الانتخابات الأمريكية وفوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب

كتب : عباس الجمعة*

لن تتغير نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية في سياسات الولايات المتحدة الثابتة منذ عقود طويلة، والمرتكزة في الأساس على نزعة الهيمنة والتسلط، واستثمار الإرهاب في إشعال الحروب والفتن، ودعم الكيان الصهيوني، وتفريخ الأزمات في معظم دول العالم، وخاصة تلك الدول التي تناهض سياساتها، حيث تابع العالم، قادة وشعوباً، معركة الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية التي فاز فيها المرشح الجمهوري دونالد ترامب، والذي سيكون له تأثير خطير، على مصائر معظم الأنظمة الحاكمة (والشعوب) في مختلف أنحاء الكون، كما كان واضحا ان دونالد ترامب لم يظهر اهتماماً بالعرب عموماً، وبقضيتهم المقدسة فلسطين، وإعلان التأييد المطلق للعدو الإسرائيلي ومشاريعه التوسعية التي تكاد تذهب بما تبقى من أرض فلسطين لأهلها، الذين سيبقون أهلها.

إذا كانت الولايات المتحدة معروفة تاريخياً بأنها شنت الحروب وحاكت المؤامرات ضد الدول الأخرى، بذريعة حماية قيم العالم الحر وحقوق الإنسان والدفاع عن الديمقراطية، فإن سياستها هذه أصبحت أكثر خطورة بعد تفرّدها بقيادة العالم، لاسيما أنها تدعي أنها تحارب التطرف والإرهاب، الأمر الذي يدفع شخصية مثل ترامب إلى المجاهرة بالعداء والكراهية للعالم.

لهذا نؤكد على ضرورة عدم التعويل على الإدارات الأمريكية لانها ما يهمها هو مصالحها ومصلحة الكيان الصهيوني، لأن ما أكده الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب بكل فظاظة وعنصرية أن إسرائيل ستبقى الدولة النهائية ليهود العالم، وأن القدس العربية ستتوحد، تحت الراية الصهيونية، لتصبح عاصمة دولة اليهود في العالم، مقدما كل الدعم للحكومة الصهيونية كل الدعم للمستوطنين الجدد، حيث دعا بكل وقاحة الى الإعتراف بيهودية الدولة، إلا أن هذه الإدارات لم تعلم بأن الشعب الفلسطيني الذي يقدم التضحيات الجسام رغم كل الحسابات والتوقعات للمخططات المشبوهة المعادية، كبيرة بحجم الوجود، واضحة بقوة الحقيقة، دافعة في المسار التاريخي والتطور الطبيعي والحتمي، الرسالة الحضارية والتقدمية لمسيرة الثورات ضد جميع أشكال الظلم والقهر والاستبداد، حيث يحمل مشاعل الثورة رغم كل ما يجري في المنطقة، حيث نرى تكالب شرس من قبل قوى الإمبريالية والصهيونية والرجعية يغرزون فيها بخناجرهم المسمومة، تحت شعارات السلام المزيف المبرمج والمخطط له، والذي يشكل خطرا داهما ليس على فلسطين وحدها، وليس على الشعب الفلسطيني فقط، بل ضد الأمة العربية ومستقبلها ومصيرها… وضد هذه المنطقة المسماة في عرفهم منطقة الشرق الأوسط… وبالتالي ما يشكل كل هذا من آثار عديدة وخطيرة على مجمل السلام العالمي.

من هنا نرى أن التغيير الأميركي بات أمراً واقعاً، سواء جاء قسرياً أم برغبة الأميركيين، فيما الهزات الارتدادية تتواصل تباعاً، حيث الحذر الممزوج بشيء من التوجس لا يزال يحكم ردود الفعل المصدومة، وريثما يتبين الخيط الأبيض من الأسود في سياسات ترامب يكون تسونامي التغيير قد أخذ موقعه ومساحته، وقد يكون في بعض جوانبه على مقاس ما وصل من رسائل أميركية، سواء كانت مشفرة ومضمرة أم مباشرة وواضحة، وربما على ضوئها نتلمس حدود الفارق بين أميركا ما قبل التغيير وما بعده، وإن كان عنوانه يكفي للحكم على مساحة التسونامي التي بدأت تباشيرها الأولى على كل من راهن ووضع أوراقه في سلة الهيمنة الأميركية، وخاصة بعد أن وعد ترامب ‏كيان الاحتلال بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى مدينة القدس المحتلة، ولكن الآلة الإعلامية الصهيونية الخارجية والمدعومة بكل حشود وسائل الإعلام الغربية والأميركية وعدد من وسائل الإعلام العربية لم تستطع حتى الآن تحقيق أهدافها في شيطنة كل من يتمسك بالدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني ويقاوم الاحتلال الصهيوني وحلفاءه.

وفي ظل هذه الظروف نقول ان تعاظم التحديات التي تحيق بالقضية الفلسطينية، كانت لحظات مواجهة عصيبة في الكفاح والمقاومة ، لأن الشعب الفلسطيني يشق الصخر بعزيمة المناضلين الأحرار ..ويعلم يقيناً، إنه يجتاز في نضاله مخاضات صعبة، وقاسية ولكنها ليست عقيمة، حيث توالدت من داخل الرّحم الفلسطيني المعطاء بوارق الانتصار القادم لا محالة على الرغم من اندفاع بعض الحكام العرب إلى سياقات التساوق للتطبيع مع العدو الصهيوني.

ومن موقعنا نؤكد ان السلام العادل والوطيد في الشرق الأوسط. سلام دائم بعدالته، ليس سلام الأقوياء على الضعفاء.. وليس سلام املاء شروط الاستسلام وفرض الهيمنة والسيطرة من خلال أحلام الامبراطوريات الواهية وأحلام المستعمرين ومستوطناتهم وحدود الأمن ومصادر المياه المؤدية إلى منابع النفط، اضافة اننا نحن ضحايا للسياسات الامريكية في منطقتنا، ندرك اليوم أكثر عبث الرهان على السياسات الامريكية فتحولاتها تمضي باتجاهات أكثر سوء في إطار ذات المنظومة التي لن تفرز ابدا اصدقاء لنا، من هنا يجب ان ندرك كعرب وفي المقدمة منهم الفلسطينيين ضرورة قطع الرهانات الساذجة على السياسة الامريكية، وتحضير أنفسنا للمرحلة المقبلة من المواجهة والعدوان على هذه المنطقة، وبانتظار المزيد من الدعم والانحياز الامريكي للعدو الاسرائيلي، وخاصة اننا لا ننظر الى سياسات دونالد ترامب بانها ستقدم اي جديد.

وليكن واضحا وضوح دم الشهداء، ان إرادة وانتفاضة ومقاومة الشعب الفلسطيني لم تنهزم امام هذا الاحتلال، رعم ما تقدمه الادارة الامريكية للاحتلال لتسخير المنطقة للنفوذ الامريكي وسيطرته، وتحاول اسرائيل بها ان تنتقل من دور كلب الحراسة إلى دور الشريك الصغير المضارب في عملية النخاسة الجارية ضد منطقتنا وضد شعوبنا. ومما يؤسف له ان هذا التاريخ في هذه الاحداث الجسام التي يقدم البعض التنازلات بطريقة مباشرة أو غير مباشرة معتقداً ومتوهماً انه بذلك يستطيع ان يكون بمأمن من غضب السادة وبغض النظر عما يدور في ارض فلسطين والمنطقة غير عابئ بها وبنتائجها، إلا اننا على يقين بأن الشعب الفلسطيني والشعوب العربية ومقاومتها ستشق طريقها في هذا الاتون الملتهب تصنع غدها المشرق وارادتها الحرة بعزيمة لا تقهر وإرادة لا تلين.

أمام كل هذه المعطيات من حق الشعوب العالمية في الولايات المتحدة وأوروبا شرقها وغربها، تؤكد بأن السلام العادل يجب ان يتحقق على أرض فلسطين وفي المنطقة، ومن حق الشعب الفلسطيني ان يتساءل، هل هناك بعد كل الذي يحدث ما يبرر الجمود والتردد في مواجهة الحقيقة التي تقول ان الشعب الفلسطيني هو ضحية الإرهاب الرسمي المنظم، وان الواجب الإنساني، والاخلاقي، والحضاري، يلزم هذه الشعوب وأحزابها وهيئاتها وجمعياتها وحكوماتها بأن تؤازر شعب فلسطين للحصول على حقوقه الوطنية والمعترف بها على الصعيد الدولي وفي الأمم المتحدة.

ختاما : لا بد من القول ان الشعب الفلسطيني لا يرى في الإدارات الأمريكية أي جديد سوى سياسة دعم كيان الاحتلال، ولكن هو على ثقة بأن كل شعوب العالم واحراره وشرفائه وحركات التحرر الوطني في العالم ستبقى الى جانبه، حتى تحقيق أهدافه الوطنية المشروعة في العودة وتقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس.

*كاتب سياسي فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons