غرامشي والمثقفون العرب

كتب : مارك مجدي

ظهرت كتابات غرامشي باللغة العربية لأول مرة في الفترة التي أعقبت نكسة يونيو/حزيران 1967 وإنه لأمر شديد الدلالة كون هذه الترجمات تظهر في تلك الفترة بالذات، وهي الفترة التي شهدت هزيمة الفكر العربي المعاصر بمختلف اتجاهاته وتياراته، فالهزيمة لم تكن هزيمة عسكرية بل كانت هزيمة لحقبة كاملة، وعلى رأس هذا الإخفاق انسحقت الايدولوجيا العربية المسيطرة بمختلف اتجاهاتها وتياراتها. ظهرت كتابات غرامشي في ظروف تشبه عمل غرامشي، التي كانت مرتبطة بهزيمة القوى الثورية في أوروبا وصعود الفاشية في ايطاليا. أقام غرامشي تحليلاتهم في بلد نصف مصنع ونصف متأخر، كما كان هاجسه الثقافي البحث عن دور المثقفين في ظل الأوضاع التي تشهدها أوروبا، التي كان بمقدور الاتجاهات التطورية الاقتصادية التنبؤ بمجرياتها. ركز غرامشي تحليلاته وأبحاثه علي قضايا شديدة الشبه بالواقع العربي.

أكد غرامشي علي الجانب الذاتي الإرادي في تطور المجتمع، وأعطي للمثقفين العضويين دورا بارزا كمحققي تجانس ووحدة الطبقة الاجتماعية التي يرتبطون بها، وميز دورهم بالهيمنة الثقافية التي اعتبرها الأساس الموضوعي للوصول للسلطة. ففي رأي غرامشي، لم يكن برنامج عمل الحركة البروليتارية آنذاك هو الوصول للسلطة، بل أن البرنامج الأهم هو أن تحقق البروليتاريا الهيمنة الثقافية.

المثقفون العرب الذين تنادوا عقب الهزيمة باحثين عن دور، انصرفوا في بداية الأمر نحو النقد الذاتي الذي كان لدى البعض منهم عملية تعذيب للذات (علي عكس ما حدث بعد 25 يناير التي لم تشهد بعد تراجعها أي نقد ذاتي).

ولم تدم عملية النقد الذاتي طويلا وبدأت تلوح في الأفق اتجاهات تجديدية داخل الثقافة العربية، ومحاولات لدراسة التجربة التاريخية العربية منذ مطلع عصر النهضة حتى الان حتى بدأت تتجلى آثار غرامشي علي عدد من المثقفين العرب. ويمكن الإشارة في هذا المجال إلى كتابات الدكتور أنور عبد الملك (1924_2012)، المفكر الذي تفرد لدراسة إشكالية النهضة العربية وتحليل الفكر النهضوي العربي. وأكد تمسكه بمفهوم غرامشي عن المثقف العضوي في حديث أجرته معه مجلة الثورة الافريقي عام 1973. وأكد في حديثه هذا علي الترابط السياسي بين المثقفين العضويين وبين عملية تكوينهم التاريخية العينية. فعندما نقول: مثقف، يجب أن تحدد من أي بلد وفي أي حقبة، اذ انه ليس هناك مثقف بإطلاق.

ومن هذا المنطلق اتجه الدكتور أنور عبد الملك لتحديد المثقفين العضويين أو الانتليجنسيا العضوية العربية، فيقول، “ان الانتلجنسيا العربية التي تكونت في بلادنا لنقل منذ نهضة مصر تحت حكم محمد علي حتي الافتتاحات التي جسدتها الناصرية والسويس والثورة الجزائرية والمقاومة الفلسطيني كانت تحيا وتتعايش مع الإسلام السياسي وفي قلب الإسلام الذي اعتبره الإطار الوطني العام التراث الثقافي للشرق العربي”.

المثقفون العرب إذن يختلفون من حيث الشكل والتكوين الأيديولوجي عن نظرائهم الأوروبيين كما يؤكد عبد الملك. ويرى أن الإشكالية الأساسية التي واجهتهم كانت إشكالية النهضة وتحقيق الاستقلال الوطني. وإذا كان الدكتور عبد الملك وقف عند حدود مفهوم غرامشي عن المثقف العضوي والمثقف التقليدي، فإن المفكر المغربي عبد الله العروي يتجاوز ذلك ليصل إلى جوهر فكر غرامشي مستفيدا من أفكاره حول الهيمنة الثقافية والماركسية التاريخية في دراسة الواقع العربي.

إن العروي بحث واهتم بقضايا الايدولوجيا العربية، والتأخر التاريخي والاستقلال الذاتي للسياسة او بعبارة اخرى إشكالية الممكن والمستحيل في السياسة. لاحظ العروي أن الاستقلال الذاتي للسياسة قد تأكد في البدء في بلدان ذات تقليد تاريخاني قوي. ويتساءل “هل هي صدفة إذا كان غرامشي قد تناوله من جديد وحلله، متأملا في ميكافيلي، الذي كان يعود إليه بعد دورة كبيرة، من أيدي المدرسة التاريخية الألمانية، من بسمارك وكروتشه؟ الا يستطيع العرب اليوم بسلوكهم الصورة الكبيرة نفسها، العثور عليه معبرا أو مرموزا إليه ثلاثي في ابن ياجة – ابن خلدون – ابن تيمية؟”.

والاستقلال الذاتي للسياسة يؤدي عند العروي إلى الدور الخاص الذي ينبغي أن يلعبه المثقفون العرب للخروج من التأخر التاريخي وهو يتحدث عن آلية المجتمع المتأخر وكيف تنعقد العلاقة بين القاعدة الاقتصادية والاجتماعية وبين الأيديولوجيات في البلدان المتأخرة. ويحدد العروي معني كلمة التأخر بـ “أن الذهنية الايديولوجية تجد تعليلاتها المعقولة لا المتخيلة في نظام اجتماعي سابق، وأن المجتمع الذي تلاحظ فيه كان يمكن، حسب عرف واصطلاحات علماء الاجتماع، أن يبدع ايديولوجيا أخرى يتجانس معها، بعبارة أوضح أن التفاوت بين قاعدة المجتمع المسيطر عليه يضاعف في الميدان المجتمعي ويضاعف أكثر في المجال الأيديولوجي”، ولذلك جعل العروي المعركة الأيديولوجية علي رأس جدول الأعمال، ويرجع إخفاق التجربة التاريخية في النهضة الي كونها تقف علي أرضية الفكر التقليدي.

ويركز على أهمية الهيمنة الثقافية، ويعتبر أن مهمة المثقفين الآن ليست الاستيلاء علي السلطة، وإنما في المسيطرة علي الثقافة المجتمعية، الذي أهمل بين عقود وترك بين أيدي من يسميهم بالسلفيين. يضع العروي برنامجه للتغيير علي أساس رؤيته الموضوعية الحقيقة البني المتأخرة في المجتمع العربي، حيث تتجاوز أزمنة وتنقطع العلة بالمعلول، لذلك يضع علي رأس برنامجه الثورة الثقافية، ويتحدث عن استقلال المثقفين النسبي وقدرتهم علي للقيام بدور طبيعي في المجتمعات العربية، “إذا كان لابد من أن يوجد هناك حقيقة مثقف ما كان ليتوجب عليه ابدا أن يدع نفسه حبيس النزاع الديالكتيك الخاطيء الطبقة – النخبة، هذا المثقف كان هو المثقف العربي الذي كان يعيش يوميا تحت وطأة الماضي ويعرف بالتجربة التحديد المزدوج الاجتماعي والتاريخي.

وعليه فان طرح المباشر للنخبة كمسلمة من قبل الطبقة هو وهم، وتأكيد تجانس النخبة واستقلالها المطلق هو تعميم مفرط في مغايرته للواقع. فثمة نموذج محسوس اكثر واكثر تعقيدا يتيح إنقاذ الاستقلال السياسي الذاتي ولكن في نطاق بنية شاملة، وسيلتها التجريدية والتطويرية والتحررية التي ليست نطاق بنية شاملة ، وسيلتها التجريدية والتطويرية والتحررية التي ليست الاقتصادية الماركسية إلا صورة مختلفة عنها، والجوهرية بالمحافظة التي نخشى أن تبعث من جديد اذا مضينا إلى أبعد من ذلك بطرح الاستقلال الذاتي للنخبة. فالانتلجنسيا العربية الثورجية تستطيع الانتفاع كثيرا بملاحظات غرامشي إذا ما هي اعتنت بإعادة تفسيرها في إتجاه التقليد السياسي العربي”.

والإشكالية الأساسية التي تدور حولها أبحاث العروي وكتاباته تكمن في كيفية استيعاب أيديولوجية الطبقة الوسطى. ويرى العروي أن الماركسية بشكلها أن الماركسية بشكلها التاريخي يمكن أن تزود العرب بمنطق العالم الحديث “لأننا لم نعش أطوار العالم الحديث المتتابعة ولم تستوعب بنيته الكامنة أي المنطق الديمقراطي الليبرالي”.

والماركسية بالنسبة للعرب هي مدرسة للفكر التاريخي الذي هو مقياس للمعاصر، “لا أقول أن الماركسية التاريخية هي لب الماركسية وحقيقتها المكنونة، وإنما أكتفي بتسجيل واقع و التقيد به، وهي أن الأمة العربية محتاجة في ظروفها الحالية إلى الماركسية بالذات لتكون نخبة مثقفة قادرة علي تحديثها ثقافيا وسياسيا واقتصاديا ثم يعد بتشييد القاعدة الاقتصادية يتقوى الفكر العصري و يغذي نفسه بنفسه”.

وتلقي كتابات الدكتور عبدالله العروي الكثير من الاعتراض والمناقشة خاصة فيما يتعلق في التاريخية والماركسية التاريخية التي يتحدث عنها وأبرز تلك الانتقادات كانت من جانب محمود أمين العالم . وكذلك الحال بالنسبة أنور عبد الملك الذي تناول مهدي عامل كتاباته و أمين العالم أيضا.

يرى غرامشي أن المثقف العضوي في بلدان لم يكتمل تطورها الرأسمالي يجب أن يستلهموا من اليعاقبة و دورهم التاريخي في الثورة الفرنسية. ذلك الدور الذي يميزه غرامشي عن الفصل التجريدي النظرية عن الامكانيات العينية الموجودة في المجتمع، وحدد معني تاريخيا متميزا لليعقوبية يجعلها التدخل الفعلي في خلق إرادة شعبية قوية.

وغني عن البيان ان نذكر بان الغالبية العظمي بين المثقفين العرب لا تمت بصلة لنموذج المثقف عند غرامشي، بل و قد استشرت في الآونة الأخيرة نزعة مضادة للعمل الجماعي عند المثقف العربي. و يرجع هذا إلى انعدام المنهجية التاريخانية. لذلك ورغم قدم أطروحات غرامشي فهي لا تزال المؤسس اللاصلح لأي برنامج عمل ثقافي نحو التغيير والتقدم.

ملحوظة: كتبت هذا النص كجزء من مقال نشرته مسبقا عن مفهوم المثقف العضوي عند غرامشي، ولكني رأيت أن احذفه لأسباب تتعلق بحجم المقال. ولكن تبقى الحاجة لفكر غرامشي ملحه ومستمرة، خصوصا بعد أن تراجع الحديث حوله في أوساط الثقافة العربية باستثناء الماركسية منها. والآن انشره تأكيدا على أن غرامشي يمتلك الحل الحصري لمشاكل الثقافة في مصر والعالم العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons