غازي الصوراني

حول الثقافة ودور المثقف

محاضرة للكاتب والباحث الفلسطيني غازي الصوراني حول الثقافة ودور المثقف (منتدى الفكر الديمقراطي – غزة – 31/8/2008)

بداية اقدر عالياً هذا الحضور المميز من الأخوات والأخوة من المهتمين بالبعدين الثقافي والسياسي كل حسب رؤيته والتزامه في واقعنا الفلسطيني والعربي الذي يبدو فيه عزل الثقافة عن السياسة نوعاً من المكابرة او الهروب من مجابهة هذا الواقع المهزوم والنضال -بكل السبل- من أجل تغييره.

سأبدأ حديثي بتناول سريع لجوهر متغيرات عصر العولمة وأثره على الثقافة، إذ ليس من السهل على أي باحث أو مثقف أو مفكر في هذا العصر أن يضع مفهوماً محدداً للثقافة، فهو عصر تتهاوى فيه كثير من النظم والأفكار والقواعد المعرفية لحساب “رباعية البيانات والمعلومات والمعارف والحكمة” التي باتت محدداً رئيساً لعصرنا، بسبب هذا التطور المتسارع للعلوم وتكنولوجيا المعلومات وعلوم الفضاء والهندسة الوراثية وهندسة النانو والميكروبيولوجي، إلى جانب تطور العلوم الحديثة في اللغة، والاجتماع، والانثربولوجيا، والتاريخ والجغرافيا البشرية والاقتصاد، خلال العقود الثلاثة الأخيرة، التي اختزلت الزمان والمكان، فأصبحت المعلومات والمال ورؤوس المال تنتقل في زمن حقيقي، مخترقة الحدود والسماوات، ومن نتائجها كما يقول علي أومليل في كتابه سؤال الثقافة “أن الثقافة أصبحت بضاعة معولمة، تتحكم في إنتاجها وتسويقها من الشمال إلى الجنوب شركات عملاقة.

وقد عمقت ثورة الاتصال والمعلومات هذه الهوة بين الدول وداخل البلد الواحد”. ما يستدعي من المثقف في فلسطين وبلدان الوطن العربي، التأمل والتفكير ومتابعة المستجدات النوعية التي ستدفع إلى بلورة مفهوم جديد للمعرفة، صاعداً بلا حدود أو ضوابط، بعد أن أصبحت صناعة الثقافة والمعلومات من أهم صناعات هذا العصر بلا منازع، وهي صناعة معلوماتية وثقافية أو معرفية مرتبطة إلى حد كبير بالحضارة الرأسمالية التي تهيمن عبر لغتها الإنجليزية على 85% من وثائق الانترنت والمكالمات الهاتفية، وعلى أكثر من هذه النسبة على مراكز البحث والاختراع العلمي في العالم كله، بحيث لم تعد الفجوة بين البلدان المتقدمة وبلدان العالمين الثالث والرابع (الذي تندرج فيه بلداننا العربية)، مجرد “فجوة موارد” بل أصبحت كما يقول د.محمود عبد الفضيل “فجوة معرفية” بدرجة أساسية نتيجة الثورة الهائلة في تكنولوجيا المعلومات والاتصال في العقود الثلاثة الأخيرة حيث تطورت ثورة تكنولوجيا الاتصال، في البلدان الصناعية المتقدمة، وفي هذا الجانب -كما يضيف د. عبد الفضيل- فإن هذه البلدان شهدت ثلاثة موجات تكنولوجية، أدت إلى تغير جذري في تقنيات الإنتاج، وقواه، وعلاقاته على الصعيد العالمي، تتمثل تلك الموجات الثلاثة بما يلي:

1) اختراع آلة البخار.

2) استخدام الكهرباء في تشغيل معدات الإنتاج.

3) تطوير تكنولوجيا الالكترونيات الدقيقة.

ويعتبر د. عبد الفضيل الثورة التكنولوجية الثالثة “ثورة الالكترونيات” هي الأساس المادي لتطور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وما رافقها من تحولات أنماط الإنتاج وأشكال التبادل، وأنماط الاستهلاك، ففي ظل “ثورة المعلومات” لعبت “رقائق الالكترونيات” الدور المركزي الذي كان يلعبه الفحم عند بدء الثورة الصناعية، ثم جاءت “التكنولوجيا الرقمية” (Digital Technology)، لتشكل أساس البث الإلكتروني الحديث، ولتصبح هي التكنولوجيا الطاغية مع قدوم القرن الواحد والعشرين، مما جعل البعض يلقب عصرنا الراهن بأنه “العصر الرقمي”، وفي ضوء هذه التطورات، نشأ الفضاء المعلوماتي الجديد (cyberspace)، وهو فضاء حقيقي -كما يضيف د. عبد الفضيل- وليس تخيلياً، وله لغة محددة وبروتوكولات خاصة بالمتعاملين في إطاره، الذي لا يحده واقع جغرافي محدد، ويطرح بدوره تحديات جديدة، وتحولات مهمة في مجال تنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وهي تحولات أدت إلى مزيد من الفجوات و”التوزيع غير المتكافئ” لعناصر القوة الاقتصادية والتكنولوجية المتقدمة بين العالم الأول من جهة والعالمين الثالث والرابع من جهة ثانية.

فإلى أي مدى استجابت ومارست مجتمعاتنا العربية في تاريخها القديم والحديث والمعاصر، عملية الربط بين المعرفة والممارسة كشرط لتقدمها؟ الحقيقة انه باستثناء الومضات أو اللحظات العقلانية العربية في التاريخ العربي الاسلامي على يد المعتزله وابن رشد، والتي انقطعت منذ القرن الثالث عشر، استمرت حالة الانقطاع المعرفي عموماً حتى نهاية القرن التاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين، ثم انقطعت وعادت الى التواصل والتجدد في سيتينياته في الحقبة الناصرية التي انتهت بوفاة مؤسسها، وظلت الفرضيات الغيبية هي الحاكمة على صعيد الفكر العربي، بمثل ما استمرت المجتمعات العربية محكومة في تطورها الاقتصادي – الاجتماعي للنمط الريعي المركزي، والتجاري في التاريخ القديم، والى نظام التبعية والتخلف في التاريخ الحديث، بما أدى الى هذا الانفصام الممتد الى اليوم بين المعرفة والممارسة، والذي شكل عقبةً في وجه تفتح الرؤية العقلانية العربية وأبقاها أسيرة لمناخ التخلف ومظاهره، التي تتبدى في أن العقل السياسي العربي محكوم في ماضيه وحاضره -كما يقول الجابري- بمحددات ثلاثة هي: القبيلة والغنيمة والعقيدة، أي بعلاقات سياسية معينة تتمثل في القبيلة، وفي نمط إنتاجي معين هو النمط الربوي، الذي يرمز إليه بالغنيمة (الدخل غير الإنتاجي)، وسيادة العقيدة الدينية، ويرى أنه لا سبيل الى تحقيق متطلبات النهضة والتقدم بغير نفي هذه المحددات الثلاثة نفياً تاريخياً وإحلال بدائل أخرى معاصرة لها.

لهذا يقول محمود أمين العالم “إن قضية تجديد العقل السياسي العربي اليوم مطالبة بأن، تٌحَوَّل “القبيلة” في مجتمعنا الى تنظيم مدني سياسي اجتماعي، و تٌحَوَّل “الغنيمة” أو الاقتصاد الريعي الى اقتصاد إنتاجي، يمهد لقيام وحدة اقتصادية بين الأقطار العربية، كفيلة بإرساء الأساس الضروري لتنمية عربية مستقلة، وأخيراً تحويل العقيدة الى مجرد رأي، أي التحرر من سلطة عقل الطائفة والعقل الدوجمائي، دينياً كان أو علمانياً، وبالتالي التعامل بعقل اجتهادي نقدي، بما يفرض علينا إعادة النظر في بنية ومكونات الثقافة العربية، التي باتت كما يقول الجابري “في حاجة ماسة وملحة الى إعادة كتابة تاريخها، الذي ما زال مجرد تكرار واجترار لنفس “التاريخ” الذي كتبه أجدادنا” وفي كل الأحوال فإن “أي تحليل للفكر العربي الإسلامي، سواء كان من منظور بنيوي أو من منظور تاريخاني، سيظل ناقصاً وستكون نتائجه مضللة، إذا لم يأخذ في حسابه دور السياسة في توجيه هذا الفكر وتحديد مساره ومتعرجاته”، وستظل أيضاً الأسئلة: “لماذا تأخر العرب وتقدم غيرهم؟ أو لماذا لم تتطور الأوضاع الاجتماعية الاقتصادية العربية في “القرون الوسطى” إلى نظام رأسمالي؟ ولماذا لم تتمكن النهضة العربية في “القرون الوسطى” من شق طريقها نحو التقدم المطرد؟ هذه الأسئلة ستظل ناقصة ومحدودة الآفاق، ما لم تطرح على الصعيد الأبيستمولوجي (المعرفي)، أو ما لم تتجه مباشرة الى العقل العربي ذاته، ذلك أن “العرب والمسلمين” إنما بدأوا يتأخرون حينما بدأ العقل عندهم يقدم استقالته، حينما أخذوا يلتمسون المشروعية الدينية لهذه الاستقالة، في حين بدأ الأوروبيون يتقدمون حينما بدأ العقل عندهم يستيقظ ويسائل نفسه، فالرأسمالية ثم الاشتراكية هما نتاج العقلانية والتنوير والحداثة وحرية الفرد أو المواطنة، وكلها قيم أو روافع أساسية لعصر النهضة في أوروبا، تراكمت تدريجياً منذ القرن الخامس عشر إلى القرن التاسع عشر، وصولاً إلى التحولات المذهلة في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين التي أدت إلى ولادة مرحلة العولمة الرأسمالية، لذلك فإنني لا أبالغ لو قلت أن من لا يتابع هذه المتغيرات سيكون مهدداً ليس في ثقافته فحسب بل في وجوده الاجتماعي وهويته القومية أو الوطنية، كما سيكون مهدداً في لغته أيضاً وأقصد بالتحديد ثقافتنا العربية التي ستتعرض للتراجع أو الاندحار طالما بقيت أحوال شعوبنا العربية على ما هي عليه من خضوع وتبعية وارتهان وتخلف في مقابل التطور الصاعد للتقدم التكنولوجي، والاقتصادي لنظام العولمة الرأسمالي الذي عزز وقدم كل عناصر ومستلزمات القوة لدولة العدو الإسرائيلي ارتباطاً بدورها ووظيفتها في بلادنا.

فقد باتت السيطرة الرأسمالية المعولمة على العالم تهدد كل مناطق الأطراف عموماً وبلداننا العربية خصوصاً التي تعيش اليوم حالة من الانحطاط والخضوع لم تشهد له مثيلاً في العصور السابقة، بحيث أصبحت الثقافة السائدة أقرب إلى ثقافة التخلف وتبرير الخضوع والتبعية أو ثقافة الأمر الواقع المرتبط بالفساد والمصالح في مشهد عربي بائس ومهزوم، يحمل في طياته العديد من المعوقات والإمكانات التي ستتيح -في حال نضوجها- إلى تحول المشهد الراهن ليصبح -خلال سنوات قليلة قادمة- خاضعاً لحركات الإسلام السياسي التي تجسد اليوم اتجاهاً رفضياً وسلبياً للواقع، دون أن تملك القدرة على تقديم البديل الإيجابي على مستوى التحديات المحلية والعالمية، حيث أن المشروع الذي تتبناه هذه الحركات يقوم على ثلاثة أعمدة كما يقول “سمير أمين”، هي:

أولاً: إلغاء الديمقراطية.

ثانياً: إحلال خطاب إيديولوجي شمولي محلي (ينتهي إلى) خضوع شكلي لطقوس دينية لا غير.

ثالثاً: قبول الانفتاح الكومبرادوري الشامل على الصعيد الاقتصادي.

على كل حال .. إن جوهر الأزمة في مجتمعاتنا العربية لا يكمن في ضعفها المعرفي الراهن، أو عجزها في مواكبة العصر من حيث التقدم العلمي والتكنولوجي، بل يعود بالدرجة الأولى إلى أن بلداننا العربية عموماً لا تعيش زمناً حداثياً أو حضارياً، ولا تنتسب له جوهرياً، وذلك بسبب فقدانها ، بحكم تبعيتها البنيوية، للبوصلة من جهة، وللأدوات الحداثية الحضارية والمعرفية الداخلية بحكم تطورها المشوه من جهة أخرى، ذلك هو الجوهر الذي يستوجب التحليل والتشخيص، لمعرفة السبل والآليات الضرورية لتغييره وتجاوزه، وليس الوقوف أمام مظهر الأزمة أو شكلها الخارجي الذي لم يقدم شيئا إضافيا سوى مزيد من الإحباط والألم.

 

 

حول مفهوم الثقافة:

بدايةً اسمحوا لي أن أتناول عنوان الندوة بصورة مباشرة عبر الحديث عن مفهوم الثقافة ثم دور المثقف.

المعروف أن مصدر كلمة ثقافة في العربية من الفعل الثلاثي ثقف، ثقف الشيء بمعنى حذقه او استوعبه، وثقف الرجل، بمعنى انه أصبح رجلاً حاذقاً او ماهراً، ويقال ثقف الرمح بمعنى سوّاه او صقله، إذن فالثقافة بمعناها ومضمونها في لغتنا العربية، تشير إلى المهارة والعقل والذكاء.

أما في اللغات الأوروبية فان لفظة ثقافة Culture تعني الزرع، وجاءت بهذا المعنى لأن الزراعة تعني السكن أو الإقامة في القرى والمدن أو أنها تعني التحضر والاستقرار، أما في اللغة العربية نلاحظ تمييزاً بين “الحضارة” وهي كلمة تدل على مجموعة المنجزات الاجتماعية، وبين “الثقافة” وهي الكلمة التي تحمل مضموناً لحالة التقدم العقلي وحده.

أما في اللغة الألمانية، وكذلك في الأدبيات الأمريكية، تستعمل كلمة ثقافة مرادفاً لكلمة حضارة، ومعنى ذلك إن مفهوم الثقافة ينطوي على معنيين اثنين: احدهما ذاتي هو ثقافة العقل، وثانيهما موضوعي وهو جملة الأحوال الاجتماعية والمنجزات الفكرية والعلمية وأنماط التفكير والقيم السائدة.

أنا شخصياً أميل إلى الجمع بين مفهومي الثقافة والحضارة رغم إدراكي بان الحضارة هي وعاء الثقافة، لكنه وعاء متحد او ملتصق او متفاعل مع محتواه إذ لا يمكن فصل أي منهما عن الآخر خاصة وان شريان اللغة يجمعهما معاً.

على أي حال لست معنياً بخلق إشكالية حول علاقة الثقافة بالحضارة بقدر ما أدعو إلى مراجعة المفاهيم وتأملها بالمعنى التجريدي المعرفي، وتفكيكها وإعادة بنائها أو تكوينها بما يوفر إمكانية التعمق في المفهوم وإعادة صياغته في الواقع المعاصر دون أن نسعى إلى تقويضه أو تجزئته.

وهنا أدعو إلى إعمال الفكر أو العقل للوصول إلى المفهوم الواضح للثقافة ارتباطاً بخصوصية الواقع وبالتفاعل معه، رغم تباين الاجتهادات في تعريفاتها، فعلى سبيل المثال، فقد أحصى الباحث الأمريكي “ادوارد تايلور” ما يزيد عن 200 تعريف للثقافة، في حين أن الفيلسوف الأمريكي “جون ديوي” عرفها بجملة واحدة “بأنها حصيلة التفاعل بين الإنسان وبيئته”، لكن علي اومليل يتجاوز هذا التعميم في تعريفه للثقافة بقوله “الثقافة رؤية ومبدأ للسياسات: كيف تكون سياستنا في التربية والتعليم منتجة لرأسمال بشري مندمج ومنافس في عالم اليوم؟ ما هي قيمنا الثقافية القابلة للتبادل في سوق القيم، ومكونه لعقلية حداثية، ولهوية ليست من ماضي ولّى، بل جواز سفر لدخول آفاق المستقبل؟ ما هي رؤيتنا لبناء اقتصاد اجتماعي ومنافس معاً، وكيف نبني منظومة قيم تحفز على المبادرة والابتكار، والإنتاج وتخطيط المستقبل؟ كيف نربي على احترام الكرامة الإنسانية؟ ذلك هو مفهوم الثقافة الذي يتوجب أن نأخذ به”.

على أي حال يمكن القول أن الثقافة هي جملة ما يبدعه الإنسان والمجتمع على صعيد العلم والفن ومجالات الحياة الأخرى، المادية والروحية، من اجل استخدامها للإجابة على الأسئلة الكبرى التي طرحها علي اومليل للإسهام في حل مشكلات التقدم والتطور، وهنا تتجلى خصوصية الواقع -واقعنا العربي- التاريخية والراهنة وتفاعلها مع المفهوم العام المعاصر للثقافة بكل أبعادها ومكوناتها العلمية، الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية في اللحظة الراهنة من تطور البشرية.

أنا شخصياً انحاز إلى هذا التعريف للثقافة، لأنه يتناولها كمجموعة من الأنماط السلوكية والفكرية والتربوية بمضامينها المستقبلية التي تؤطر أعمال الإنسان في علاقاته الثلاثية مع الطبيعة والمجتمع وما وراء الطبيعة، من خلال التواصل الدؤوب مع مسار التنوير والحداثة والنهضة والتقدم العلمي، آخذين بعين الاعتبار أن لكل عصر ثقافته… عصر الزراعة كانت له ثقافته السائدة، وعصر الصناعة كانت له ثقافته السائدة، واليوم عصر المعلومات أو “العصر الرقمي” يفرض علينا ثقافته السائدة أو ثقافة الإنترنت التي هي ثقافة الرأسمالية في طورها المعولم، وفي هذا السياق يقول المفكر العربي السيد ياسين “أن أخطر ما في شبكة الإنترنت “أنها تنطوي على ثورة معرفية، وعلى موسوعة للفكر الإنساني ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، وهذه مسألة بالغة الخطورة، ومن هنا يرى أن مشكلة الاتصال مع الحضارات الأخرى تتمثل بما يسميه “أزمة تكوين العقل النقدي العربي”، فالجامعات العربية لا تٌكَوِّن مثل هذا العقل النقدي الذي يحتاج بالدرجة الأولى إلى حرية سياسية وديمقراطية، ذلك أن حوار الثقافة العربية مع غيرها من الثقافات، خاصة الثقافة الغربية، يقتضي الاعتراف المتبادل، وهو غير حاصل بسبب أصوليتين -كما يقول اومليل- : أوصولية إسلامية تختزل الدين إلى عقائد متشددة، وتعتبر أن الإسلام في غنى عن أي حوار مع جاهلية العصر، أي الثقافة الغربية ومن نسج على منوالها، وهناك أصولية غربية تعتقد أن قيم الحداثة (الحرية، الفكر النقدي، الديمقراطية الليبرالية، حقوق الإنسان) هي قيم غربية حصراً، فلا طريق إذاً للتحديث سوى التغريب (والخضوع لثقافة الغرب الرأسمالي).

 

 

حول مفهوم المثقف:

بداية أشير إلى أن المفهوم هنا ليس مفهوماً مجرداً، ليس عنواناً او فرضية، بل هو ملخص منظومة فكرية مكتملة تحققت تاريخياً عبر الممارسة في مجتمع معين في مراحل تطوره المختلفة، وأدت او أسهمت في تغيير العديد من الأنماط والأنظمة السياسية عبر دور فعال في نشر مبادئ العقلانية والتنوير والحداثة والثورة … الخ وهذا ما يتوجب أن يمارسه -وبوعي- المثقف العربي الملتزم بقضايا العقلانية والتقدم والعدالة الاجتماعية في بلادنا.

ولذلك حينما نبحث مثلاً عن مفهوم العقل، لا بد لنا من البحث عن تحققه التاريخي في المجتمع الحديث وليس في غيره أو في ما قبله من المجتمعات، لأنه على وجه الدقة -كما يقول عبد الله العروي- هو المفهوم او المنظومة المكتملة المطابقة لنمط المجتمع الغربي الحديث، ولا يتطابق أبداً -بل يفارق- نمط المجتمع الإسلامي التقليدي، إذ لا جدوى من البحث عن مفهوم العقل في غير المجتمع الحديث الذي حققه تاريخياً، ما يعني وقف التعاطي مع التراث كشيء ثابت أو مقدس غير قابل للتفكير والتأويل، فالتراث لدى الغرب كانت له -عشية عصر النهضة- جذور مهدت لهويته التي تعاطت مع التنوير و الحداثة، أما في بلادنا فالتراث -كما يضيف العروي- هو الجذور والجذوع والهوية في نفس الوقت… وبالتالي ليس غريباً أن يحاول نظام العولمة الرأسمالي قيادتنا صوب الديمقراطية أو الحداثة كالعبيد.

وفي ضوء ذلك تتجلى أهمية استخدام مفاهيم التنوير والعقلانية والثورة الديمقراطية، في مجابهة أنظمة التبعية والتخلف وشرائحها البيروقراطية الكومبرادورية الحاكمة وفي مجابهة الجوانب السلبية لتراثنا، إذ لا يتولد مفهوم العقل من ماضوية أو جمود التراث بل من القطيعة المنهجية والمعرفية معه، وذلك شرط للعقل كعقلانية، فالعقل هنا، حسب هذا المفهوم، هو العقلانية التي تمثل مؤشر ورمز المجتمع الحديث وليس غير ذلك.

بمعنى آخر، لا يكون العقل عقلانية، ولا يُجسَّد في السلوك، إلا إذا انطلقنا من الفعل وخضعنا لمنطقه، من خلال عملية التجريد والتوضيح والتعقيل، لكي نتمكن من استبدال المنطق الموروث أو سلبياته تحديداً، لأن أي مقاربة لهذه الرؤية على واقعنا، نلاحظ حجم أو مسافة التفارق بينه وبين مفاهيم الحداثة والتنوير والعقلانية، والسبب في ذلك يعود إلى أننا منذ القرن 14 نعيش حالة من المراوحة الفكرية على تراث الغزالي وابن تيمية وابن القيم الجوزية او ما اسميه التواصل المعرفي مع هذه المحطات السالبة في التراث القديم (خاصة بعد إزاحة ابن رشد وابن خلدون والفارابي والكندي والمعتزلة فرسان العقل في الإسلام) من جهة ومع الأنماط الاقتصادية والاجتماعية القديمة من جهة ثانية، وهو تواصل حرصت عليه الطبقات الحاكمة في بلادنا بمختلف أشكالها وأنماطها التاريخية والحديثة والمعاصرة حتى يومنا هذا، وهو حرص استهدف دوماً إبقاء الوعي العفوي للأغلبية الساحقة من الناس في حالة من الجهل والتخلف بما يضمن استمرار مصالح الطبقات الحاكمة، وهنا تتبدى أهمية تفعيل واستنهاض دور المثقف في بلادنا لمجابهة وتغيير هذا الواقع، وهي عملية مشروطة باستيعاب مفهوم المثقف ودوره في هذه المرحلة الصعبة والمعقدة، ذلك أن هذا المفهوم من الناحية التاريخية هو مفهوم حديث، وهو مفهوم نخبوي رغم أن مفهوم النخبة قديم وسابق على مفهوم المثقف، لكنني في هذه الندوة لست معنياً بتاريخية هذا المفهوم بقدر اهتمامنا بمضمونه ودوافعه، فالمثقف هو الحامل لرسالة، لموقف، لرؤية نظرية مستقبلية من ناحية وهو أيضاً المثقف العضوي، “الداعية” “الاختصاصي” “المٌحَرِّض” “صاحب الايدولوجيا” أو حاملها، المدافع عن قضايا الحقوق والحريات، الملتزم بالدفاع عن قضية سياسية، او قيم ثقافية ومجتمعية أو كونية، بأفكاره أو بكتاباته ومواقفه تجاه الرأي العام، هذه صفته ومنهجيته، بل هذه مشروعيته ومسئوليته تجاه عملية التغيير التي يدعو إليها.

لذلك فإنني أرى ضرورة الجمع بين المثقف حامل الرسالة، وبين المثقف العضوي الملتزم تنظيمياً، بحكم تقاطع أو توحد الرؤيتين في نقطة التقاء هامة، وهي الوظيفة النقدية للمثقف، والوظيفة النقدية هنا تتخطى التبشير أو الرسالة إلى التغيير وتجاوز الواقع… المهم الزاوية الطبقية التي ينطلق منها المثقف، وبهذا المعنى لابد من أن أشير إلى انحسار دور هذا المثقف العضوي الماركسي في بلادنا بصورة مريعة ومقلقة، في هذه المرحلة التي تغيرت فيها مراتب القيم -كما يقول سمير بو عزيز- “فتقدمت الانتهازية والفردانية والاستهلاك، حتى أصبح لها منظروها ومشرّوعها الذين صنعتهم انساق وآلات سلطوية” قديمة أو جديدة أو مستحدثة كما هو الحال في وضعنا الراهن في فلسطين -على سبيل المثال وليس الحصر- عبر الصراع على السلطة والمصالح بين فتح وحماس ضمن هويتين متناقضتين وبرنامجين متناقضين من حيث الشكل، لكنهما من حيث الجوهر ليس هناك ثمة تناقض أساسي مع النظام الرأسمالي العالمي وأدواته في بلادنا، ويبدو أن السبب في ذلك يعود بدرجة أساسية إلى التفكك البنيوي الداخلي للحركة الوطنية عموما ولأحزاب وفصائل اليسار خصوصا التي تعيش اليوم حالة من غياب الدافعية الذاتية وغياب الوعي بالواقع وبالنظرية الثورية من ناحية وعجز وفشل هذه الفصائل والأحزاب بسبب أزماتها القيادية وضحالة الوعي في صفوف كوادرها وقواعدها من ناحية ثانية، الأمر الذي أدى إلى تراكم متغيرات طبقية وانتهازية معاً في صفوفها، وإلى الإسهام في تكريس التبعية والتخلف والفساد السياسي الاقتصادي والإداري الذي خلق بدوره مناخاً ملائماً لاتساع وتضخم دور تيارات الإسلام السياسي.

وهنا أود التأكيد على أهمية انحياز المثقف الماركسي لمصالح وأهداف الطبقات الشعبية الفقيرة، إذ أن هذا الانحياز الواعي والمسئول هو الأساس الأول في تحديد ما هية موقفه السياسي، ورؤيته الفكرية أو الأيدلوجية وفق ما يتطابق مع تطلعات الطبقات الشعبية وأهدافها المستقبلية، وفي هذا السياق أشير إلى ما اسميه الهوه أو الفجوة التي اتسعت بصورة غير مسبوقة بين أحزاب اليسار من جهة والجماهير الفقيرة من العمال والفلاحين والبورجوازية الصغيرة من جهة ثانية، في مقابل نشاط وتوسع أحزاب الأنظمة الحاكمة عموماً وأحزاب التيار الديني، الإخوان المسلمين وحركة حماس خصوصا،ً وهي ظاهرة تستدعي التأمل، خاصة وان حركات وأحزاب الإسلام السياسي -كما هو حال أحزاب الأنظمة الحاكمة- لا تتناقض جوهرياً مع النظام الرأسمالي، بل -بالإضافة إلى ذلك- لا تمانع في استمرار حالة احتجاز التطور والتبعية والتخلف باسم الصراع مع العلمانية والتقدم العلمي في بلادنا، الأمر الذي يفرض -كضرورة تاريخية راهنة ومستقبلية- أن تبادر قوى وأحزاب اليسار لإعادة بناء أحزابها وفق منطلقات سياسية قومية وأيدلوجية ماركسية، كمدخل وحيد لاستعادة دورها وقيادتها لحركة التحرر القومي والديمقراطي من أجل تجاوز وتغيير هذا الواقع المهزوم صوب مستقبل النهوض القومي والتحرر والوحدة والعدالة الاجتماعية بآفاقها الاشتراكية.

على أي حال لا بد أن أتدارك إصراري على مركزية الموقع الطبقي وأهميته في صوغ المثقف وتحديد ما هيته، لأقول أو أتقاطع مع شمولية مفهوم المثقف التي تتضمن الموقع الطبقي بالإضافة إلى مواقع أو رؤى إبداعية أخرى… مثل المثقف المتخصص في مجال العلم أو المجتمع والعلوم الإنسانية، لكنني في كل الأحوال أرى نفسي منحازاً للمثقف وفق ارتباطه بالموقع الطبقي… فهذا هو الأصل عندي رغم أي خلاف بيني وبين الآخرين في هذا الجانب.

أما بالنسبة لاجتهادي المنحاز لشمولية مفهوم المثقف، فإن الشمولية التي أقصدها هنا لا تتناقض مع التعريفات التي عبّر عنها مجموعة من المفكرين في تعريفهم للمثقف بأنه ” هو الإنسان الذي يضع نظرة شاملة لتغيير المجتمع” أو هو المفكر المتميز المسلح بالبصيرة كما يقول ماكس فيبر، أو هو الذي يمتلك القدرة على النقد الاجتماعي والعلمي والسياسي أو هو المفكر المتخصص المنتج للمعرفة، وهي تعريفات عامة لا تحرص على تحديد الزاوية أو الموقع الذي ينطلق منه ذلك المثقف في ممارسة النقد الاجتماعي أو السياسي أو في صياغته للنظرة الشاملة للتغيير… والزاوية التي اقصدها هي الموقع الطبقي بالتحديد (عبر الالتزام التنظيمي بالحزب الماركسي)، فهو الغاية والقاعدة المنتجة والمحددة لكل رؤية فكرية ثقافية أو لكل ممارسة نقدية.

وعلى ضوء ذلك لا اتفق مع “سارتر” حينما يعرف المثقف بأنه “الإنسان الذي يدس انفه فيما لا يعنيه”، بل اتفق تماماً مع جرامشي -كمفكر رائد- الذي ميز بين نوعين من المثقف وهما:

المثقف العضوي، والمثقف التقليدي.

“المثقف العضوي (أو الحزب بالمعنى الجمعي) عند “جرامشي” هو الذي يعمل على إنجاح المشروع السياسي والمجتمعي الخاص بالكتلة التاريخية المٌشَكّلة من العمال والفلاحين الفقراء، أما المثقف التقليدي فهو الذي يوظف أداوته الثقافية للعمل على استمرار هيمنة الطبقة أو الكتلة التاريخية السائدة منذ (العبودية والإقطاعية) أو عصر البرجوازية كما في البلدان الرأسمالية الحديثة، أو في البلدان التابعة والمتخلفة حيث تهيمن الطبقة السائدة أو تحالف البيروقراطية والكومبرادور والبورجوازية الرثة كما هو الحال في بلادنا.

في ضوء ذلك يحدد “جرامشي” دور المثقف ومسئوليته تجاه الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها ، سواء في إنتاج المعرفة أو الموقف، فالمثقف عنده هو “كل إنسان يقوم خارج نطاق مهنته بنوع من أنواع النشاط الفكري”.

ولا يختلف الدكتور هشام شرابي مع “جرامشي”، فهو يرى أن للمثقف صفتين رئيسيتين:

الأولى: هي الوعي الاجتماعي الكلي بقضايا المجتمع من منطلق بناء فكري محكم، والثانية: هي الدور الاجتماعي الذي يلعبه بوعيه ونظرته، فالوعي الاجتماعي هنا يقود إلى القيام بدور اجتماعي إذ لا دور سياسي أو اجتماعي بدون وعي اجتماعي أو وعي بالواقع.

مرة ثانية، أود التذكير بان مفهوم المثقف هو مفهوم حديث نسبياً، يعود استعماله لأول مرة في فرنسا (دون أن نلغي انه كان قبل هذا الاستعمال، مجموعة من أهل العلم والثقافة متميزين عن عامة الناس في أوروبا أطلق عليهم اسم “الاكليروس” في القرون الوسطى، ثم فلاسفة عصر الأنوار).

على أي حال بروز مفهوم المثقف في فرنسا ارتبط بقضية “درايفوس” وبراءته من تهمة التجسس للألمان، بعد أن كتب المفكر الفرنسي “اميل زولا” مقالته الشهيرة آنذاك “إني اتهم” وكان لها تأثيرها في صدور بيان حمل توقيع “المثقفين” في فرنسا يطالب بإعادة محاكمة “الفريد درايفوس”، فقد رسم ذلك البيان معالم ومعايير المثقف او المفكر عبر شرطين:

الأول: الرغبة والإصرار على كشف الحقيقة.

الثاني: أن يكون المثقف شجاعاً، ومستعداً للذهاب بالنقد إلى ابعد مدى، من أجل الإسهام في تجاوز العوائق التي تعترض نهوض وتطور المجتمع الذي يعيشه.

وهنا نتقاطع مع تعريف المفكر الأمريكي التقدمي “نعوم تشومسكي” بأن المثقف هو “من حمل الحقيقة في وجه القوة”، كما نتقاطع أيضاً مع تعريف مفكرنا الماركسي العربي د. سمير أمين الذي يرى بحق أن “المثقف الثوري هو من يرفض الخضوع لمقتضيات العولمة الرأسمالية ويشترك في إنتاج المشروع المجتمعي النهضوي”.

فأين المثقف الفلسطيني -والعربي عموماً- من كل هذه التعريفات؟

يبدو إننا أمام ثلاثة أصناف: المثقف المهاجر، والمزيِّف والحقيقي، أما المثقف المهاجر فهو على نوعين، أما هاجر إلى الخارج (بالمعنى المكاني) إلى بلاد العم سام أو أي بلد أوروبي، وهناك عاش وأقام وحصل على الجنسية والعمل أو اللجوء السياسي، ثم عبَّر عن حياته أو رؤيته بدراسات أو أفكار لا تخرج عن جوهر الفكر الليبرالي أو سياق المعرفة في تلك البلاد مع هامش يساري أو وسطي توفيقي في اغلب الأحيان، دون إغفال الحنين إلى الوطن والتراث.

أما النوع الثاني فهو مهاجر في الداخل مغلقاً على نفسه شرنقته، رغم إقرارنا بإحساسه بالاغتراب الذي يشكل في كثير من الأحيان مبرراً للهروب في الشرنقة بدلاً من المواجهة، وفي هذا السياق نشير إلى أن الاغتراب عندنا نوعين: اغتراب سلفي يعيد إنتاج –القديم، واغتراب حداثوي لدى النخب الليبرالية.

أما المثقف المٌزيِّف ولا أقول الوهمي، فله ثلاث وظائف: التبرير، التخدير، والتزييف، وكلها تقوم على فلسفة الباطل وقلب الحقائق في خدمة الرئيس أو الحاكم، (أو في خدمة المخطط المركزي لمنظمات NGO S في العواصم الغربية) كما لا حظنا عند توقيع اتفاق أوسلو وتهليل هذا النوع من المثقفين لذلك الاتفاق وما سيجلبه من خير عميم في الضفة وغزة على مثال سنغافورة، ثم التهليل لكل اتفاق أو مخدر جاء بعده وصولاً إلى خارطة الطريق، وخطة شارون ثم أولمرت ثم ما يسمى بـ”الدولة القابلة للحياة” حسب الرئيس الأمريكي بوش، إلى جانب ما لاحظنه -وما زلنا- من تبرير مظاهر الخلل والفساد وتراكم الثروات غير المشروعة لدى العديد من رموز السلطة، بل وتسويغ مشاريعهم والدفاع عن ممارساتهم في السياسة أو في المجتمع، هبوطاً أو استبداداً، وكما نشاهد أيضاً من نشر الأوهام أو الآمال الكاذبة من أولئك المثقفين الانتهازيين المدفوعي الثمن في السلطة أو في منظمات الـ NGO S بدواعي ليبرالية رثة فارغة من أي مضمون سوى تزييف الشعارات حول تغيير الأوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية صوب الأحسن دونما أي مؤشر حقيقي يدل على ذلك، سوى مؤشر الفساد في القيم والأخلاق الناتج عن الفساد الاقتصادي والسياسي، وصولاً إلى حالة الانقسام في نظامنا السياسي ومجتمعنا وهويتنا الفلسطينية، في ضوء ما جرى منتصف شهر حزيران (يونيو) 2006 وسيطرة حركة حماس على قطاع غزة، وتطور هذه السيطرة إلى شكل من أشكال الهيمنة السياسية والاجتماعية والثقافية على القطاع من منطلق الهوية الدينية أو الإسلام السياسي، عبر ممارسات مجتمعية واستبداد، ضد الأفراد وضد حرية الرأي والمعتقد السياسي بعيداً عن روح القانون والتجربة الديمقراطية التي تتعرض لعوامل التفكك والانهيار.

النوع الثالث والأخير هو: المثقف الحقيقي، أو العضوي، الملتزم الذي يعمل أو يناضل من أجل مصالح الكتلة التاريخية من فقراء شعبنا وكادحيه بما يحقق مشروعهم السياسي والاجتماعي في التحرر والعدالة الاجتماعية والقانون العادل والديمقراطية، هذا هو المثقف الحقيقي الذي يشق طريقه رغم الاغتراب من ناحية ورغم مرارة الواقع وقسوته من ناحية ثانية، مدركاً بوعي لمصيره ودوره المستقبلي رغم تواصل المحاولات من حوله لاغتيال أفكاره اجتماعياً (في سياق الصراع الفكري والسياسي) أو ربما في محاولة اغتياله او تصفيته جسدياً او إرهابه، كما جرى للكواكبي، وشهدي عطيه، وفرج الله الحلو، وحسين مروه، ومهدي كامل، وفرج فوده، ونصر حامد أبو زيد، ونجيب محفوظ، وآخرين.

في ضوء كل ما تقدم انتقل الآن إلى الحديث بصورة مكثفة عن واقع المثقف الفلسطيني، فمنذ بداية القرن العشرين انقسم المثقفين الفلسطينيين إلى فئتين أساسيتين على قاعدة الانتماء الطبقي النخبوي آنذاك، الأولى وكان من بينها عدد من الكتاب والصحفيين التزمت بالخط او التوجه الوطني العام في سياق الحركة الوطنية، والثانية اتخذت بعداً مصلحياً او مهادناً للانتداب البريطاني مثل حزب الزراع، وبعده حزب الدفاع.

لكن الملاحظة الأساسية هنا أن الشرائح او الطبقات الفقيرة من عمال وفلاحين لم تستطع ان تقدم من بين صفوفها عدداً او مجموعة من المثقفين بحكم الأوضاع الاجتماعية القاسية لهذه الشرائح من ناحية وبحكم هيمنة الشرائح او الطبقات شبه الإقطاعية وشبه البرجوازية على قيادة الحركة الوطنية من ناحية ثانية، وبالتالي فإننا نلاحظ توحد الانتماء الطبقي بالنسبة للمثقف الوطني او للمثقف المهادن عدا نفر قليل جداً.

وطوال الفترة منذ وفاة موسى الحسيني 1932، وقيام الأحزاب الوطنية حتى عام النكبة 1948 استمر دور المثقف الفلسطيني موزعاً بين المجلسيين والمعارضة،(كلاهما امتداد للطبقة شبة الاقطاعية من كبار الملاك الذين تميزوا بمهادنتهم للانتداب البريطاني) إلى جانب عدد من المثقفين الوطنيين والتقدميين الذين التحقوا بعصبة التحرر الوطني، او في إطار حركة عز الدين القسام، وفي هذا السياق وللتاريخ أقول لقد رفضت ما تسمى ب”قيادة الحركة الوطنية” آنذاك أن تتعاون مع العصبة او مع الحركة الثورية القسامية.

بعد النكبة توزع المثقف الوطني الفلسطيني ضمن ثلاثة أطر سياسية -بصورة مباشرة وغير مباشرة- هي الإطار الديني(الإخوان المسلمين)، والإطار القومي (البعث وحركة القوميين العرب والناصرية)، والإطار الماركسي الأممي (الأحزاب الشيوعية)، بسبب ظروف ما بعد النكبة التي حالت دون تشكيل أحزاب وطنية فلسطينية، ولكن في أواخر الستينات برز التنظيم الفلسطيني في إطار حركة القوميين العرب، ثم نشأت حركة فتح، وكلاهما من منبت طبقي متشابه.

ومع هزيمة حزيران (يونيو) 1967 تعمق دور المثقف الوطني الفلسطيني في إطار فصائل المقاومة، وكان لفتح دوراً هاماً في تعزيز فكرة الوطنية الفلسطينية بعيداً عن التفاعل السياسي والتنظيمي مع البعد القومي العربي، تحت شعار “عدم التدخل في شؤون الدول العربية”.

وفي هذه المرحلة تنامى دور المثقف الفلسطيني وإبداعه، ولكن مع تطور مظاهر التفرد والهبوط في الثورة الفلسطينية ظهر بصورة تدريجية الدور التبريري الانتهازي في أوساط المثقف الفلسطيني دفاعاً عن القيادة الفردية المتنفذة ومصالحها، وهو دور كبر وتوسع مع كل محطة من محطات التراجع، خاصة ما شاهدناه بعد قيام السلطة عام 1994 إلى اليوم.

ومع انكسار وتراجع المشروع القومي والأممي، تعمق الانقسام الأفقي بين أوساط المثقفين الفلسطينيين، حيث نلاحظ تنامي وتعدد التيارات السياسية الهابطة عبر شكلها الليبرالي المزيف او الرث إلى جانب التوسع والانتشار غير المسبوق للتيار الديني السلفي عموما ولحركتي حماس والجهاد خصوصاً، وفي هذا الجانب لا يمكن إنكار الدور النضالي والتضحوي المميز للحركتين ضد العدو الإسرائيلي من ناحية وضد فساد السلطة من ناحية ثانية في مقابل ضعف الأطر العلمانية اليسارية والقومية التي تراجع تأثيرها في الاوساط الشعبية إلى حد كبير، لأسباب موضوعية وذاتية متنوعة، وكان هذا التراجع -ومازال- أحد الأسباب التي أسهمت في تزايد انتشار وهيمنة التيار الديني في بلادنا، الأمر الذي يفرض إعادة النظر في برامج ومرجعيات قوى اليسار السياسية والثقافية، وبالتالي الإجابة على السؤال المركزي التالي:

-إلى أي مدى يساهم المثقف القومي التقدمي في رسم الخارطة الثقافية، العربية/ الفلسطينية؟ وكيف يمكن استنهاض وبلورة مشروع ثقافي عربي يتصدى لتحالف العولمة الأمريكي الصهيوني؟

أعتقد أن رسم الخارطة الثقافية مهمة ليست سهلة، تحتاج من حيث المبدأ إلى عملية تجديد، وهو تجديد لا يتم إلا من خلال إعادة بناء وممارسة الحداثة في معطياتها وتاريخها ارتباطاً بالتطور المادي الحضاري لمجتمعاتنا، بما يؤدي إلى ترابط الماضي بالحاضر والمستقبل. والشرط الاول لدخول عصر العلم والتقانة والتطور الفعال يكمن في امتلاكنا للروح النقدية والعقلانية والديمقراطية.

ففي ظروفنا الثقافية العربية الراهنة نكتشف بؤس الحداثة العربية المتأخرة كما يرى بحق د.فيصل دراج، بسبب أن المجتمع العربي هو مجتمع تابع ومتخلف تحكمه علاقات ما قبل الحداثة العشائرية والطائفية. وتغيب أو تتعطل فيه الى درجة كبيرة معظم أشكال سيادة القانون أو الديمقراطية أو المساواة أو الحرية أو المواطنة، انه مجتمع مشوه، مجتمع الامتثال والطاعة، يتجاور مع “ثقافة السلام” أو “ثقافة الاستهلاك” والتبعية والخصخصة التي لا تتوافق مع تطلعات الجماهير أو الأغلبية بل تتناقض معها.

وهنا بالضبط تكمن أهمية المثقف الملتزم التي لا تقوم على تبرير الوضع القائم بل ممارسة النقد لما هو كائن التزاما بما يجب أن يكون، عبر كل أشكال الثقافة التنويرية التقدمية في الأدب والشعر والمسرح والرواية والفنون والاقتصاد والسياسة والتعليم والتلفزيون والصحافة…الخ.؟

على أي حال في مواجهة السؤال: ما الذي جرى لنا حتى نضب فكرنا على هذا النحو في معظم المجالات: في الاقتصاد، والسياسة، والثقافة، والإعلام … والجواب الصريح يكمن في هذا التراكم المتسارع في عوامل التبعية والتخلف والارتهان، هذا هو سبب فشل مجتمعاتنا في صناعة فلاسفة كبار على مدار التاريخ الحديث والمعاصر، او تلك القطيعة المعرفية السائدة منذ ابن رشد وابن خلدون الى يومنا هذا، حيث كان ومازال تخلف المجتمع واحتجاز تطوره سبباً في غياب دور الثقافة كسلطة اجتماعية تفرض نفسها بالاصطدام بالواقع وتغييره في مجال التنمية والتصنيع والتقدم الشامل من ناحية وعبر المشاركة الشعبية لكل القوى والمؤسسات المنتجة والمبدعة من ناحية ثانية.

الحقيقة إن المثقف العربي قادر على التعاطي والتفاعل مع التطور والحداثة .. لكن قبضة البيروقراطية والاوتوقراطية الحاكمة تحول دون ذلك.. وهي قبضة لا بد من مواجهتها وكسرها.. وتلك هي المهمة الرئيسة كيف؟ ليس بالرفض السياسي للعولمة فحسب، بل باستيعاب جوهرها العلمي، واستخدام كافة العناصر والمقومات الفكرية والتكنولوجية والاقتصادية في مواجهتها، انطلاقاً من ظروف ومحددات واقعنا المباشر .. وهذه المواجهة تحتاج إلى صحوة قومية بالمعنى السياسي والعلمي والاجتماعي والاقتصادي والأيدلوجي من أجل كسر وإزاحة عوامل التخلف والتبعية و من ثم إخضاع مستقبلنا كعرب وفقا لتطلعاتنا وليس وفقاً لشروط العولمة.

إذن لا بد من التأسيس لحركة تقدمية عربية تملك رؤية قومية وإنسانية نقيضة لرؤية العولمة الرأسمالية، وتسعى إلى تجاوز هذا الواقع العربي المهزوم والمأزوم وبناء البديل القومي الديمقراطي العربي الموحد.

أخيرا، إن المهمة الثقافية الكبرى التي تنتظر المثقف العربي التقدمي اليوم هي بناء عقل حديث لحركة التحرر القومي العربية بآفاقها الاشتراكية.

وهنا بالتحديد لابد من مراجعة وإعادة بناء الوعي الأيدلوجي الماركسي ووحدته الجدلية والمباشرة بكل تفاصيل ومكونات واقعنا العربي.

من هنا تتجلى أهمية الدعوة إلى امتلاك الوعي الأيديولوجي المرتبط والمعبر عن النمط الإنتاجي الاشتراكي النقيض، وهي دعوة تتطلب التوقف النقدي أمام الحالة المجتمعية الاقتصادية والثقافية العربية التي وصلت الى حالة من الهبوط المعبر عن مصالح الشريحة البيروقراطية الحاكمة في إطار تحالفها مع الشريحة الكومبرادورية والبرجوازية الرثة في بلادنا وفق شروط الارتهان والاحتواء والخضوع والهزيمة، ففي هذه المرحلة يأخذ الشعار او القول الثقافي باسم “زمن السلام” المفترض، عمومية مبرمجة وعميقة -بتراكمات بطيئة بالطبع- عبر شعارات الانفتاح في إطار السلطة الفلسطينية وكافة الأنظمة العربية، إلى جانب الدور المرسوم للعديد من المنظمات غير الحكومية، للتعاطي مع الواقع أو الزمن الجديد، وهي شعارات حَلَّت -في جزء هام من الذهنية الشعبية- محل شعارات الثقافة الوطنية والقومية وثقافة المقاومة في إطار قطري جامد ومنغلق لا يعيش اي منها -بهذه الدرجة او تلك- زمنا حضاريا حداثيا ولا ينتسب له جوهريا بسبب فقدانها للأدوات الحداثية الحضارية والمعرفية، وأول هذه الأدوات -بل وأهمها- الأيديولوجيا التي يستطيع الناس من خلالها -كما يقول ماركس- ان يعوا حقيقة الصراع من حولهم وان يشتركوا في مباشرته لتغيير واقعهم”، بما يمكنهم من العمل على تكييف الواقع ومطابقته لمصالح الأغلبية الساحقة وفق قواعد العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والديمقراطية.

بالطبع، إننا ندرك ان الواقع الراهن يفرض على الطبقات الفقيرة المضطهدة القبول -بصورة اكراهية وعفوية في آن- بالأيديولوجيا السائدة او أيدلوجية الإسلام السياسي ما دام المثقف اليساري الملتزم لم يمارس دوره المطلوب -على صعيد الفكر والممارسة- في بلورة أيديولوجية الفقراء، مما يتيح استمرار تغلغل إيديولوجية الطبقة او الشرائح الحاكمة في أوساط الكادحين والفقراء عبر صور شتى، منها العادات والتقاليد والأفكار السياسية الاجتماعية الى جانب تأثير أجهزة الإعلام من الفضائيات التي تدخل كل بيت الى الصحافة والخطاب الثقافي الانتهازي الرسمي بهدف اكساب الوعي العفوي للفقراء والمضطهدين، مزيدا من الوعي الزائف في شكله المعاصر وهو وعي نقيض لمصالحها، لكنه للأسف هو الوعي السائد، وهنا تتجلى الضرورة الموضوعية لإنتاج وبلورة الأيديولوجيا النقيضة، لكنها ضرورة مرهونة بالبعد الذاتي (الحزب الماركسي) الغائب الى حد كبير حتى اللحظة، وبالتالي فإنني أتوجه الى المثقفين والمفكرين التقدميين في فلسطين والبلدان العربية بنداء يهدف الى حوار من أجل تأسيس حركة تقدمية عربية جديدة استنادا الى الأزمات العميقة التي باتت تعيشها الطبقات الشعبية وحالة الافقار التي باتت تدفع إليها في كل اقطارنا العربية في سياق تفاقم الصراع الطبقي ضد الرأسمالية التابعة في بلادنا، التي نهبت المجتمع خلال العقود الماضية، وأيضا استنادا الى حالة الاحتقان العميق الذي اوجدته الغطرسة الصهيونية والاحتلال الامبريالي، حيث بات من الواضح اليوم أن إنهاء نظم الرأسمالية التابعة هو جزء من مواجهة المشروع الامبريالي الصهيوني، وعلى ضوء ذلك ندعو الى التفاعل والحوار من أجل إعادة بناء التصور الأيديولوجي الذي يعيد الاعتبار للحلم الاشتراكي، كما ندعوهم إلى البحث الجاد في الواقع العربي من أجل بلورة المشروع القومي الديمقراطي، مشروع الاستقلال والوحدة القومية والتطور والديمقراطية والحداثة، كمشروع تنفتح فيه مقومات المشروع الثقافي العربي النهضوي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons