الثنائية القطبية .. عودة لتوازن الحلول والمصالح

كتب : محمد الريفي*

عادت الثنائية القطبية مرة أخري على مسرح السياسية الدولية بعد أن انهارت بعد تفكك الاتحاد السوفيتي السابق في التسعينات من القرن الماضي حيث احتكرت الولايات المتحدة الأمريكية دور الهيمنة على النظام الدولي في محاولة فرض رؤياها السياسية والاقتصادية والأمنية وفقا لمصالحها الاحتكارية الإمبريالية الاستراتيجية وذلك منذ تلك الفترة إلى فترة قريبة مضت باعتبار أنها كانت تجد في نفسها القدرة بما تمتلكه من مقومات الدولة العظمى الأولى في العالم على تحمل مسؤولياتها في حفظ النظام الدولي، وقد كانت واشنطن انطلاقا من استراتيجيتها العسكرية التي تعتمد في تنفيذها على ترسانة جبارة موزعة في أرجاء العالم والتي تستعرضها عند كل أزمة دولية، تقوم بإشعال الصراع على المستوى الإقليمي والدولي تحقيقا للحفاظ على حيوية النظام الرأسمالي الإمبريالي في نهبه لموارد دول العالم الثالث خاصة النفطية منها، وفي إطار ذلك تم احتلال العراق وتدميره بحجة امتلاكه أسلحة الدمار الشامل وقبل ذلك كان احتلال أفغانستان بذريعة الإرهاب الدولي.

الأن انتهت سياسة القطب الأوحد الذي كان يحكم النظام الدولي وظهرت أوضاع دولية جديدة لها تاثيرها المباشر على مجرى الأحداث السياسية والعسكرية المعاصرة، وكانت سياسة القطب الأوحد قد بدأت باتنهاء الحرب الباردة وزوال خطر الاتحاد السوفيتي السابق وانهيار المعسكر الاشتراكي النقيض الموضوعي للمعسكر الرأسمالي وطيلة تلك الفترة كانت تعمل الولايات المتحدة على نزع سلاح الجمهوريات السوفيتية السابقة كما حصل مع أوكرانيا حيث تم توقيع معاهدة في هذا الخصوص كما بدأ حلف شمال الأطلسي في ظل التفرد الأمريكي واختفاء حلف وارسو على السعي للتمدد في دول شرق أوروبا، وكان تدخله في الحالة اليوغسلافية بقرار من واشنطن بقصف جمهورية صربيا المدعومة من روسيا بحكم تشابه العرق السلافي في كلا البلدين بداية لتنفيذ مهمات جديدة في الحلف لتوسيع دوره العدواني ليشمل كافة بؤر التوتر الاقليمي، وهذا ما حدث قبل أعوام في ليبيا أثناء موجة ما سميت بثورات الربيع العربي ضد نظام القذافي.

عادت القطبية الثنائية الآن بعد ظهور روسيا الدولة العظمي في موقعها الجغرافي في شرق أوروبا وعلى تخوم قارة آسيا وبتعدادها البشري وتاريخها الحضاري، الغنية بالنفط والغاز ووريثة الاتحاد السوفيتي السابق في المقدرة العسكرية النووية وامكانيتها الاقتصادية، وجاء احتلالها لجزيرة القرم ومنعها لحلف الناتو الاستعماري في استمرار التمدد نحوها بهدف محاصرتها ثم اخيرا تدخلها العسكري المباشر في سوريا بجانب نظام بشار الأسد والذي جاء كرد على التدخل الغربي في الأزمة الأوكرانية ليثبت بالدليل القاطع على أرض الواقع بانها بالفعل القطب الثاني الذي قضى نهائيا على ظاهرة القطب الأوحد الذي كانت تمثله الولايات المتحدة، وهذا المتغير النوعي على المسرح الدولي من شأنه أخيرا أن يفتح الطريق لحلول متوازنه للأزمات الدولية ومنها الأزمة السورية والصراع الفلسطيني “الإسرائيلي”.

في الأزمة السورية جاء التدخل العسكري الروسي للحفاظ على موقع سوريا الوطني في المنطقة العربية والشرق الأوسط حتى لا تتحول إلى دولة ضمن المعسكر اليميني الرجعي الذي يرتبط بعلاقات التبعية بكل أشكالها مع دول الغرب الراسمالي خاصة أن المعارضة السورية تقوم في غالبيتها على أرضية يمينية معتدلة مدعومة من الولايات المتحدة، أو طائفية تتسم مرجعيتها بالتطرف الإسلامي، لذلك فهي معارضة سياسية ومسلحة مدعومة من قوى خارجية معادية لمسألة التحرر الوطني.

كما يجيء التدخل العسكري الروسي ايضا لاستمرار الحفاظ على وحدة الأراضي السورية من التجزئة والتقسيم العرقي والطائفي في ظل انهيار الدولة الوطنية والإبقاء على العلاقات التاريخية التي كانت تربط النظام السوري البعثي بالاتحاد السوفيتي السابق خاصة في المجال الأمني والإمداد العسكري والمباحثات تجري الآن بشكل دائم بين وزير خارجية البلدين الروسي والأمريكي اللذان توصلا في جنيف قبل مدة إلى اتفاق هدنة متوازن سرعان ما تم عدم الالتزام به من كلا الطرفين المتصارعين المعارضة والنظام حيث المعارك تجري على أشدها في مناطق حلب التي تشهد تصعيدا في القصف الجوي الروسي يقابله التلويح بتدخل عسكري أمريكي فاعل لكبح جماح الغارات الروسية والحكومية وهو ما يؤكد على وجود ثنائية قطبية في تطور الصراع في فصول الأزمة السورية وان أي حل لهذه الازمة أصبح الآن مرهونا بتوازن المصالح والحلول بين القطبين الرئيسيين الروسي والأمريكي.

وفي الصراع الفلسطيني “الإسرائيلي” قد بدأت موسكو في الاشتراك فعليا في الجهود التي تبذل الآن لحل القضية الفلسطينية على أساس مشروع حل الدولتين الذي وصل إلى طريق مسدود بسبب التعنت والصلف الإسرائيلي وفشل الإدارات الأمريكية المتعاقبة على القيام بدورها المطلوب في ممارسة الطغط على الكيان الصهيوني والزامه بدفع استحقاقات السلام العادل وقد تجيء دعوة بوتين الرئيس الروسي لعقد لقاء قمة بين الرئيس أبو مازن ونتنياهو قبل عقد مؤتمر الدولي للسلام المزمع عقده بمبادرة فرنسية قبل نهاية العام الحالي. تجيء هذه الدعوة كخطوة في الدور الروسي المتنامي على المسرح السياسي الدولي كواقع يدلل على انتهاء سياسة القطب الاوحد. التي كانت تحتكره العاصمة الأمريكية واشنطن.

*كاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons