غازي الصوراني

أصناف المثقف

يبدو إننا أمام ثلاثة أصناف للمثقف: المهاجر، والمزيِّف، والحقيقي، أما المثقف المهاجر فهو على نوعين، أما هاجر إلى الخارج (بالمعنى المكاني) إلى بلاد العم سام أو أي بلد أوروبي، وهناك عاش وأقام وحصل على الجنسية والعمل أو اللجوء السياسي، ثم عبَّر عن حياته أو رؤيته بدراسات أو أفكار لا تخرج عن جوهر الفكر الليبرالي أو سياق المعرفة في تلك البلاد مع هامش يساري أو وسطي توفيقي في اغلب الأحيان، دون إغفال الحنين إلى الوطن والتراث.

أما النوع الثاني فهو مهاجر في الداخل مغلقاً على نفسه شرنقته، رغم إقرارنا بإحساسه بالاغتراب الذي يشكل في كثير من الأحيان مبرراً للهروب في الشرنقة بدلاً من المواجهة، وفي هذا السياق نشير إلى أن الاغتراب عندنا نوعين: اغتراب سلفي يعيد إنتاج –القديم، واغتراب حداثوي لدى النخب الليبرالية.

أما المثقف المٌزيِّف ولا أقول الوهمي فله ثلاث وظائف: التبرير، التخدير، والتزييف، وكلها تقوم على فلسفة الباطل وقلب الحقائق في خدمة الرئيس أو الحاكم، (أو في خدمة المخطط المركزي لمنظمات NGO S في العواصم الغربية) كما لا حظنا عند توقيع اتفاق أوسلو وتهليل هذا النوع من المثقفين لذلك الاتفاق وما سيجلبه من خير عميم في الضفة وغزة على مثال سنغافورة، ثم التهليل لكل اتفاق او مخدر جاء بعده وصولاً إلى خارطة الطريق، وخطة شارون ثم اولمرت ثم ما يسمى ب”الدولة القابلة للحياة” حسب الرئيس الأمريكي بوش، إلى جانب ما لاحظنه –وما زلنا- من تبرير مظاهر الخلل والفساد وتراكم الثروات غير المشروعة لدى العديد من رموز السلطة، بل وتسويغ مشاريعهم والدفاع عن ممارساتهم في السياسة أو في المجتمع، هبوطاً او استبداداً، وكما نشاهد أيضاً من نشر الأوهام أو الآمال الكاذبة من أولئك المثقفين الانتهازيين المدفوعي الثمن في السلطة أو في منظمات الـ NGO S بدواعي ليبرالية رثة فارغة من أي مضمون سوى تزييف الشعارات حول تغيير الأوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية صوب الأحسن دونما أي مؤشر حقيقي يدل على ذلك، سوى مؤشر الفساد في القيم والأخلاق الناتج عن الفساد الاقتصادي والسياسي، وصولاً إلى حالة الانقسام في نظامنا السياسي ومجتمعنا وهويتنا الفلسطينية، في ضوء ما جرى منتصف شهر يونيو/حزيران 2007 وسيطرة حركة حماس على قطاع غزة، وتطور هذه السيطرة إلى شكل من أشكال الهيمنة السياسية والاجتماعية والثقافية على القطاع من منطلق الهوية الدينية او الإسلام السياسي، عبر ممارسات مجتمعية واستبداد، ضد الأفراد وضد حرية الرأي والمعتقد السياسي بعيداً عن روح القانون والتجربة الديمقراطية التي تتعرض لعوامل التفكك والانهيار.

النوع الثالث والأخير هو: المثقف الحقيقي، أو العضوي، الملتزم الذي يعمل أو يناضل من أجل مصالح الكتلة التاريخية من فقراء شعبنا وكادحيه بما يحقق مشروعهم السياسي والاجتماعي في التحرر والعدالة الاجتماعية والقانون العادل والديمقراطية، هذا هو المثقف الحقيقي الذي يشق طريقه رغم الاغتراب من ناحية ورغم مرارة الواقع وقسوته من ناحية ثانية، مدركاً بوعي لمصيره ودوره المستقبلي رغم تواصل المحاولات من حوله لاغتيال أفكاره اجتماعياً (في سياق الصراع الفكري والسياسي) أو ربما في محاولة اغتياله أو تصفيته جسدياً أو إرهابه، كما جرى للكواكبي، وشهدي عطيه، وفرج الله الحلو، وحسين مروه، ومهدي عامل، وفرج فوده، ونصر حامد أبو زيد، ونجيب محفوظ، وآخرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons