوحشية والقمع والتدمير يصبح التغيير الثوري هو البديل الوحيد.

وأضاف أن ثورة 25 يناير/كانون الثاني كانت استمراراً لحركات شعبية وعمالية، وفي عام 2008 كانت البروفة الأولى لثورة يناير/كانون الثاني في المحلة. وبعد الثورة ما زال الحلف الطبقي الحاكم لم يتغير ـ الرأسمالية الطفيلية التي معيار نجاحها الربح مع كبار البيروقراطيين الذين معيار نجاحهم القمع، وهذا الحلف لا يمكن أن يسفر إلا عن التبعية، أياً كانت نوايا من يحكم، مشيراً إلى أن النظام مستمر في سياسة تحطيم البدائل السياسية حتى ينفرد بالسلطة، وعلى الشعب أن يحارب لاستعادة الاستقلال الوطني واستعادة الديمقراطية.

واختتم صلاح عدلي الندوة بتحديد عدة حقائق:

هل كانت الثورة ضرورة حتمية؟ نعم.. فلا الناس قادرون على العيش بالوضع القديم ولا النظام قادر على أن يحكم بالشكل القديم لأنه نظام شاخ وترهل.

هل كانت هناك مؤامرة؟ نعم كانت هناك ثورة، وكان عنصر المؤامرة موجوداً، ولا يمكن إنكار أيهما.

هل نحكم على الثورة بتحقيق أهدافها؟ لا.. فثورة عرابي أعقبها احتلال، وثورة 1919 لم تحقق الاستقلال التام ولا الديمقراطية، الثورة ليست دائماً تحقق أهدافها ولكنها تظل دائماً تفعل فعلها.

هل عدم نجاح الثورة في تحقيق أهدافها، وخاصة الاستيلاء على السلطة، ينفي عنها ثوريتها؟ لا.. فهناك 40 سنة من الردة في مصر والمنطقة والعالم، وصعود تيار الإسلام السياسي الرجعي وهيمنته، وكل ذك أثر على حالة الثورة، ولو حدثت هذه الثورة في يناير 1977 لكانت النتائج مختلفة بالقطع، حيث كانت كل موازين القوة مختلفة داخلياً وإقليمياً وعالمياً.

وأضاف عدلي أن ثورة 25 يناير/كانون الثاني مهدت لكشف الإخوان وسقوطهم شعبياً، فالإخوان كانوا مهيمنين على النقابات المهنية والمؤسسات العلمية والتعليمية وعلى الخدمات الاجتماعية والاقتصادية، ولم يصلوا إلى السلطة فجأة في 2012، كما أن الثورة أعادت للشعب ثقته بنفسه، مشيراً إلى أن الثورة قامت من أجل التغيير وليس من أجل تثبيت السياسات القائمة.

المصدر: اليسار اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons