محمود علي

«أقوالٌ على هامش النوم» .. قصيدة لـ «محمود علي»

كتب : ممدوح مكرم*

من الظواهر الجديرة بالرصد والمتابعة، أنَّ من يكتبون قصيدة الفصحى يتحولون شيئًا فشيئًا لأقلية، وهو موضوع يحتاج لدراسة علمية مستفيضة، ولكنْ رغم ذلك لازال للفصحى فرسانها المغاوير في جيل الشباب، في صعيد مصر والدلتا، ومن أسيوط، ومن قرية بُسْرَة التابعة لمركز الفتح، نلتقي في حلقة أخرى من حلقات النشر للشباب مع الشاعر محمود علي، الذي درس اللغةَ العربيةَ وآدابها في جامعة أسيوط.

محمود علي من القلائل الذين يجمعون بين الثقافة العامة، وبين الإبداع، فهو ذو نشاط ثقافي سواء في الجامعة، أو قصر الثقافة، ويقرأ بشكل ممتاز، ويحمل رؤى فكرية و فلسفية، وتلك عكست نفسها على نصوصه، هذا فضلًا عن أنه فاز بجائزة إبداع، وجائزة الشاعر سعد عبد الرحمن. القصيدة عند شاعرنا مكتملة من حيث كل المقومات اللازمة لبنائها: سواء اللغة، والصورة، والوزن، وهندسة القصيدة، بدون مبالغة أنت تقف أمام نصٍ ناضج بالفعل، وليس نص في طور التطور والتكوين، وهو فصيح لغة وبيانًا وقولًا.

قصيدة «أقوالٌ على هامش النوم» واحدة من نصوص محمود علي التي توقفك أمامها، بدءًا من عنوانها الذي يحمل الكثير من الدلالات المرواغة، فهي أقوال، وعلى هامش النوم!! وهامش النوم يستدعي تلك اللحظات التي يعيشها الإنسان بين النوم واليقظة، الإنسان المؤرق، لعلها هذيان يخرج ما في لاوعي الإنسان/الشاعر.

يقول في مطلعها:

عـنّي/إذا نامَ المَجازُ وضَلَّتِ الرُّؤْيا/اتْحدتُ معَ المسافةِ،/في انْتكاسِ الخطوةِ الأولى/لطفْلٍ ها هُنا في الرُّوحِ يَفْتقدُ/ السّكينةَ.

المجاز والرؤيا والإتحاد مع المسافة… إلخ هي تعبيرات قادمة من المعجم/القاموس الصوفي، وذلك لرفض ما فعلته الحضارة المادية بالإنسان المعاصر؛ جعلته أسير القلق والإغتراب، وهو ما يتضح في قوله:

واشْترطْتُ على الحضارةِ؛/أنْ تُنَحِّيني بَعيدًا عَنْ مَسَارات/الدِّماءِ/لأكْتفي بالصَّمْتِ.

وما ترتب على تلك الحضارة من حروبٍ (مسارات الدماء) فهنا نجد أنفسنا أمام حالةٍ من القلق الوجودي، الذي يتعمق داخل العمل شيئًا فشيئًا، ونجد داعش وما تفعله، والحنين إلى البراءة الأولى من خلال إشارته: آدم لم يستلذ رقوده في الطين!، كتمرد وبعدها تبدأ معاناة الإنسان المغترب الذي تحدث عنه ماركس في كراسه «العمل المغترب» وفصلها أكثر في سِفره الضخم «رأس المال» إنَّ القصيدة تُقرأ في مستويات فلسفية صوفية، الحنين للطبيعة للبكر، والتوحد معها (وحدة الوجود) والتي تظهر من خلال الفتاة، حيث تنتقل الوردة من خد الفتاة إلى القصيدة، كما في النص، وتُقرأ أيضًا بمنحى وجودي( سيطرة الإغتراب و القلق) من خلال ألفاظ الدماء و الحروب، والحياة و الموت..إلخ، وتأتي نهاية القصيدة:

أُحبُّكِ .. نَامَ صَوتُكِ .. /نَامَ في حِضْني/ وأطْفأَ داعشًا والمُجرمينَ /أُحبُّكِ .. انْتهتِ الحروبُ/وراقتِ الدُّنْيا/تَعالي/تَحْت جِلدي إبْرةً مَسْنونة،ً/ وخُذي حَياتي/مِرْودًا فِي كُحْلِ عَينكْ.

 

أقوالٌ على هامشِ النومِ
…….

عَـنّي
إذا نامَ المَجازُ وضَلَّتِ الرُّؤْيا
اتْحدتُ معَ المسافةِ،
في انْتكاسِ الخطوةِ الأولى
لطفْلٍ ها هُنا في الرُّوحِ يَفْتقدُ السّكينةَ،
واشْترطْتُ على الحضارةِ؛
أنْ تُنَحِّيني بَعيدًا عَنْ مَسَارات الدِّماءِ
لأكْتفي بالصَّمْتِ.
دَهْشَتُنا الكَبيرةُ يَا رفاقُ
هي : انْتقالُ الوَرْدِ مِن خَدِّ الفتاةِ إلى القَصيدةِ،
وانْتظارُ اللامزيدَ مِنَ الحَياةِ .
شَهدْتُ مَا بَاعَ السّلامُ،
ومَا جَنَتْهُ الحَرْبُ
فِي خَطِّينِ مُنْفلتينِ مَنْ عَينَيَّ
أفْرَغْتُ انْهزامي والدِّماءَ بشكْوةٍ
للسَّقْفِ – أحْسبُه السّماءَ –
ومَا اكْترثْتُ إلى النّتيجةِ،
طَمْأنيني يا حَياةُ،
ووسِّدي عَينَ الفتاةِ؛ لتَسْتريحَ مِنَ المُنوِّم،ِ
واتْركيني
أضْبُطُ الخَلَلَ المُمضَّ بقصِّةِ الخَلْقِ اليتيمةِ ؛
آدمي لم يسْتَلذِّ رقودَهُ في الطين،
فاعتدَلَ احتماءً بالنّصوص،ِ
وآخِذًا بيدِ الطّبيعةِ في التّخيّلِ والتّمنِّي واجْترارِ الخَوفِ،
حَوَّائي ضُلوعٌ هَـذَّبْـتْها البنتُ
وانْتقلَتْ لتسْكنَ كَهْفَها بينَ التَّنفّسِ والغناءِ،
وجَنَّتي امْتثَلتْ لأمْري
ثُمَّ جَاءتْ فِي شِفاهِكِ
حَيثُ نِلْتُ القُبْلةَ الأولى .

ولدتُ / كَبَرتُ
لَمْ أفْرَحْ بعُمْري
غيرَ أنَّي قَدْ سَخِرتُ مِنَ النَّجاةِ

مَشيتُ / أفْضَيتُ اضْطرابي للتُّراب، ِ
فمَسّني وَلَع،ٌ
وكَبّدَني الحَنينُ خَسائرًا مُتتالياتِ

لا أبعْثرُها على أسْماعِكُمْ
حَتَّى تُوحَّدَ – بالتّفاصيلِ الصّغيرةِ – فِي المَماتِ

عِنْدما امْتَدَّتْ لياليَّ
اتْفقْتُ مَعَ الزَّمانِ وخُنْتُكُمْ،
نُبْلُ القَوافي يا أحِبَّةُ
أنْ أُقرَّ بأنَّني المَقْتولُ،
في جَسدي الحقيقةُ،
في لساني جَمرة،ٌ
ويدايَ ما حَطَّ الحمامُ عليهما أبدًا،
ولا نَبعتْ مياهٌ مِنهما ابدًا،
أحُطُّهما على رأسي
وأنْدُبُ كالثّكالى
أمْ أُغَنِّي مِن أغَانيكِ الحَزينةِ ؟
أخْبريني !
كيفَ تُغْتصبُ الأنوثةَ مِنْ حريركِ ؟
عانقيني!
وحْدَتي لَمْ تَحْتملْني،
والبلادُ تُوزِّعُ المَوتى على الثُّكْناتِ،
فِي قَلْبي تواريخٌ مُعبَّأةٌ برائحةِ الحَرائقِ،
فِي يَقيني ثورة،ٌ
تَمْتدُّ مِنْ وَخْزِ الخَيالِ .. لشَهْقةِ الحَلَّاجِ،
أَرْمي ما أريدُ مِن الأماني فِي طريقِ الغَيبِ،
قَدْ تَتَعثَّرُ الأقْدارُ ..
قَدْ تَتَراجعُ الذكْرى ..
أُحبُّكِ .. نَامَ صَوتُكِ .. نَامَ في حِضْني
وأطْفأَ داعشًا والمُجرمينَ
أُحبُّكِ .. انْتهتِ الحروبُ وراقتِ الدُّنْيا
تَعالي تَحْت جِلدي إبْرةً مَسْنونة،ً
وخُذي حَياتي مِرْودًا فِي كُحْلِ عَينكْ.

*باحث وناقد أدبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons