هل كانت الماركسية على حق ؟!

كتب : قاسم إسحق

في العام 1992 اصدر الأمريكي ذو الأصل الياباني “فرانسيس فوكوياما” كتابه الشهر (نهاية التاريخ والإنسان الأخير)، ويقول فيه أن الديمقراطية الليبرالية ونمط الحياة الأمريكي هما أرقى المراحل التي يمكن أن يصل إليهما أي تطور إنساني. جاء ذلك بعد الانهيار المدوي للمعسكر الاشتراكي وتفتت دوله واختفاءها فجأة!

ودار نقاش كثيف في وسائل الإعلام وحتى في أواسط الشيوعيين حول جدوى الماركسية وقيمتها لعصرنا وما حيلة الاعتصام بها في النضال من أجل واقع أكثر عدالة وإنسانية، مستشهدين بالتجارب السيئة والدموية لبعض الدول الشيوعية التي أنتجت أنظمة أوليغارشية، بوليسية، قمعية، حكمت شعوبها بالحديد والنار، وحولت الأوطان إلى سجون لا تطاق.

وفيما تراجع الخطاب التقدمي التحرري المقاوم للرأسمالية والإمبريالية، تقدم الخطاب الإرهابي اليميني الرجعي والعنصري النازي!؛ بينما تبارى المفكرون البرجوازيون في إنكار وجود الصراع الطبقي والأزمات الاقتصادية الدورية للنظام الاقتصادي الرأسمالي، مؤكدين على ان الرأسمالية ليست مجرد نظامًا اقتصاديًا، بل هي أخر مرحلة من مراحل تطور الإنسان. وان الاستغلال والعلاقات التناحرية هي وقائع لا وجود لها في ظل النظام الرأسمالي بل هي صدى بعيد لماضي النظام الإقطاعي البائد الذي تم تحطيمه بالثورة البرجوازية. وأن فتح الأسواق وتكسير الحدود بين بني البشر كفيل بتأمين حرية التجارة والتي تعززها الديمقراطية الليبرالية وبالتالي فأن الكل يستطيع ان ينافس ويكسب ويأطر نفسه داخل هذا النظام وبعدالة تامة. وان الصراعات التي تجري هنا وهناك ليست سوى صراعات صحية لحضارات وهويات ثقافية متصارعة وسرعان ما تحسم بعد انتصار الليبرالية بشكل حتمي في نهاية المطاف. ويقول “صامويل هنتغتون” صاحب كتاب (صراع الحضارات): (كان النزاع أيديولوجيا بين الرأسمالية والشيوعية ولكن النزاع القادم سيتخذ شكلاً مختلفاً ويكون بين حضارات محتملة).

وقد رفض الفلاسفة قبل ذلك بكثير فكرة السرديات الكبرى والنظريات الشمولية وصاغوا رؤى تتحدث عن (الما بعديات) مثل ما بعد الحداثة وما بعد الايدولوجيا وما بعد الدولة وما بعد الماركسية .. الخ. مكتفين بذلك بالسطح والنتائج دون النظر إلى العمق والجوهر الذي ينتج السطح ودون الحاجة إلى الأخذ في الاعتبار الترابط والوحدة الضرورية بين الأشياء.

وإن كانت الماركسية الكلاسيكية قد صاغت مقاربتها في نقد الاقتصاد السياسي حول التناقض الرئيسي بين ملكية وسائل الإنتاج التي يملكها الرأسماليين والطابع الاجتماعي/الجماعي للإنتاج واكتشاف قانون فائض القيمة، مبرزة بذلك وضعية البؤس والاستغلال التي تعيشها الطبقة العاملة والتي لا تملك أي شيء لتبيعه سوى قوة عملها وليس لديها شيء لتخسره سوى قيودها -إن أرادت مجابهة ومقاومة هذا الإستغلال-. فإن الرأسمالية منذ ذلك العصر قد غيرت جلدها عشرات المرات واستطاعت أن تنحني بنجاح لعواصف نهاية القرن التاسع عشر والقرن العشرين ذات الشعارات والطابع الثوري التحرري، مستفيدة بذلك من التطور التكنولوجي الهائل الذي أدى الى زيادة وسهولة الإنتاج ووفر شيء من الرخاء، مما خفف من الوطأة الوحشية لجمرة الاستغلال التي كانت تطأها أقدام العمال المرغمين على العيش بهكذا طريقة.

ويجادل الكاتب والناقد اليساري “سلافوي جيجك” بأن الرأسمالية اليوم تتميز بثلاثة خصائص تجعلها تختلف عن الرأسمالية التي تحدث عنها ماركس : فالرأسمالية انتقلت من الأجر إلى الربح. و هنالك دور جديد يسميه بالدور البنيوي للبطالة. وصعود طبقة جديدة هي البرجوازية المستأجرة وهي طبقة المدراء ورؤساء الشركات الذين يتقاضون أجور فلكية.

فالرأسمالية اليوم دخلت مرحلة العولمة الاقتصادية وهي مرحلة جديدة من مراحل الإمبريالية والسيطرة على مقدرات وخيرات الشعوب، ربما كان لينين مخطئًا حينما أعتقد بأن الإمبريالية الكلاسيكية هي آخر مراحل تطور الرأسمالية. فمنذ أن عقد مؤتمر (بريتون وودز) بعد نهاية الحرب العالمية الثانية مباشرة اخترعت الرأسمالية حيلة جديدة لسرقة واستغلال شعوب الجنوب مستخدمة أدواتها الأكثر فتكًا وفعالية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية . هذه الأدوات اضطلعت بمهمة تطوير سوق عالمية واحدة لكل البشر وإشاعة حالة اللا حرب واللا سلم في العالم وإغراق دول العالم الثالث بالمنح والقروض عالية المخاطر بذريعة مساعدتها في تطوير اقتصادياتها وهياكلها التحتية والحد من الفقر والمجاعات، بيمنا كان الهدف من هذه الديون هو استدراج هذه الدول للوقوع في فخ المديونية وذلك للحصول على تنازلات مهمة، ما كانت ستقدم عليها أبدا في ظل ظروف عادية. وتسببت وصفات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى إفقار الدول وخسارة ملايين العمال لوظائفهم ومصادر عيشهم وباتوا في أوضاع بائسة لا مثيل لها في التاريخ، محرومين من احتياجات الإنسان الأساسية كالسكن اللائق والتعليم والرعاية الصحية .. الخ.

إن العولمة الاقتصادية جعلت حفنة من الاحتكارات العابرة للقارات تسيطر على الاقتصاد العالمي وقد عمقت هذه الاحتكارات التفاوت بين الشعوب على نحو غير مسبوق ففي الولايات المتحدة الأمريكية شكلت ثروة 500 شركة 73.5 % من كل الناتج الوطني الإجمالي في عام 2010 وتمتلك 400 أغنى عائلة في الولايات المتحدة ثروة تعادل ما يمتلكه 50 % ، و أصحاب المليونيرات في العالم استحوذوا على ما نسبته 41% من إجمالي الثروات الخاصة في العالم في العام 2014. وقالت دارسة أجرتها ” بوسطن كونسالتينج قروب ” ان المليونيرات سيمتلكون ما نسبته 46% من إجمالي الثروة العالمية بحلول العام 2019، ويمكننا ان نملأ صفحات كاملة لمثل هذه الإحصائيات.

لقد كتب ماركس وانجليز في البيان الشيوعي قبل قرن ونصف وحينما كانت الرأسمالية لازالت ناشئة؛ كتبا ما نصه : ” إن كل البلدان، حتى أكبرها وأقواها، هي الآن تابعة تماما للاقتصاد العالمي ككل، والذي يقرر مصير الشعوب والأمم”. مقولة ماركس في ذاك الوقت كانت تعتبر محض خيال علمي واستشراف لمستقبل بعيد لا يمكن التنبؤ به ولا يوجد ما يدلل على صحة إثباته، لكن الوقائع أثبتت صحة استنتاجات ماركس وانجليز العبقرية بصورة ملموسة ومدهشة في وقتنا الراهن.

ومع صعود المليونير دونالد ترامب الى سدة الحكم في الولايات المتحدة، وبزوغ مرحلة جديدة في العالم أو ما يسميها المحللين بمرحلة “الدونالدترامبية” في وقت يقف فيه الاقتصاد العالمي برمته على شفا الانهيار والإفلاس وانعدام الحلول، فإننا أمام عودة جديدة للرأسمالية الوحشية المتدثرة بالعنصرية وأوهام التفوق العرقي للعرق الأبيض والتي ستؤدي حتمًا الى قلاقل عالمية ربما تهدد جنسنا البشري بالفناء. إن اخطر السيناريوهات لهذه الوضعية المأزومة هي أنها يمكن أن تقودنا إلى: “العودة الى الهمجية العليا في الشمال، والتي تنتج بدورها أشكالا من الهمجيات الدنيا في الجنوب” ، كما يقول الفيلسوف الألماني “شبنغلر” والفرق بين الهمجيتين، في حالة الشمال نحن أمام أزمة ما بعد الدولة وما بعد العقل وما بعد المجتمع الصناعي – والتي أنتجت : تدمير البيئة والتصحر والحروب والمخدرات والأسلحة الفتاكة الفائقة التدمير-، بينما في الجنوب المسألة تتعلق ببيئة اجتماعية تابعة ومتخلفة قبل حداثية -والتي تنتج بدورها : صراعات دموية ذات طابع عرقي وقومي ومذهبي/ديني- ، وهذا ما يجعلنا نتساءل إن كانت روزا لكسمبورغ تلميذة ماركس على حق حينما قالت : (إن الخيار أمام الجنس البشري هو إما الاشتراكية أو الهمجية).

تعليق واحد

  1. The confilicts of imperialism , i still believe , bave the way towards the socialism revolution , this huge technical revolution ends no where than to serve humanity and pass him the tools of controlling its earth.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons