الثلاثاء , أكتوبر 17 2017
المفكر اليساري، سمير أمين

نقطة البداية في هزيمة عصر الفوضى

نشرت صحيفة “الأخبار” اللبنانية في عددها الصادر صباح الإثنين 14 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، مقالا للكاتب عامر محسن تناول فيه إطروحات سمير أمين حول الرأسمالية الاحتكارية.

جاء في المقال:

بالنسبة الى سمير أمين، فإنّ نشوء الرأسمالية الاحتكارية يبدأ مع الأسعار. الرأسمالية الصناعية في «حالتها الأصلية» (أي قبل صعود الاحتكارات في القرن التاسع عشر) يتكوّن السوق فيها من مئات وحدات الإنتاج المستقلّة، التي لا تتكلّم وتتواصل وتنسّق بين بعضها، وهي تتنافس بشدّة.

في هذا السياق، يقول أمين، يكون السّعر الذي يتحدّد على نحوٍ «عشوائي» معطى (داتا) خارجياً، لا يمكن لأحد أن يتحكّم به، وهو العنصر الذي ترقبه هذه المؤسّسات وتتأقلم معه وتبني على أساسه. أمّا مع صعود «الرأسمالية الاحتكارية»، فقد أصبح في وسع الشركات الكبرى، والتجمّعات الصناعية، والمصالح التي ترعاها الدولة، أن تؤثّر على الاسعار وتشكّلها بنفسها عبر تقرير كمية الانتاج، أو كلفة المواد الأولية، أو حتى الدعم وسياسات الدولة. هذه الحالة تنتج مفاعيل كثيرة ولكن أوّلها، يقول أمين، هو أنّها تلغي فكرة المنافسة الحرّة والمفتوحة في الرأسمالية وتجعلها وهماً (لا أحد يقدر على المنافسة مع من يتحكّم بالأسعار أو ينسّق عمل السّوق، ولن تتمكّن وحدات انتاج صغيرة، وإن كانت فعّالة وماهرة، من دخول السوق على قدم المساواة مع شركاتٍ كبرى عالمية).

من الظواهر الأخرى لـ «الرأسمالية الاحتكارية» تغيير مفهوم العمل والقيمة. في حالة رأسمالية تنافسية مجزّأة، تكون القيمة الاستعمالية هي أساس سعر السّلع، والمصالح الصغيرة تنتج سلعاً قابلة للمقارنة ولها قيمة متشابهة. ولكن مع نشوء الإحتكارات، تصبح عوامل كالتسويق والماركات حاسمة في «تصنيع» القيمة الاستعمالية للسلع (أو «فبركتها»، كما يقول أمين). منذ سنوات، مثلاً، نُشر بحثٌ يدلّ على أنّ أقل من ثلث قيمة هاتف «آي فون» هو كلفة المواد واليد العاملة التي دخلت في صناعته، وأكثر من ثلثي السعر هو فعلياً بدل «تسويقٍ وتصميم»، أي فائضٌ يعود الى الشركة الكبرى في كاليفورنيا (نموذج كهذا من المستحيل أن يتحقق في ظل رأسمالية تنافسية).

«العولمة»، أو الإحتكار المعمّم

الرأسمالية الإحتكارية هي «الرأسمالية كما نعرفها» حتى سبعينيات القرن العشرين. تمثّلها نماذج مختلفة، من الشركات الكبرى التي صعدت خلال العشرينيات في اميركا الى «فرانس تيليكوم» أو شركات الطاقة الوطنية الضخمة في مختلف دول اوروبا. ولكنّ السبعينيات، يحاجج سمير أمين، قد أطلقت نمطاً جديد يسمّيه «رأسمالية الإحتكار المعمّم»: بعد أن كانت الاحتكارات تجري على المستوى الوطني، أصبحت تُنسّق على مستوى الكوكب؛ سيتصاعد تركيز الاحتكارات وتختفي المزيد من الصناعات الصغيرة (كأن يحتلّ «وولمارت» سوق البيع بالتجزئة ويقفل المنافسون الصغار، ويصبح الجميع، حتى المزارعون في اميركا، موظّفين بالأجر)؛ وستزداد أهمية القطاع المالي الذي له دورٌ مركزي في تسيير هذا النظام. كمثالٍ على النموذج الجديد، يمكن مقارنة الشركات الاحتكارية «القديمة»، التي كانت تعتمد على أسواقٍ وطنية تعدّ بعشرات الملايين في أحسن الأحوال، مع شركاتٍ مثل «فايسبوك» و»آبل» تفتخر اليوم بأنّ لها قاعدة من أكثر من مليار مستخدم، وتبني سياساتها التسويقية للإستفادة منهم (تخيّلوا، مليار انسان! سدس البشرية، زبائن لدى شركة واحدة).

في ظلّ هذا النّظام، الذي اكتمل بحلول الألفية الثالثة، ستزدهر قطاعات كثيرة، وتراكم نخب أرباحاً هائلة، وتصعد فئات جديدة تحوز السلطة والثروة (عن مثال صعود طبقة المدراء والمضاربين، والارتفاع الهائل في مداخيلهم، نال أحد قادة مصرف «دويتشه بنك» وهو، نظرياً، مجرد «موظف» أكثر من نصف مليار يورو رواتب ومكافآت خلال عقدٍ من العمل. أي ما يفوق ثروة رأسمالي «كبير» في القرن التاسع عشر).

ولكن هناك مشكلة، يقول سمير أمين. هذه العولمة الإقتصادية لا ترافقها عولمة سياسية. لا توجد «حكومة عالمية»، بل إنّ الدّول الوطنية ما زالت الأساس في النظام العالمي اليوم، وهي تلعب دورها ضمن تراتبية واضحة للقوة والنفوذ. أميركا تقود الحلف الغربي والمانيا تقود اوروبا، يشرح أمين، والاستقطاب مع دول الجنوب يرتفع. بالمعنى نفسه، لم ينتج هذا العصر «نخبة عالمية» أو «نخبة معولمة» كما يتصوّر البعض، فالتراتبية ذاتها تنطبق هنا. ونخب الجنوب التي ترتبط بالامبريالية لا يمكن لها أن تتوهّم أنّها جزءٌ من «طبقة واحدة كونية» مع هؤلاء النّاس: الموظّف المحلي في منظمات التمويل الدولي، الأكاديمي في الجامعات الأميركية في بلادنا، التاجر العربي (حتى لا نذكر السياسي والرئيس الخاضع للامبريالية)؛ هؤلاء كلّهم هم في حالة تبعية ودونية تجاه «المركز»، وليسوا جزءاً من عملية صنع القرار في مجالاتهم.

لأنّه لا توجد «حكومة عالمية» في عصر الإمبريالية، تضبط العالم وتنظّمه من علٍ، ولأنّ الرأسمالية لا تملك عقلاً، فإنّ مرحلة الإحتكار المعمّم (التي يسميها البعض «العولمة»، وآخرون «النيوليبرالية») هي ايضاً مرحلة فوضى بحسب سمير امين. الفوضى الامبريالية هنا لا تتجلى في العنف والحروب حول العالم فحسب، بل في دول المركز الغربي ذاتها. في عهد «الاحتكارات الوطنية»، كان هناك «نظامٌ عضوي» ما، يحكم توزيع المداخيل والتنمية في المجتمع داخل كلّ بلد، ويسمح باستمرار المنظومة. حين كانت الدولة تدير الاقتصاد على المستوى الوطني، كان ذلك يدفع لتفاهماتٍ «منطقية» بين الحاكمين والملّاك والعمّال، وفكرة ما عن «المجتمع الوطني» تتماهى مع السوق (نحن ننتج من أجل بعضنا البعض، نصنع حتى لا نستورد، أو نصدّر حتى نزدهر، مصيرنا مشترك، الخ). السوق الوطنية توزّع المخاطر والفوائض على أفرادها حتّى لا تدفع فئات بعينها كامل كلفة التقلبات والأزمات وطبيعة السوق المتغيّرة. هذه السمة «التشاركية» في الرأسمالية الإحتكارية الكلاسيكية، يقول كثيرون، هي التي أغلقت الباب، منذ العشرينيات، على امكانية الفعل الجذري في دول الغرب وبين طبقاته العاملة.

الرأسمالية المعولمة، من جهةٍ أخرى، لا تكترث للمجتمع الوطني، ولا تقدر الدولة فيها على التحكّم بسوقها ولو شاءت ذلك. لن يكون هناك تنافرٌ وتوتّر واستقطاب بين دول المركز فحسب (بين أميركا وأتباعها، وبين المانيا وباقي دول اوروبا)، واستقطاب بين الشمال والجنوب، بل ايضاً بين النخب في دول المركز وبين طبقاتها الشعبية. «النمو الكاذب»، حيث يسجّل بلدٌ كأميركا أرقام نموّ مرتفعة، ولكن المجتمع ككلّ يزداد فقراً، وتنحدر طبقات وسطى الى حياةٍ من المجالدة في ظلّ الإزدهار الإسمي، هو من علائم التراكم الرأسمالي في مرحلة «الإحتكارات المعمّمة». والعديد من المحللين يعزون جزءاً من «الردّة اليمينية» في اوروبا والولايات المتحدة، وانتخاب دونالد ترامب، الى هذا التناقض بالذات. العامل الأميركي والأوروبي الذي يجد حياته تزداد صعوبةً ومخاطر كلّما تقدّمت العولمة، فيما تنتعش الطبقة المالية في بلاده، يريد عكس عقارب السّاعة والعودة الى «أمّته» وماضيه (هذا، من نافل القول، هدفٌ مستحيل).

الإمبريالية والمقاومة

إن كانت الفوضى هي من سمات الإمبريالية المعاصرة في مجتمعات الغرب، وهي تنتج ردّات فعلٍ عنيفة على المستوى السياسي، فإنّ أثرها في بلادنا كان أعنف بما لا يُقاس. في نقاشه للكتاب الجديد لعلي قدري عن الاقتصاد السياسي العربي (سنأتي على ذكره في مقالٍ قادم)، يستغرب الباحث الأميركي ماكس آيل أن يكون هناك من بين النّخب العربية من لا زال يستهين بمفهوم «الامبريالية» ويتجنّبه، أو يستخدمه للسخرية كأنّه نظرية مؤامرة، فيما العالم العربي ــــ من ليبيا الى سوريا الى اليمن والعراق ــــ يصار حطام حروبٍ وغزوات، يقبع في قلبها كلّها التدخّل الامبريالي.

الموقف من «الإمبريالية» ليس تفصيلاً، بل هو اساس كل شيء في السياسة في بلادنا، في المجتمع وفي العلاقات الخارجية، وصولاً الى النّخب وحركات السياسة والهويّة والدّين: هناك دوماً، في عصرنا الحالي، من يتماهى مع المركز الامبريالي أو يعتمد عليه ويتبع له، وهناك، بالمقابل، من يرتبط نهوضه بمعارضة القوى الامبريالية والإستقلال عنها. ستكون هناك دوماً نخبٌ تابعة وأخرى وطنية. وسيكون هناك من تطارده القوى الكبرى بالحروب والعقوبات والتخريب، وهناك من ينال منها المساعدات والمعونة والدّعم. لا يوجد، في هذه المسألة، طريقٌ ثالث، وأكثر المواقف في المجالات الأخرى (في السياسة والاقتصاد والمجتمع) تندرج تحت هذا الخيار، ومن هنا أهميّته المركزية.

راقبوا سلوك النخب المرتبطة بالإمبريالية في بلادنا، من الميليشيات التي تمولها أميركا وحلفائها الى المثقفين الذين تقوم حياتهم على صلةٍ بالمركز الإمبريالي، بعد انتخابات اميركا. شعورٌ بالصدمة و»اليأس» و»الفراغ» (هذه تعابيرهم). هم لا يتفجّعون على اميركا والعالم، بل على أنفسهم؛ فكلّ حياتهم وآمالهم تقوم على صلةٍ ما بالنخبة الغربية الحاكمة أو وكلائها، وهذه الفئة الراعية لهم، تحديداً، قد هُزمت في الإنتخابات. غير أنّ هؤلاء، حين يركّزون إحباطهم على شخص الرئيس، يتناسون أثر العنصر المقابل للإمبريالية: المقاومة والشعوب. لقد طوّر هؤلاء المتفجّعون، على مرّ السنين، فنّ ترجّي الخلاص من الرئيس الأميركي وذمّه في آن: يشتكون باستمرار من أن بوش، في آخر أيّامه، قد جبُن وتراجع، وأن اوباما عاجز ومتردّد و»خائن» (ويقرّعونه ويطالبونه، كأنّهم زوجته، «اين الصواريخ يا حقير؟»)، وها اليوم قد جاءهم ترامب. ما يغيب عنهم هو أن هذه «الخطايا» التي يعدّدونها كانت، بكلّ فخر، من نتاج شعبنا ومقاومته، وليس بسبب شخصية الرئيس وضعفه. لو كانت خطط اميركا ناجحة في الشرق الأوسط، وسوريا سقطت بسهولة، ورجال اميركا حكموا العراق، وايران انهارت، لما كان ترامب يقول الكلام الذي يقوله اليوم، ويهاجم اوباما وينقلب على سياساته. السياق هو الذي يحدّد خيارات الرئيس، وليس نزعاته الفردية، ولو جاءت كلينتون أصلاً لما كان في وسعها، مهما انتوت، أن تخرج عن موازين القوى أو أن تخوض، على أرض بلادنا، في ما يحلمون به.

الموقف «الشعبي» العربي الشائع الذي لا يهتمّ لمن يأتي رئيساً ويقول انّه «لا فرق» بين الإثنين، وهو الموقف الذي يسخر منه النخبوي العربي، يمثّل حقيقةً الوعي الطبيعي والبديهي للشعوب الشريفة والتي تمتلك كرامة. فلا تنتظر من سيأتي ولا تتفاءل وتتشاءم، ولو جاءها رئيسٌ اميركي سيئ يهدّد ويرعد، فهي تعتبر الأمر تحدياً لا فرار منه، وتستجمع نفسها وتقاومه (وهذا قد حصل في الماضي والحاضر). أمّا العميل، حين يتخلى عنه سيّده الإمبريالي أو يسحب البساط من تحته بقرارٍ بيروقراطي صغير، فإنّ عالمه ينتهي بالكامل. ولكن، من جديد، كما علّق الكاتب العراقي حسن الخلف: ماذا كان هؤلاء يتوقّعون من كلينتون أن تفعل؟ هل من الممكن لهم أن يتخيّلوا، ولو في أحلامهم، رئيساً أكثر شراسة وعدوانية واقتحاماً من جورج بوش؟ جورج بوش نفسه قد أتى وقد هزمناه، ولم يحقّق أيّاً من مشاريعه، وخرج جيشه من بلادنا لا يلوي على شيء ــــ وهنا، أصلاً، كانت نقطة البداية في هزيمة عصر الفوضى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons