التفسير الثقافي للسياسة

محمد سيد رصاص*

في يناير/كانون الثاني عام 2014 قتل مؤسس تنظيم «داعش» الفعلي سمير الخليفاوي (الملقب بـ«حجي بكر»)، في بلدة تل رفعت شمال حلب على يد فصيل مسلح سوري معارض. فوجئ المهاجمون لبيته حيث قتل بأن المنزل لا يحوي نسخة من المصحف بل كومبيوترات وكروت «سيم» وجهاز GPS مع مخطط تفصيلي لبنية «داعش» مكتوب بخط يده مع مهمات تنفيذية محددة لأجهزة التنظيم.

في التحقيق المطول الذي نشرته مجلة «دير شبيغل» الألمانية، عن ذلك بما فيها صور الوثائق، يوم 18 أبريل/نيسان 2015، يروي صحافي عراقي شيعي عن ابن عمه الذي كان يخدم معه كضابط مخابرات في قاعدة الحبانية الجوية بفترة ما قبل سقوط بغداد بيد الأميركي الوصف التالي للخليفاوي: «لم يكن إسلامياً بل ذو نزعة قومية». عندما سرح الحاكم الأميركي، بول بريمر، الجيش العراقي وألغاه كمؤسسة، اشتغل العقيد السابق في المخابرات سائق تكسي ثم سرعان ما التحق بالزرقاوي مؤسس «تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين» عام 2004، وبعد مقتل الأخير عام 2006 دخل الخليفاوي إلى سجن بوكا حتى 2008 حيث تعرف إلى أبو بكر البغدادي، وعندما قتل جميع أفراد قيادة «دولة العراق الإسلامية» في أبريل/نيسان 2010 بغارة أميركية على مقر اجتماع تلك القيادة قام الخليفاوي باستدعاء البغدادي وتنصيبه «أميراً» وشكّل مجلس القيادة الجديد، وكان نصفه من ضباط الجيش والاستخبارات العراقية السابقين، وأصبح هو المسؤول العسكري، وكان هو من أقنع البغدادي بإرسال الجولاني إلى سورية أواخر 2011، ثم ذهب إلى هناك أواخر 2012 وعندما رأى نمو «جبهة النصرة» الكبير قام بإقناع البغدادي لكي يعلن «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) يوم التاسع من أبريل/نيسان 2013.

عند السني المتدين هناك «عِدّة» في المنزل: المصحف وصحيح البخاري وسجادة الصلاة، وبخاصة في منزل رجل يعيش سراً ولا يختلط بالناس ولا يذهب إلى المسجد. لم تكن تلك العدّة موجودة في ذلك المنزل في تل رفعت. هناك روايات تتداول شفهياً وصلت إلى الصحف الأجنبية، بأن الخليفاوي لم يكن فقط غير متدين في زمن صدام حسين بل كان يشرب الخمر. لا يمكن تفسير تحوله في مرحلة ما بعد سقوط بغداد بيد المحتل الأميركي يوم 9 أبريل/نيسان 2003 (لاحظوا إعلان تأسيس «داعش» في الذكرى العاشرة لذلك اليوم) عبر الثقافة و«الهداية الدينية» بل عبر ممرٍّ من مسربين: المحتل الأميركي والأحزاب الشيعية السياسية التي تولّت الحكم بفعل التحالف الأميركي ــ الإيراني في العراق المغزو والمحتل بكل ما تعنيه السلطة والحكم من مصالح اقتصادية ــ اجتماعية. لا يمكن تفسير خلعه القميص العروبي من دون هذا الممر وارتدائه القميص السلفي الإسلامي الجهادي: جاءت إسلاميته الجديدة رد فعل على ذلك.

مع ظاهرة انتشار «داعش»، هناك آراء تطلق بأن «داعش» يفسر بـ «القرآن» و«السيرة النبوية» وابن تيمية وابن عبد الوهاب وحسن البنا وسيد قطب. الغريب أن أصحاب هذا التفسير للسياسة عبر النصوص هم من الماركسيين حيث تفسر السياسة عند ماركس بوصفها بنية فوقية تستند إلى بنية تحتية اقتصادية ــ اجتماعية. الماركسي غير معذور بذلك. أما آخرون، من ليبراليين وغيرهم، فيمكن أن يكونوا في إطار التفسير الثقافي للسياسة. ولو أن الليبرالية في الغرب قد تجاوزت ذلك، وأصبحت تسلّم بالتفسير الماركسي وإن كانت تأخذه لحسابها الخاص. لا يستطيع هؤلاء الماركسيون، ويجب وضعهم بين العديد من الأقواس، تفسير اضمحلال الحزب الشيوعي العراقي بين يوم 1 مايو/أيار 1959، عندما أنزل مليون شخص (أغلبهم شيعة) لشوارع بغداد وانتخابات عام 2005، عندما فازت الأحزاب والحركات الشيعية العراقية بأغلبية مقاعد البرلمان، ولم يستطع الحزب الشيوعي أن ينال سوى مقاعد معدودة كانت أقل من أصابع اليد الواحدة، حملوا حملاً عبر قائمة مشتركة مع آخرين، كما لا يستطيعون تفسير ارتفاع حزب الدعوة من كتاب مؤسسه السيد محمد باقر الصدر: «فلسفتنا» عام 1959 الذي يبنى على التضاد الفلسفي مع الماركسية إلى حزب يتولى السلطة مع نوري المالكي وحيدر العبادي. هذه «الماركسية» تنحدر إلى مسارات تحليلية لا علاقة لها بالماركسية، تفسر السياسة بالثقافة، وتفسر تحولات الناس الفكرية – السياسية بـ«الجهل» و«التخلف» و«ضعف الثقافة»، وبأنهم «غنم» أو «طرش»، وهي مصطلحات لا يمكن أن يتبناها إلا فاشيون ونازيون على طراز موسوليني وهتلر، ينظرون إلى الناس والمجتمع من منظار «القائد الملهم»: الدوتشي والفوهرر ويقتلون المخالف الفكري ــ السياسي تماماً كما يفعل الداعشيون، وليس ماركسيون يؤمنون بالجماهير وبصراع الطبقات وبالديموقراطية.

ينتشر هذا التفسير الثقافي للسياسة أيضاً عند آخرين من غير الماركسيين. موجة بدأت مع انحسار «الإسلام السياسي» منذ سقوط حكم مرسي في القاهرة، حيث قدرت إحدى الصحف الغربية بأن «حكم الإخوان المسلمين قد أنتج مليون ملحد بين المسلمين المصريين في عام واحد»، تماماً كما أنتج البعثيون في بغداد ودمشق موجة من النفور من العروبة، وأيضاً كما يلاحظ كل من يزور إيران الخمينية ــ الخامنئية، بأن الشباب الإيراني أقل تديناً بكثير من الشباب العرب. هذه الموجة تنتج رد فعل فكري ــ ثقافي ــ سياسي يأخذ شكل «إلحاد سطحي» و«يسارية طفولية» و«علمانية» لا تقوم على بنائية فكرية بل على رفضية فكرية لـ«آخر»، وتتحدد كمضمون من خلال الرفضية وليس البناء المضموني الذي يقوم ليس بدلالة (الآخر)، بل بدلالة (الذات). يمكن أن يكون ذلك ليس فقط مؤشراً على انحسار الإسلاميين، وإنما على بدء موجة يسارية جديدة، ولكن إن لم يتم تحويلها من «رفضية» إلى (بنائية)، فإن مصيرها سيكون التلاشي مثلما حصل مع «اليسار الجديد» الذي نشأ عند العرب كرد فعل على هزيمة يونيو/حزيران 1967، أحزاب وحركات قومية: «حركة القوميين العرب» التي تحولت كل فروعها للماركسية، مثلاً، ثم انتهى ذلك لتبدأ موجة إسلامية في فترة ما بعد وفاة الرئيس عبدالناصر عام 1970.

في السبعينيات كانت بلدة الموحسن، على الفرات قرب مدينة ديرالزور جنوباً، تسمى بـ «موسكو الصغرى» بسبب طغيان وجود الشيوعيين هناك على أي اتجاه سياسي آخر بما فيه حزب البعث الحاكم. وفي انشقاق 3 أبريل/نيسان 1972 وقف شيوعيو الموحسن كلهم مع جناح خالد بكداش الموالي للسوفيات، برغم الأرجحية الواضحة لجناح المكتب السياسي، في مدينة ديرالزور. في عامي 2012 و2013 كان هناك نمو كبير لـ«جبهة النصرة» في الموحسن ثم لاقى «داعش» أرضاً خصبة هناك في عام 2014. هل يفسر هذا التحول الفكري ــ السياسي بـ«الثقافة» أم من خلال تفسيره بالتهميش الاقتصادي ــ الاجتماعي لسكان منطقة الفرات حيث الثروات الأساسية لسوريا: الماء والقطن والنفط؟

*كاتب سوري

المصدر: الأخبار اللبنانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons