عنصرية القرار الصهيوني في منع رفع الأذان في مساجد القدس

محمد جبر الريفي*

القرار العنصري الصهيوني الذي يقضي بمنع رفع الأذان بمكبر الصوت في مساجد القدس هو قرار يعبر بجلاء عن طبيعة دولة الكيان الصهيوني التي قامت على أرضية الفكر الأصولي التوراتي والتلمودي الخرافي وهو ما يستدعي أن يكون للعرب والمسلمين دورا فاعلا في مواجهته فهو ليس فقط موقف سياسي عنصري كالمواقف التي دأبت على اتخاذها الحكومات “الاسرائيلية” المتعاقبة خاصة التي تضم أحزاب صهيونية يمينية ضد عرب الداخل في مناطق 48 وضد الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة المحاصر، لكنه هو التزام من حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة باستمرار فاعلية المشروع الصهيوني الكبير الذي يهدد الهوية القومية والدينية لشعوب المنطقة العربية والإسلامية بأسرها، وهو أيضا ما يستوجب اتخاذ موقف وطني رسمي وشعبي في مواجهنه حتى لا يمر هذا القرار الجائر الذي يتعارض مع حرية العقيدة بدون إجراء نضالي على مختلف المستويات بما فيه ايضا المستوى القومي والإسلامي والدولي.

منع الأذان في مساجد القدس بحجة إزعاج اليهود الغزاة هو محاولة تأكيد من الجانب الصهيوني على جوهر الصراع العربي الصهيوني الحقيقي وإعادته إلى منشأه الأساسي باعتباره صراعا دينيا بالدرجة الأولى رغم علاقة هذا الصراع بالمخطط الاستعماري الغربي في ضرورة وجود كيان غريب في وسط المنطقة العربية يمنع وحدتها ويستنزف قدراتها بالحروب، وذلك حفاظا على المصالح الرأسمالية الغربية (وثيقة بانرمان ) وقد ارتبطت تلك المصالح الرأسمالية مع هدف الحركة الصهيونية منذ قيامها في إنشاء وطن قومي لليهود وكان اختيار فلسطين من دون البلاد التي رشحت لتكون الوطن القومي لليهود تأكيدا على جوهر الصراع الذي كان اداته والقوى الفاعله فيه طموح البرجوازية اليهودية الأوروبية في الشتات في السيطرة على كيان سياسي لها كما هو حال الطبقات البرجوازية الأوروبية التي وصلت إلى السلطة السياسية في بلدانها بعد انهيار مجتمع الإقطاع.

هكذا فالمشروع الصهيوني جوهره الأصلي العامل الديني والقومي فكلا العاملين كان وراء انشاء الكيان الصهيوني في المنطقة، اما العامل الطبقي فقد تم توظيفه كأداة رئيسية من أجل تحقيق المشروع الصهيوني وذلك من خلال قيام دولة الكيان بحماية المصالح الغربية باعتبارها دولة دخيلة على نسيج المنطقة، ولهذا السبب فإن هدف المشروع الصهيوني لا يقتصر فقط  على اغتصاب فلسطين وتغيير هويتها القومية والدينية، بل يتعدى ذلك إلى التوسع والتمدد الجغرافي ليشمل أراضي دول عربية أخرى مستقلة يرمز اليها العلم “الإسرائيلي” بوجود خطين زرقاوين فيه يمثلان نهري النيل والفرات، وهي الحدود المقترحة للدولة اليهودية وهذا الهدف الصهيوني المكتوب أيضا فوق باب الكنيست “الإسرائيلي” من شأنه تغيير هوية المنطقة العربية كلها ورسم خارطة سياسية جديدة لها، وهو ما يؤكد على وجوب استمرار الصراع مع الكيان الصهيوني وليس مع إمكانية التعايش معه والاعتراف بوجوده والتطبيع معه وإلانشغال بالصراع مع غيره كما يجري الآن، حيث أن الكيان الصهيوني كيان  عدواني لا يؤمن بالسلام ولا بالتعايش مع أتباع الديانات الأخرى وذلك بسبب طبيعته العنصرية الفاشية التي قامت على مقولة شعب الله المختار التي وظفتها الحركة الصهيونية العالمية في تضليل جماهير اليهود في العالم، وهذا ما كان يجب أن يستمر عليه الموقف العربي تجاه هذا الكيان الغاصب عملا بقرارات مؤتمر قمة الخرطوم الذي عقد عشية حرب يونيو/حزيران عام 67، ولكن بعد حرب أكتوبر تغير الموقف العربي بتوقيع مصر اتفاقية كامب ديفيد التي دشنت بداية مرحلة جديدة من الموقف تجاه الكيان قوامه الاعتراف الشرعي بوجوده، وحيث انحرفت الآن بوصلة الصراع من قبل بعض الأنظمة العربية فتتسارع بعملية التطبيع وكان أخرها زيارة وفد مغربي قبل أيام إلى تل أبيب ورفع العلم “الإسرائيلي” في مؤتمر مراكش للمناخ الذي حضره وزير “إسرائيلي” وكذلك انحراف بوصلة الصراع على ايدي التنظيمات الإسلامية المتشددة التي تصف نفسها بالجهادية وتسعى من أجل الوصول إلى السلطة في البلاد العربية والإسلامية لتحقيق حلم انشاء دولة الخلافة الذي لا إمكانية موضوعية لتحقيقه بسبب تكرس النزعة الوطنية والقومية في العالم العربي والإسلامي.

تسعى هذه التنظيمات لتحقيق مشروعها السياسي الديني وتترك الجهاد في فلسطين المغتصبة والمحتلة من قبل اليهود الصهاينة التي هي مركز الصراع الرئيسي لتسهل بذلك لقوى اليمين الصهيوني الفاشي العنصري المتطرف الحاكم من خلال تكثيف حملة الاستيطان تغيير هويتها العربية والإسلامية تحقيقا لمزاعم الرواية اليهودية الخرافية.

*كاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons