عهد ترامب .. الثابت والمتغير في السياسة الأمريكية

كتب : محمد جبر الريفي

فاز ترامب عن الحزب الجمهوري الذي يمثل مصالح الشركات الأمريكية الإحتكاررية الكبرى والأكثر التزاما بتعاليم المسيحية الغربية الأصولية التي تختلف عن مسيحية الشرق في تسامحها ونزعتها الإنسانية البعيدة عن التعصب الديني الصليبي وخسرت هيلاري كلينتون عن الحزب الديمقراطي المعروف بتمثيله لحقوق الأقليات ومناهضته لسياسة التمييز العنصري واتخاذ مواقف أقل يمينية وعنصرية في السياسة الدولية.

خسرت هيلاري أمام خصمها دونالد ترامب، رجل الأعمال قليل الخبرة في السياسة الدولية كما وصفه البعض، وقد كان يراودها الأمل والطموح في الوصول إلى منصب الرئاسة كامتداد عائلي لرئاسة زوجها كلينتون، وكما حصل لجورج بوش الأبن.

هكذا حسمت أخيرا نتيجة الانتخابات بين الحزبين الرئيسين اللذين يتداولان الحكم في واشنطن لصالح الحزب الجمهوري ولكن دون توقع الكثير من التغير في السياسة الأمريكية، فوعود المرشح ترامب التي أطلقها أثناء الحملة الانتخابية والتي وصفت من قبل المراقبين الدوليين بالتصريحات النارية سوف تختلف عن مواقف الرئيس دونالد ترامب نفسه الذي أصبح الأن الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة، فالوعود والتصريحات التي كان يطلقها أثناء حملته الانتخابية كانت من أجل حشد الأصوات للفوز بكرسي الرئاسة، أما تطبيقها في الواقع السياسي فهي خاضعة للمصالح الحيوية القومية الاستراتيجية الأمريكية خاصة وأن الحزب الجمهوري الذي ينتمي له ترامب يفتقد للتجانس في المواقف إزاء بعض المسائل السياسية والاقتصادية الهامة، وهذا واضح في الخلاف بين رئيس مجلس النواب الذي تسيطر على مقاعده أغلبية جمهورية وبين ترامب، وكلاهما ينتميان لنفس الحزب الفائز.

لقد جرت العادة للرؤساء الأمريكيين أثناء حملاتهم الانتخابية إطلاق الوعود التي تتميز بالإثارة والتعاطف من قبل قطاعات كبيرة من جماهير الناخبين، ولكن بعد وصولهم للحكم الكثير من هذه الوعود لا تجد طريقها للتطبيق بسبب الصعوبات التي تقف في طريقها والتي تأتي في الأغلب إما من معارضة الكونجرس الأمريكي أو من عدم انسجامها مع الظروف الدولية وتعارضها  مع المصالح القومية.

مرات كثيرة وعد بها رؤساء أمريكيين اثناء القيام بحملاتهم الانتخابية بنقل السفارة “الإسرائيلية” من تل أبيب إلى القدس والاعتراف بها كعاصمة موحدة للكيان الصهيوني العنصري ولكن بعد الفوز في الانتخابات يبقى الموقف الأمريكي على حاله من هذه المسألة ويكتفي الرئيس الجديد بالتمديد لأن في تحقيق هذا الوعد لإرضاء اللوبي اليهودي من شأنه أن يلغي في المستقبل أي دور سياسي للولايات المتحدة في عملية السلام والذي تحتكره منذ توقيع اتفاقية أوسلو لأن في ممارسة هذا الموقف السياسي عمليا يعني موافقة أمريكية صريحة على ابقاء احتلال أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية.

في موضوع الاتفاق النووي مع إيران وعد ترامب بتمزيقه فور فوزه بمقعد الرئاسة وذلك خوفا من امتلاك إيران السلاح النووي ولكن هذا الوعد سيجد معارضة من قبل الكونجرس الأمريكي الذي وافق على الاتفاق مما جعله قانونا من الصعوبة الغائه في الظروف الحالية بسبب موقف إيران المعادي للتنظيمات الإسلامية السنية المتطرفة كتنظيم داعش في سورية والعراق والتي تقود  الولايات المتحدة التحالف الدولي ضده باعتباره التنظيم الإرهابي الأكثر خطورة على المصالح الأمريكية والغربية الرأسمالية.

في الأزمة السورية سيعمل ترامب على التقارب مع الموقف الروسي وحصر الاهتمام الأمريكي بمحاربة تنظيمي داعش والنصرة وعدم التركيز على مسألة عزل الرئيس بشار الأسد وترك هذه المسألة المختلف عليها لحل متوازن تصل إليه الأطراف المتصارعة  وكل ذلك من أجل تجنب تورط عسكري أمريكي كبير في سورية كما حصل في أفغانستان والعراق سابقا.

أما فيما يتعلق بالسياسة الدولية بشكل عام، سيبقى الموقف الأمريكي على حاله بدون تغيير جذري، فالولايات المتحدة ستبقى هي نفسها الولايات المتحدة الدولة الأعظم في العالم التي تقود المعسكر الرأسمالي الإمبريالي والتي تدافع عن مصالحه باستمرار عملية النهب المنظم لموارد العالم الثالث وحجز التقدم العلمي والتطور التكنولوجي عن بلدانه النامية حتى تبقى قابعة في دائرة التخلف الحضاري بكل أشكاله كأسواق اقتصادية رائجة بالسلع الاستهلاكية الغربية.

ستبقى الولايات المتحدة الأمريكية مهما كان انتماء الفائز في الرئاسة الأمريكية تسيطر على سياستها نزعة الشعور بالتفوق والاستعلاء المتسمة بالتمييز والاستخفاف بقضايا الشعوب النامية وفيما يتعلق بالموقف الأمريكي تجاه المنطقة العربية فستواصل الإدارة الأمريكية الجديدة قيادة عملية الفوضى السياسية والأمنية وإزكاء الصراع الطائفي والعرقي والجهوي بين مكونات الدولة الوطنية الواحدة لتحقيق مخطط خلق شرق أوسط جديد تذوب فيه الحدود القومية والرابطة القومية في اطار عولمة اقتصادية وثقافية تعبر عن مصالح النظام الرأسمالي العالمي.

أما الموقف الأمريكي من الصراع العربي الصهيوني فسوف يبقى هذا الموقف المنحاز تاريخيا للكيان الصهيوني بدون تغيير أساسي لانه قائم أصلا على التحالف الاستراتيجي بين دولة هذا الكيان الصهيوني العنصري الغاصب والدخيل كظاهرة استيطانية اجلائية  وبين الولايات المتحدة الأمريكية التي قامت هي الأخرى على استيطان المهاجرين الأوروبيين للقارة الأمريكية الشمالية وهكذا  فتشابه عوامل النشأة والتأسيس بين الدولتين بالإضافة إلى المصالح المشتركة السياسية والاقتصادية هو الذي يعزز دائما  العلاقة الاستراتيجية الوثيقة بينهما بصرف النظر عن أي الحزبين في السلطة الجمهوري أو الديموقراطي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons