الثلاثاء , أكتوبر 17 2017
أرشيفية

محاولات تفكيك النظام

كتب : محمد جبر الريفي*

ما يحدث الآن في الضفة الغربية المحتلة بين الحين والآخر من اشتباكات مسلحة بين أفراد من الأجهزة الأمنية الفلسطينية وأفراد مسلحين من جهات مختلفة تنظيمية وغيرها في بعض المخيمات هو انحراف نوعي خطير في بوصلة الصراع في الساحة الفلسطينية، فالسلاح الفلسطيني كله يجب أن يوجه لمقاتلة جيش الاحتلال، العدو الرئيسي الذي يحتل ويغتصب الأرض منذ عام النكبة 48، والذي يكرس في هذه المرحلة احتلاله للأرض بتكثيف حملة الاستيطان لفرض وقائع ديموغرافية جديدة على الأرض وذلك رغم اعتراض المجتمع الدولي بما فيه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويقوم في نفس الوقت بزيادة وتائر القمع العنصري الفاشي من خلال قيامه بإعدامات يومية لأبناء شعبنا على الحواجز العسكرية، كذلك يجب أن يشرع هذا السلاح الفلسطيني في مواجهة قطعان المستوطنين الذين يحرقون الأطفال وأشجار الزيتون والمساجد.

الخشية الكبرى الكارثية الأخطر على القضية الفلسطينية أن تتحول الضفة الغربية المحتلة إلى ساحة عربية جديدة أخرى متفجرة ودامية بين المخيمات والمدن تضاف إلى ساحات سوريا والعراق واليمن وليبيا، أي بمعنى أدق وأكثر وضوحا، هو تعميم الصراع في المنطقة لتشمل كل الدول الوطنية الحديثة العربية المهيأة في أوضاعها الداخلية من حيث التنوع الطائفي والعرقي والانتماء الجغرافي للتقسيم السياسي كحلقة أخرى من حلقات التجزئة السياسية الممنهجة (تجزئة المجزء) تحت مطلب  الوصول إلى السلطة السياسية بعيدا عن الأهداف الوطنية والقومية.

الساحة الفلسطينية كغيرها من الساحات العربية التي تشهد صراعا على السلطة بين الفصيلين الكبيرين فتح وحماس مهيأة لهذه الحالة التقسيميه لما تعانيه من أنقسام سياسي بغيض لم تفلح اتفاقات المصالحة في انهائه، وكذلك أيضا من تجزئة جغرافية (انقسام سياسي وجغرافي).

مؤشرات متلاحقة تجري الآن على مستوى الساحة الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة المحاصر، هدفها بالأساس غير المعلن تفكيك النظام السياسي الفلسطيني الحالي، الذي ينظر اليه من قبل الكيان الصهيوني بأنه عقبة في طريق التسوية السياسية (عدم وجود شريك)، واستبداله بنظام آخر يكون أكثر استعدادا لقبول تسوية سياسية مجزاة تنسجم مع مصالح البرجوازية الوطنية الفلسطينية في ميلها لتحقيق مشروع السلام الاقتصادي، وأيضا تنسجم مع المخطط التقسيمي الذي يجري في المنطقة، وبذلك يتم التنازل عن برنامج الحل المرحلي المعروف في الأوساط الدولية بحل الدولتين الذي استعصى الوصول آلية بعد ما يقارب من عشرين عاما على اتفاق أوسلو بسبب التعنت والصلف “الإسرائيلي” وضعف وانحياز الراعي الأمريكي وعدم وجود ضغط دولي مؤثر واهتمام دوله الكبرى بقضية الإرهاب الدولي، وقبول ما هو أدنى من هذا البرنامج  السياسي الذي كان إقراره في الأصل من منظمة التحرير الفلسطينية تراجعا سياسيا نوعيا عن برنامج الحل الاستراتيجي الذي انطلقت من أجل تحقيقه الثورة الفلسطينية المعاصرة.

وكما حدث  الترويج من قبل منظري تيار الواقعية السياسية في الفكر السياسي العربي لبرنامج الحل المرحلي باعتبار وجود امكانية موضوعية لتحقيقه يجري الآن الترويج لبرنامج الدولة الفلسطينية ذات الحدود المؤقته أو مشروع دولة فلسطينية أو كيان سياسي في قطاع غزة الذي تحكمه حركة حماس -سمه ما شئت-  معترف به عربيا وإقليميا بحكم الأمر الواقع تحت مبرر إنساني لفك الحصار وترتيب وضع سياسي دائم للضفة الغربية بمشاركة فلسطينية أردنية في اطار حكم ذاتي ضمن الدولة اليهودية، وهكذا فإن ما يجري من حراك عربي وإقليمي وبتفهم “إسرائيلي” وغربي في الساحة السياسية الفلسطينية، يتعدى موضوع خلافة الرئيس الفلسطيني أبو مازن، التي يجب أن تكون عبر انتخابات تشريعية ورئاسية، إلى ماهو أخطر وأبعد من ذلك، أنه المسعى العربي الرسمي والاقليمي الجديد الذي انخرط  دوله خاصة دول الخليج العربي وتركيا بعد إعادة الأخيرة العلاقات مع تل أبيب بشكل غير مسبوق في عملية تطبيع متسارعة مع الكيان الصهيوني لحل القضية الفلسطينية بما يناسب والمخطط التقسيمي الجديد الذي يرسم  لدول المنطقة على أساس طائفي وعرقي وجهوي.

*كاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons