في فهم الاستبداد الستاليني

كتب : مجدي عبد الهادي*

لا شك أنها مفارقة تاريخية أن تكون التجربة الاشتراكية النموذج واحدة من أعتى وأعنف الديكتاتوريات في التاريخ، فالاشتراكية التي تبشر بمجتمع عقلاني عادل، ينبذ الاعتباطية والفساد والاستغلال، ويحرر جموع الشعب العامل من طغيان المستغلين، صلبه وناعمه، لا يمكن أن تتسق منطقياً ولا عملياً مع واقع التجربة السوفييتية، أو المُتعارف على تسميتها بالستالينية!

فالاشتراكية إذا ما تم تعريفها بأكثر التعريفات السياسية تجريداً، لا تعدو أن تكون هى بذاتها “ديمقراطية مُتحررة من مصالح المستغلين”، فلا نقول أن الديمقراطية مهمة للاشتراكية، ولا نقول حتى أن الاشتراكية غير ممكنة كلياً بدون ديمقراطية، بل نقول أن الاشتراكية نفسها ليست سوى ديمقراطية أوسع نطاقاً وأوفى تطبيقاً!!

فما الذي حدث تحديداً في التجربة السوفييتية وقادنا لهذه النتيجة المأساوية المناقضة كليةً لمحتوى ومضمون الاشتراكية ؟!

الضرورة

تُفهم الأشياء والوقائع دائماً، وفقط، ضمن ومن خلال سياقاتها، أي تاريخها؛ ولهذا ننبذ بدايةً وكلياً كافة التحليلات الذاتية المتمحورة حول شيطنة – المُغرضة أحياناً والبلهاء أحاييناً أخرى – شخص ستالين، تلك التفسيرات التي تختزل مرحلة تاريخية كاملة في أفعال وأخطاء وجرائم شخص واحد، كما لو كان إلهاً يحدد المصائر ويكتب التاريخ في الواقع، لا الكتب!

وهكذا فلفهم المآلات التي انتهت إليها التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي ، كحالة دراسة نموذجية ومُمثلة لأغلب الحالات، يجب أن نعود للسياق التاريخي التي وُجدت فيه تلك التجربة، وفهم طبيعة التحديات والضرورات والملابسات الخاصة بهذا السياق، ولضيق المجال سنركز على أكثرها أهمية، وهو تحديداً الضرورة التاريخية، أي التحدي الأكثر جوهرية لمرحلة تاريخية معينة، ما يجب إنجازه لمجتمع ما في مرحلة تاريخية ما؛ كي يستطيع المضي قُدماً على طريق التقدم الاجتماعي.

فإذا ما نظرنا لحال روسيا السوفييتية إبان الثورة؛ فسنجد مجتمعاً زراعياً متخلفاً، لم ينجز تحوله الرأسمالي بعد، بل هو في الواقع لم ينجز مرحلته الأولى، أي مرحلة “التراكم الرأسمالي البدائي”، تلك المرحلة التي تتراكم فيها رؤوس الأموال بكافة الطرائق المشروعة وغير المشروعة، ومن كافة الروافد الاقتصادية وغير الاقتصادية؛ بهدف الوصول لحجم الاستثمارات الحرج الذي يحقق – بتعبيرات الاقتصاديين التنمويين – الدفعة القوية التي تكسر حلقة الفقر المُفرغة، من خلال عملية إعادة إنتاح مُوسعة، تكفل بتكرارها عبر فترة زمنية معقولة تنمية قاعدة إنتاج تحقق النمو الذاتي المُستمر مُستقبلاً.

هذه ضرورة تاريخية لإنجاز الرأسمالية ذاتها، ناهيك عن الاشتراكية التي يُفترض أن تعقبها، وهى كضرورة ذات طابع مادي لا يمكن القفز عليها، بل لابد من إنجازها، حتى وإن تم ذلك في إطار علاقات اجتماعية مختلفة، ذات طابع اشتراكي، لا رأسمالي، فالضرورة التاريخية تبقى على طابعها وقانونيتها الأساسية، تُنجز ولا تُتجاوز!

ودائماً ما تُشتق المهمة التاريخية من الضرورة التاريخية، وهو ما جعل أولوية الاتحاد السوفييتي كما قدمها ستالين عام 1928م هى “اللحاق بالغرب” الذي يسبقنا بما يتراوح بين 50 و100 سنة وإلا “فالثورة مُهددة”، وهى حقائق يقرّها كل ذي حس سليم، إتفق أو اختلف مع ستالين!

فإذا ما أخذنا بالاعتبار أن هذه المهمة التاريخية قد استغرقت من تاريخ بريطانيا ما يقرب من 150 سنة حافلة بالاستبداد والإقصاء الاجتماعي والطبقية وضنك المعيشة، فلنا أن نتخيل الصورة النهائية لإنجاز ذات المهمة من مستوى تطور أقل وبدون مزايا الهيمنة الاستعمارية وبدرجة تكثيف أكبر كيفاً بحكم مستوى التطور (أي ضرورة تطوير شامل مُخطط) وزمناً بحكم الحصار والتهديدات (أقل من 30 سنة بدلاً من 150 سنة)!!

ولهذا فالتصنيف والتوصيف التاريخي الصحيح للتجربة الستالينية، إنطلاقاً من سياقها التاريخي، لا من لافتاتها الإيديولوجية أو أدواتها الفكرية، هو أنها تجربة “تنمية قومية مُكثفة”، فمحركها “قومي” باعتبار منطلقها وهدفها الصمود في معركة أمن وطني ضد التهديدات الخارجية، ومحتواها إنجاز “التراكم البدائي” و”التنمية الاقتصادية” المتمحورة حول التصنيع وبناء الطاقة الإنتاجية واكتساب التقنية، أي التنمية التي يتقدم شقها المادي على الإنساني بحكم مستوى تطورها المنخفض، وهى بهذا الطابع “القومي” وبطبيعة مرحلتها “التنموية” المنخفضة تكون قد خرجت نهائياً من عباءة الاشتراكية؛ ليس لأخطاء نظرية ذات صلة بخلافات ستالين وتروتسكي، ولا لخيانات فكرية وسياسية كما يزعم البعض، وإنما لاعتبارات موضوعية تماماً تتعلق بمستوى التطور التاريخي، وبطبيعة الضرورة التاريخية التي يطرحها، فضلاً عن سياقات وملابسات التجربة من حصار وتهديدات شددت من مستوى تكثيف أداء المهمة كيفاً وزمناً بما زاد بطبيعة الحال من حدتها وتكاليفها!

المُقومات

معروف بما يوفر علينا الجدل أن للديموقراطية مُقومات عديدة، اقتصادية واجتماعية وثقافية ومؤسسية .. إلخ، وما يعنينا منها هنا هو الاقتصادية منها، ليس فقط لكونها أساس المقومات الباقية وشرطها المادي المانع، لكن أيضاً لاتصالها بالضرورة سالفة الذكر.

فالديمقراطية في قلبها الاقتصادي إنما تتجسد في نمط توزيع ما للفائض الاقتصادي التوزيعي، أو الدخل القومي بتعبير آخر، باعتبار ذلك الفائض أو الدخل هو قلب الصراعات الاجتماعية أساساً، ومحتوى الديموقراطية وخلاصتها النهائية إنما يتجسدان في نمط التوزيع المُحتمل بالنسبة للمجتمع في ضوء مستوى تطوره الاقتصادي وحجم قواه الإنتاجية ومُعدلات نموه الضرورية وحجم نفقاته الوظيفية، ويتحدد هذا المحتوى ابتداءً بحجم ذلك الفائض أولاً، فكلما زاد ذلك الفائض زادت بداهةً الموارد القابلة للتوزيع، كما يتحدد ثانياً بنمط العلاقات الإنتاجية نفسها، وما تتيحه من إمكانات تفاوضية بين الطبقات العاملة والمالكة لأدوات الإنتاج، ويتحدد أخيراً بمستوى الوعي الطبقي والاجتماعي والمؤسسي للطبقات العاملة نفسها.

فإذا ما نظرنا لأغلب الدول التي اُصطلح على تسميتها بالدول الاشتراكية، تلك الدول التي طبقت ملامحاً لا غير من النظام الاشتراكي، فإننا نجد أنها جميعاً، وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي ذاته وفي قلبه روسيا نفسها، كانت دولاً متخلفة ومتأخرة اجتماعياً، تعاني أولاً من تخلف وفقر شديد في قواها الإنتاجية بما لا يسمح بإنتاج فائض توزيعي يحتمل توزيعاً ديموقراطياً واسعاً، بل هى في الحقيقة لم تكن قد انجزت بعد مرحلة تراكمها الرأسمالي البدائي، فضلاً عن تحملها نفقات وظيفية هائلة من هذا الفائض التوزيعي لأجل الشئون الإدارية والعسكرية وما شابهها من ضرورات مواجهة الحصار والتهديدات الخارجية، كما تعاني ثانياً من تقاليد بيروقراطية استبدادية شرقية موروثة وتخلف اجتماعي وثقافي لا يوفر بيئة رقابة ومشاركة شعبية حقيقية.

وهكذا غابت المقومات الاقتصادية للديمقراطية والاشتراكية، وما تتشابك معها من مقومات أخرى اجتماعية وثقافية؛ بتأخر مستوى التطور، كما لعبت السياقات والظروف الخاصة المحيطة بدول التجارب الاشتراكية، فضلاً عن خلفياتها وخصوصياتها التاريخية، دوراً في تعزيز آثار هذا التأخر والغياب؛ بما أنتج لنا في النهاية استبداديات شرقية بوجوه حداثية وشعارات اشتراكية !

خاتمة

إن الاشتراكية كنظام اجتماعيي والديمقراطية كمضمون لها لا تتخلقان في الفراغ، ولا تنشئان من العدم، بل هى نتاجات لتطور تاريخي، ومهما كانت آمالنا فيها، فإنها لا تتنزل علينا من السماء بكرم إلهي، ولا تطفو على الأرض بطفرات طبيعية، بل هى بنات مستويات تطور تاريخي ومقومات وشروط وضرورات اجتماعية واقتصادية صارمة، شرط تجاوزها هو إنجازها، وشرط إنجازها يبدأ بوعيها!

*باحث اقتصادي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons