النداء: إقرار قانون النسبية سيزيد من فرص المرأة في التمثيل السياسي

نشرت مجلة النداء الأسبوعية اللبنانية -لسان حال الحزب الشيوعي اللبناني- في عددها الصادر بتاريخ الجمعة 27 يناير/كانون الثاني الماضي، تقريرا حول دور المرأة اللبنانية في التركيبة السياسية، أشارت فيه كاتبته، كاترين ضاهر، الى أنه شهد تغيير لا يُذكر.

جاء في تقرير النداء:

على الرغم من خصوصية لبنان الذي عرف الديمقراطية قبل معظم البلدان العربية فإن حظوظ المرأة في لعب أدوار سياسية مهمة كانت وما زالت قليلة. ولم نرَ أي امرأة في أي مركز من الرئاسات الثلاث الكبرى في الدولة؛ الجمهورية، والحكومة ورئاسة مجلس النواب، فضلاً عن تنامي الصعوبات التي تواجهها في دخول البرلمان في حال اعتمدت على نفسها ومؤهلاتها السياسية.

إن الدستور اللبناني أقر المساواة التامة بين المواطنين في الحقوق والواجبات منذ العام 1926، وفُعلت هذه المساواة عند إلغاء التمييز ضد المرأة في الحقوق المدنية والسياسية وذلك بإقرار قانون الانتخاب بحقوق المرأة السياسية أي بالمشاركة انتخاباً وترشيحاً عام 1953.

لكن التغيير في النص القانوني لم يبدّل الوضع الميداني وبقيت المرأة اللبنانية تواجه معوقات كبيرة بالدخول إلى معترك السياسة في دولة تدير فيها السلالات السياسية الحاكمة والمحاصصات الطائفية والهيمنة الذكورية مقاليد الحكم.

نضالاتهن مستمرة…

بين عامي 1950 و1952، اجتمعت الهيئات النسائية في لبنان، تحت شعار إقرار حق المرأة اللبنانية في الانتخابات والترشيح، وذلك بهدف تعديل المادة 21 من قانون الانتخابات التي كانت تربط بين حق الانتخاب للمرأة فقط وبين حصولها على شهادة التعليم الإبتدائي.

بتاريخ 18 فبراير/شباط 1953، وبعد نضالات واسعة ومتنوعة، انتزعت المرأة اللبنانية حقوقها السياسية الكاملة. وبالرغم من مرور سنوات عدة على نيلهن الحقوق السياسية لا تزال نساء لبنان مهمشات في مراكز صنع القرار السياسي؛ نتيجة النظام الطائفي والمذهبي، والنزاعات والحروب التي عصفت بالوطن، وتعطيل المؤسسات الديمقراطية، إضافة إلى وضع المرأة الاقتصادي، والعنف الممارس عليها على المستويات القانونية والمنزلية والنفسية… كما على مستوى الأعراف والتقاليد، وأيضاً جرّاء عدم وعي المرأة نفسها بحقوقها وعدم اقتناعها بدورها، وغياب ثقتها بنفسها.

يُذكر، إن المرأة اللبنانية قد حصلت على حق الانتخاب والترشح، إلاّ أنها لم تمارس هذا الحق بالفعل، لا من جهة حرية قرارها في اختيار نواب المجلس، ولا في ما يساعد على وصولها إلى المجلس النيابي بالحجم المطلوب الذي يمكنها من التأثير في ما يتعلق بقضاياها الخاصة (منح الجنسية لأولادها، تعديل القوانين اللبنانية المرعية الإجراء في مجالات: العقوبات، العمل، التجارة، النظام الضريبي، الضمان الاجتماعي، نظام الموظفين والأجراء) أو قضايا الوطن والشعب.

عوائق وصول المرأة إلى البرلمان:

غالباً ما يرتبط دخول المرأة اللبنانية مجلس النواب بالرجال أصحاب النفوذ، فإما انتخبت بعد مقتل والدها (ميرنا البستاني أول امرأة لبنانية دخلت البرلمان في 28 مارس/آذار 1963 وذلك بعد فوزها بالتزكية في دورة فرعية لملء المقعد الشاغر بوفاة والدها النائب إميل البستاني، إثر حادثة سقوط طائرته وتحطمها. ونايلة تويني ابنة النائب والصحافي جبران تويني الذي اغتيل في يناير/كانون الأول 2006)، أو بعد مقتل زوجها… أمثال (نهاد سعيد، نايلة معوض، صولانج الجميل)، أو سجنه، ستريدا جعجع، أو فازت بسبب تبني أحد الأحزاب الكبرى لترشيحها مثل بهية الحريري، وغنوة جلول، وجيلبيرت زوين.

إن كان المجتمع اللبناني قد تقبل أن تسجل المرأة اللبنانية حضوراً بارزاً في الجسم القضائي، فإنه حتى الآن لا يقبل لها أن تسجل نفس الحضور في المجال السياسي. ويُذكر أن هناك عوامل عديدة تحول دون مشاركة فاعلة للمرأة في الحياة السياسية وتعيق وصولها إلى السلطة، أهمها:

– القانون الانتخابي الطائفي وتكاليف الترشيح والحملة الإعلامية الانتخابية، يضاف إليها الاصطفاف السياسي الحاد الذي يحدّ من قدرة المرشحات والمرشحين المنفردين على الخرق.

– غياب سياسة عامة وتشريعات تحثّ المرأة على المشاركة في المجال السياسي، وغياب القوانين التي تجبر اللوائح على ترشيح النساء.

– ضعف دور المنظمات غير الحكومية وعدم تمكّنها من تشكيل قوة ضاغطة فاعلة لتغيير التوجهات العامة السلبية تجاه موقع المرأة في هياكل السلطة.

– غياب البرامج الإعلامية الهادفة إلى حث المرأة للمشاركة في الحياة العامة والمجال السياسي.

– التربية الأسرية التي تعطي الأفضلية للذكر عند الاقتضاء وعدم تشجيع الأهل للمرأة عامة بتعاطي السياسة والانخراط في الأحزاب والنقابات.

– العقلية الذكورية لدى معظم السياسيين ورؤساء اللوائح والكتل النيابية، يضاف إليها النظرة “الدونية” للمرأة لدى معظم زعماء الأحزاب، الذين يحددون وجود المرأة في الصف الثاني والثالث بينما يحجمون عن تعيينها في المراكز الأولى حتى لو أثبتت كفاءتها وتفوقها على أقرانها الذكور.

– القيم الحضارية والثقافية بما فيها الدينية والتي تعتمد وفقاً لمفاهيم خاطئة، والتي تجعل دور المرأة أساسياً في إدارة شؤون الأسرة ورعاية الأولاد وتربيتهم وخدمة الزوج.

التفاوت الجندري بالمشاركة السياسية

تشكل المرأة 59 % من حجم الناخبين وفق لوائح الشطب الانتخابية للعام 2009، حيث أن عدد الناخبات من الإناث فاق عدد الناخبين من الذكور، إذ بلغ عدد الإناث مليوناً و606 الآف و781 ناخبة، بينما بلغ عدد الناخبين الذكور مليونا و547 ألف و974 ناخباً. رغم هذا الحجم الكبير للقوى النسائية في القوائم الانتخابية، إلاّ أن حجم وجودها البرلماني لا يتجاوز الـ 8 % من حجم أعضاء البرلمان اللبناني، ولا يتجاوز الـ 1% أيضاً من حجم المجلس الوزاري. كما نسبة تقليدها مدراء عامين لا يتجاوز أيضاً 2 %. من هنا يظهر التفاوت الجندري الكبير بين حجم المشاركة في المناصب السياسية والقيادية.

ولقد شهدت الانتخابات الأخيرة تراجعاً ملحوظاً لدور المرأة ترشيحاً وفوزاً (14 مرشحة مقابل نحو 700 مرشح أي ما نسبته 1.9 من مجموع عدد المرشحين، بينما يبلغ معدل التمثيل النسائي في برلمانات العالم 4.18 %)، في مقابل إقبال نسائي لافت على الاقتراع شهدته معظم المناطق اللبنانية. وتراجع نسبة عدد النائبات بنسبة 35% عن برلمان عام 2005، فقد انحسر عدد السيدات البرلمانيات إلى أربعة، وهنّ نايلة توينيى وبهية الحريري وستريدا جعجع عن الموالاة حينها، وجيلبيرت زوين عن المعارضة آنذاك. وارتبط وصولهن بمعايير الوراثة السياسية ودماء الشهداء، فنايلة تويني هي إبنة الشهيد جبران تويني، وبهية الحريري شقيقة الشهيد رفيق الحريري، وستريدا جعجع هي زوجة قائد القوات اللبنانية سمير جعجع الذي لا يستطيع الترشّح، أما جيلبيرت زوين فهي سليلة عائلة سياسية اقطاعية في كسروان.

وسُجل خروج ثلاثة من النائبات السابقات، فقد استبدل تيار المستقبل النائبة غنوة جلول بمرشح الجماعة الإسلامية في بيروت عماد الحوت، وتخلت صولانج الجميل، زوجة الرئيس بشير الجميل، عن مقعدها، الذي آل إليها ببدعة التوريث أيضاً، لصالح نجلها نديم، كذلك خرجت من المجلس نائلة معوض، أرملة الرئيس الأسبق رينيه معوّض، محاولة تجيير مقعدها لنجلها ميشال الذي خسر الانتخابات.

بدعة التوريث…

اللافت في الدورة الانتخابية الأخيرة، بروز ظاهرة “حفظ المقاعد للأبناء” أي أن السيدات اللواتي دخلن البرلمان بالوراثة اقتصر دورهن على حفظ المقعد إلى أن يكبر الأبناء الذكور، على غرار النائب نهاد سعيد أرملة أنطوان سعيد، التي تركت المجلس لنجلها د. فارس سعيد، النائب السابقة نايلة معوض التي تركت مقعدها في دائرة زغرتا لأبنها ميشال، النائب صولانج الجميل التي ترشح نجلها نديم بشير الجميل مكانها وفاز عن المقعد الماروني في دائرة بيروت الأولى الأشرفية.

من العوامل المساهمة في تحجيم الحضور النسائي بالبرلمان رفض المجلس السابق مشروع قانون تقدم به المجلس النسائي اللبناني لتخصيص “كوتا” للنساء في البرلمان، تضمن تمثيلهن داخل مجموعة الـ 128 نائباً أو من خارجه وبنسبة 30 كما تقتضي الأعراف والمواثيق الدولية.

أما “الكوتا” النسائية فأطلقت في مؤتمر “بيجينغ” عام 1995، الذي شارك فيه لبنان وتعهد تنفيذ مقرراته وأبرزها “الكوتا” النسائية، ليس فقط في مجلس النواب، بل في مجالات أخرى، وحددت مدة التنفيذ بعشر سنوات، لكن شيئاً لم يتغير، فبعد 14 عاماً على هذه المصادقة، فان أربع نساء وصلن إلى البرلمان من أصل 128 عضواً، فيما تولت نساء معدودات مناصب وزارية (وفاء الضيقة حمزة، وليلى الصلح حمادة، وبهية الحريري، ومنى عفيش، وريا الحفار، وأليس شبطيني، وحالياً الدكتورة عناية عز الدين).

..

حتى اختيار منصب وزيرة الدولة لشؤون التنمية الإدارية للدكتورة عناية عز الدين في حكومة 2016، والتي كانت من حصة حركة أمل، تغيير لا يُذكر، ومع أن مؤهلاتها العالية تخولها أن تكون وزيرة للصحة، كانت هذه الحقيبة من حصتها كتحصيل حاصل، عوضاً عن الإفادة من خبراتها العلمية والمهنية، ومع أنها المرأة الوحيدة في الحكومة لم تسلم الوزارة الخاصة بشؤون المرأة حتى، والتي كانت من حصة زميلها جان أوغاسيان، مما أثار استغراب وسخرية العديد على مواقع التواصل الاجتماعي، كيف أن رجلاً وزيراً لشؤون المرأة…!! وبالرغم تنقصنا العناية العملانية كي تأخذ المرأة حقها في الإدارات والمناصب وشؤون الحياة كافة.

ثم عادت “لجنة فؤاد بطرس” فعرضت الفكرة وطالبت بـ 30 % على الأقل للنساء في لوائح الترشيح، لكن “الكوتا” لا تفرض على الفائزين ويمكن ألا تفوز أي امرأة وتبقى النسبة ضعيفة، لأن “الكوتا” تلزم الأحزاب ترشيح النساء، ولكن تبقى حرية الناخب مصانة. وبعدما سقط مشروع لجنة بطرس، قدم الدكتور كمال فغالي دراسة يمكن أن تأخذ في الاعتبار الانتخابات المقبلة وفيها زيادة عدد النواب إلى 148 والعدد المضاف على العدد الأصلي (128 نائباً) يكون من النساء فقط أو تحت نسبة 5 % من المجلس الحالي للنساء.

قد يعتبر البعض “الكوتا” خطوة أولى في مشوار الألف ميل ستعمل للنهوض بدور المرأة اللبنانية السياسي ووصولها إلى مواقع صنع القرار.

ولكن بالمقابل لا يمكن أن نتجاهل النواحي السلبية للكوتا التي تعتبر مخالفة دستورية وغير ديمقراطية تتنافى مع مفهوم المساواة المكرّس في الدستور اللبناني، ونوع من التمييز على أساس الجندر، ومن الممكن أن تزيد من احتمال تعبئة المراكز فقط لأغراض إحصائية احتمال تأثيرها على نوعية التمثيل في ظل عدم وجود معايير دنيا من الكفاءة والخبرة.

وكما يبدو واضحاً إنّ تعزيز دور المرأة السياسي لا يقتصر على إقرار الكوتا النسائية في قانون الانتخاب، بل نحن بحاجة ماسة إلى تغيير القيم الثقافية والتطلع نحو بناء ثقافة متساوية أولاً تعيد بناء صورة المرأة بشكل يخدم مصالح المجتمع، وهذا منوط بدور المرأة نفسها والجمعيات والهيئات النسائية والأحزاب والقوى الوطنية، ومنظمات المجتمع المدني من خلال القيام بحملات تثقيفية واسعة تشرح دور المرأة وتعزز ثقتها بنفسها ومشاركتها في الحياة السياسية تصويتاً وترشيحاً. والأهم من هذا كله هو إقرار قانون مدني موحد للأحوال الشخصية، يضمن المساواة… والأهم حالياً هو إقرار قانون النسبية، ضمن لبنان دائرة واحدة وخارج القيد الطائفي، والذي سيزيد من فرص المرأة بالتمثيل السياسي.

المصدر: مجلة النداء اللبنانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons