الشاعر محمد صلاح

«خارج على القبيلة» .. قصيدة لـ «محمد صلاح»

كتب : ممدوح مكرم*

هناك في الجيل الجديد ممن يكتبون قصيدة العامية، يرمون إلى جعل قصيدة العامية بمثابة بؤرة تتفجر من خلالها اللغة، كي يتمكن الشاعر من رسم صور مفارقة، وتعميق تجربته الشعرية، بل وربطها برؤى فلسفية عميقة، أي الوصول إلى مستوى القصيدة الفصحى، وإنْ كان البعض يرى أنْ ذلك سيجعل قصيدة العامية، قصيدة نخبوية لا يصلح تلقيها إلا للنخبة!

وفي حلقة جديدة من حلقات النشر للشباب نلتقي مع الشاعر محمد صلاح (الطالب بطب أسيوط، وأمين اتحاد طلاب أسيوط في الدورة السابقة)، والمنتمي جغرافيًا لمنطقة مشهورة ومعروفة في أسيوط (منقباد)، حيث يعد الشاعر، خير من يمثل هذا الإتجاه في طريقة تعاطية مع قصيدة العامية، فهو يجنح في أعماله إلى تفصيح العامية (التضفير بين مفردات عامية وفصيحة) واستدعاء التراث سواء في شكله الشعبي، أو الديني، بل واستدعاء علامات خارج نطاق الموروث الثقافي لنا، هو يستخدمها: إما كقناع، أو ليقول شيئًا على لسانها (توصيل رسائل معينة) أو إنه يضمر أفكارًا لا تظهر إلا من خلال هذه العلامات.

وقصيدة «خارج على القبيلة» ويضع بين مزدوجين (إلى أبي الطيب المتنبي)، وهذا يؤكد ما قلناه، هو هنا يتعامل مع المتنبي كعلامة، سيلبسه زي الحاضر، أو يلبس الحاضر زي الماضي، وليس هذا فحسب، بل سنجد تضمين لبعض نصوص المتنبي داخل العمل، فهو يقول في بدء القصيدة:

بمشي لكأن آخر العمر كان خلفي
مع كل خطوة ..
تنسلّ فتلة من خيوط روحي
وتسيب أثرها في طريق مجهول
لا زلت راعي نعاج الرب والشيطان
قديس بيُشرق في تياب وثني
شبح وساكن في سماء الله
“لولا مخاطبتي إياك لم ترني”

التداخل بين الشاعر، وبين المتنبي، لدرجة التوحد، ليقول من خلاله ما يريد أنْ يقوله، استدعاء المتنبي حيلة ذكية ومرواغة من الشاعر، إذ أنَّ المتنبي معروفٌ بتمرده وجرأته، وهذا ضمن أسباب أنْ دفع حياته ثمنًا لذلك، أثناء عودته من مصر بعد هجاء حاكمها كافور الإخشيدي بعبارات نابية! القصيدة تأخذ محتوى وجودي من حيث صورها، فيقول في نهاية القصيدة:

وامشي لكأن آخر العمر كان خلفي
لم يبقى منه غير سؤالي
توبي اللي فاضت بيه الغيوم
لا اشتهي ..
غير حظ يسكن في الجيوب
والغربة لو تهجر ربابتي
يا أيها العالم ..
مشيت ولازلت بمشي
“على قلقٍ كأن الريح تحتي”

 

 

خارج على القبيلة**
(إلى أبي الطيب المتنبي)

بمشي لكأن آخر العمر كان خلفي
مع كل خطوة ..
تنسلّ فتلة من خيوط روحي
وتسيب أثرها في طريق مجهول
لا زلت راعي نعاج الرب والشيطان
قديس بيُشرق في تياب وثني
شبح وساكن في سماء الله
“لولا مخاطبتي إياك لم ترني”

صوتي
هروب الناي من ريحة الموتى
أو انغماس الوقت ف بحيرة الذكرى
شجرة وسقيتها من دما الاجداد
طرحت ثمارها في غنا الجايين
كفّنت رامبو فـ جبة الحلاج
و اضأت روحي من شموع بودلير
لغتي انفجار النبع .. من تحت اقدامي
وطني امتداده في حدود جسمي
حمّى بتحقن حزن ف عضامي
أهج منه فيتحد فيّا
“كأنا عاكفان على حرامِ”

حبيبتى ..
“شبّهت رقبتها بنخلة في الصعيد
إذا هبهبت لرياح .. بيزيدها الجريد” (1)
مالت وقالت: يا قتيل الشمس
نهدي رُطب .. فاقطف بلا مواعيد
عاشق وداير في البلاد على ضل
عطشان وقابض في حشاي على جمر
سجدت شفايفي فالتقيتني سكرت
نهدينها دول ولا كاسات الخمر.

بمشي لكأن آخر العمر كان خلفي
يا أيها العالم ..
ازاي تسيب حوا تصيغ آدم
ابليس .. كان أولى منه بالخطيئة
أولى منه بالخلود
فازاي يعيش بره الوجود منفي
كان طبيعي ..
صوابعه اللي عجزت ترصد المأساة
حين ضاق عليها الكون
تُنبت على كفي ..
وامشي لكأن آخر العمر كان خلفي

صديقي
رحّال سبقني ف بحر موته فـ تاه
وبرغم سيري عكس خطوُه
لقيتني لسه بهتدي بخطاه
طِيرين حزانى ..
فرّق ما بينهم الموج و الفضا
سار كل واحد من جهة ..
حين صبّ هذا البحر في تلك السما
صرنا كمجمع آلهه
وامشي لكأن آخر العمر كان خلفي
لم يبقى منه غير سؤالي
توبي اللي فاضت بيه الغيوم
لا اشتهي ..
غير حظ يسكن في الجيوب
والغربة لو تهجر ربابتي
يا أيها العالم ..
مشيت ولازلت بمشي
“على قلقٍ كأن الريح تحتي”

(1) فلكلور

*باحث وناقد أدبي

**الأبيات الفصحى مقتبسة من المتنبي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons