جودة عبد الخالق: الدولة المصرية تبدو عاجزة عن كسر شوكة المحتكرين

في عموده الأسبوعي بجريدة الأهالي المصرية-لسان حال حزب التجمع، الأربعاء 19 أكتوبر/تشرين الأول، تناول الدكتور جودة عبد الخالق، وزير التموين الأسبق، وعضو المكتب السياسي للحزب، تناول ظاهرة صعوبة حصول المواطنيين لبعض السلع الاستراتيجية، وخلص الى أن الدولة المصرية تبدو عاجزة عن كسر شوكة المحتكرين.

جاء في المقال:

الاحتياطي من السلع الاستراتيجىة آمن. هكذا تتكرر تصريحات المسئولين يوميًا تقريبًا، فيما يشبه الأسطوانة. لكن أخشى أن أقول إنها أسطوانة مشروخة! فما جدوى أن يصرح رئيس الوزراء ووزير التموين بأن الاحتياطي من السلع الاستراتيجية آمن والناس يجدون صعوبة في الحصول عليها؟ هذه الظاهرة انتشرت كثيرَا في الأسابيع والشهور الأخيرة. وأصبحت مصداقية المسئولين على المحك. ينطبق ذلك على كل المستويات: من رئيس الوزراء إلى الوزير إلى المدير. التصريحات في واد والواقع في واد آخر. لكن المدهش أن المسئولين عندنا لا يكفون عن مثل هذه التصريحات المستفزة. ولا نعرف إن كانوا يكذبون أو يتجملون. أيا كان الأمر، فالنتيجة هي التخبط والارتجال في إدارة شئون البلاد والعباد.

خذ سلعًا تمس الحياة اليومية للمواطنين مثل الأرز والسكر. منذ فترة ليست طويلة أكد المسئولون أن الاحتياطي من السكر آمن، وأن لدينا مخزونًا سموه استراتيجيًا يعادل استهلاك البلاد من السكر لمدة عام كامل. بل أن الرئيس السيسي قال مثل هذا الكلام بناء على المعلومات التي وضعوها أمام سيادته على خلاف الحقيقة. الحقيقة أن ما سموه “احتياطي استراتيجي” هو “مخزون راكد”، عجزت عن تصريفه الشركات المنتجة للسكر سواء من القصب أو من البنجر في القطاعين العام والخاص بسبب سياسات الدولة المنحازة للتجار والمستوردين وعلى حساب الصناع والمنتجين. ما علينا، قالوا بالفم المليان السكر في كل مكان. وفجأة قال نفس المسئولون: سنستورد مئات الآلاف من الأطنان من السكر لتلبية احتياجات المواطنين.

والسؤال: أين ذهب مخزون السكر الذي أكدوا مرارًا أنه يكفي استهلاكنا لمدة عام كامل؟ هل يا ترى ذاب السكر أو تبخر أو تم تصديره أو تهريبه؟ هل الحقيقة أنه لم يكن لدينا أصلاً احتياطي إستراتيجي بالكمية التي أعلن عنها المسئولون؟ ولماذا لم يخرج علينا أي مسئول لكي يعتذر أو على الأقل يُفسِّر؟ السكر في المحروسة أصبح أشبه بطائر الرُّخ، تسمع عنه ولا تجده. وإن وجدته فبضعف ثمنه الطبيعي. فهنيئًا للتجار، ولا عزاء للفقراء. ولننتقل من مأساة السكر إلى مهزلة الأرز. قال المسئولون: سنقضي على جشع التجار ونحقق استقرار سعر الأرز بدخول هيئة السلع التموينية مشترية للأرز الشعير من الفلاحين مباشرة. وحددت وزارة التموين 2600 جنيه سعرا لطن الأرز. وفجأة أعلنوا أن الهيئة ستستورد الأرز من الخارج للسيطرة على الأسعار وكسر احتكار التجار. والسؤال: إذا كان إنتاجنا من الأرز يزيد على احتياجاتنا، وإذا كان التصدير محظورًا، فلماذا نستورد؟ وأين ذهب الأرز؟.

للأسف الشديد، أن الدولة تبدو الآن عاجزة عن كسر شوكة المحتكرين. والغلابة يدفعون الثمن. ولعل من المفيد أن نُذكِّر السادة المسئولين بتجربتنا في إدارة سوق الأرز عندما كنت وزيرًا للتموين من فبراير(شباط) 2011 إلى أغسطس(آب) 2012. وضعنا نظامًا جديدًا في موسم 2011/2012 بالاستناد إلى المبادئ الاقتصادية. نسقنا مع وزارة الصناعة والتجارة لاستمرار حظر تصدير الأرز، وشدَّدْنا من إجراءات مكافحة التهريب. غيَّرْنا نظام مناقصات الأرز بحيث تكون المناقصة لمدة 3 شهور بدلاً من شهر، لضمان إستقرار أكبر في السوق. وأضفنا شرطا بأنه من حق الهيئة إلغاء المناقصة إذا لم يعجبها السعر وذلك لضرب تواطؤ التجار والمضاربة على السعر. ولأول مرة دخلت الهيئة سوق الأرز الشعير كمشترية من الفلاحين لتكوين رصيد لموازنة السوق. وكانت النتيجة تحقيق درجة عالية من إستقرار سعر الأرز وتوفيره للسوق المحلية، وضمان الأمن الغذائي للمواطنين، وانخفاض فاتورة دعم الأرز. أتمنى أن يقوم المسئولون بدراسة هذه التجربة والإستفادة بها في إدارة ملف الدعم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons