رؤية أفريقية لفيلم “هوتيل رواندا”

كتب : كريبسو ديالو

لا يستطيع أحد انكار أن فيلم “هوتيل رواندا” الذي يحكي عن الحرب الأهلية المؤسفة التي جرت في “رواندا”، حقق زخما ونجاحا كبيرا عند عرضه في العام 2004، وبرغم ذلك كان يجب على القائمين على هذا العمل اظهار التوابع الأولية لتفاقم الأوضاع ما بين قبيلتي “الهوتو” و”التوتسي”، والتي بدأت في رواندا قبل قرنين (عام 1894) مع وصول الأوروبيين إلى تلك الرقعة في شرق القارة.

فقد أدرك المستعمرون الذين كانوا من الألمان في البداية ثم تبعهم البلجيكيون عقب الحرب العالمية الأولى أن المجتمع الرواندي يتألف من جماعتين رئيسيتين هما: التوتسي التي كانت تمثل حوالي 15 بالمائة من التعداد السكاني وجماعة الهوتو التي بلغت نسبتها 84 بالمائة تقريبًا من السكان، ورغم كون التوتسي أقلية فإنها كانت تشكل النخبة الحاكمة للبلاد.

وفي اعتقادي أنه من الخطأ وصف الهوتو والتوتسي في تلك المرحلة بأنهما كانتا جماعتين عرقيتين، فعلى خلاف الفكرة الغربية التقليدية عن القبائل الأفريقية، كانت هاتان الجماعتان تتحدثان اللغة ذاتها وتدينان بالديانة نفسها وتعيشان في القرى عينها، ولم تكن القبيلتان منفصلتين عرقيًّا، بل كانتا أشبه بجماعتين اقتصاديتين، إذ كان أفراد التوتسي الذين يملكون الماشية أكثر ثراءً بصفة عامة من أبناء عمومتهم الهوتو الرعاة.

برغم تعقيدات المجتمع الرواندي لم ير مسئولو المستعمرات البلجيكيون إلا أن التوتسي غالبا ما يكونون أطول قامة من أفراد الهوتو ويتميزون ببشرة أكثر شحوبًا إلى جانب أن التوتسي كان لهم باع طويل في الحكم وذلك ما دفع الأوروبيين إلى محاباة هذه القبيلة، وفي عام 1926 قننت هذه المحاباة بطرح قوانين جديدة كانت ستترتب عليها عواقب طويلة المدى، وألزمت هذه القوانين التي عرفت باسم «إصلاحات فوازان» الروانديين كافة بحمل بطاقات هوية تحدد “الهوتو من التوتسي”، وهكذا بات الاختلاف الذي كان خافيًا فيما سبق، موثَّقًا على الورق ليأجج المشاعر القبلية بين الجميع.

علاوة على ذلك، كان التوتسي يحصلون على مناصب ذات نفوذ في الحكومة المحلية، فيما صودرت الأراضي من الهوتو الذين كانوا يتلقون تعليمهم في المدارس التبشيرية ثم يتدربون ليصبحوا قساوسة كاثوليكيين، وهكذا بدءًا من عام 1926 فصاعدًا أصبح الهوتو مواطنين من الدرجة الثانية فعليًّا وقانونيًّا، واستمر هذا الوضع حتى عام 1959 إذ كان جليا بحلول هذا الوقت أن بلجيكا على وشك منح رواندا استقلالها.

وإدراكا من مسئولي المستعمرات البلجيكيين أن السلطة في رواندا بعد الاستقلال حتما ستكون لجماعة الهوتو التي تشكل الأغلبية، فقد حولوا دعمهم فجأة من التوتسي إلى الهوتو، وهكذا تشجعت جماعة الهوتو وشكلت أحزابًا سياسية وبدأت ترسِخ وضعها كأغلبية في البلاد حين انتشرت في نوفمبر/تشرين الثاني 1959 شائعات بأن مجموعة من شباب التوتسي قتلوا سياسيا بارزًا من الهوتو وجاء رد الهوتو غاضبًا، لتجتاح البلاد الموجة الأولى من العنف العرقي، وخلال أسبوعين قتل ثلاثمائة من التوتسي وهدأت تلك الفتنة.

وبعد نيل رواندا استقلالها في الأول من يوليو/تموز عام 1962، حصدت جماعة الهوتو أغلبية مقاعد البرلمان، لتشكل الحكومة الجديدة، فتصاعد اضطهاد التوتسي في ظل بيئة بقيت مشحونةً عرقيًّا، مما أجبر آلافًا منهم على الفرار إلى خارج البلاد، وفي عام 1964 حين شنت مجموعة من الأفراد المنفيين المنتمين للتوتسي هجمة مسلحة على رواندا ردتِ الحكومة على هذه الهجمة ردا وحشيا بقتل آلاف من التوتسي على يد الجيش وعصابات الهوتو جزاء لذلك، الأمر الذي أسفر عن هروب المزيد والمزيد من التوتسي خوفًا على حياتهم.

كانت جهود النخبة الحاكمة من الهوتو لاستعادة النفوذ والاستحواذ على المعونة الأجنبية التي تتدفق إلى البلد أحد العوامل التي لعبت دورا في هذه الإبادة الجماعية، ففي عام 1989 أجبر المانحون الأجانب -لاسيما الرئيس الفرنسي “ميتران”-، الرئيس الرواندي “جوفينال هابياريمانا” (1937–1994) على إظهار بعض من الديمقراطية “الشكلية” في رواندا، بعد أن هدد نمو الأحزاب المعارضة “سلطته”، لكن الرئيس الرواندي كان مصرًّا على إحكام قبضته على الحكومة.

وبعد حوالي 30 عاما في المنفى الأوغندي حاولت الجبهة الوطنية الرواندية التي تقودها التوتسي بدء مفاوضات مع “هابياريمانا” بهدف الاتفاق على عودة حوالي 700 ألف لاجئ أغلبهم من التوتسي إلى رواندا، وعند فشل المفاوضات، اتفقتِ الجبهة الوطنية الرواندية على أنها لا تملك خيارًا آخر سوى القوة، وهكذا شنت الجبهة هجومها في أكتوبر/تشرين الأول 1990، لتدور حرب متقطعة -رغم عنفها- بين الجبهة الوطنية الرواندية والحكومة الرواندية لثلاث سنوات.  ولو لم ترسل فرنسا جنود مظلات لدعم “هابياريمانا”، لكان من الممكن أن يصبح النصر حليفًا للجبهة. وأخيرًا أجبرت قوى المعارضة “اليسارية”، الرئيس “هابياريمانا” على توقيع اتفاقية سلام مع الجبهة الوطنية الرواندية.

أتاحَت هذه الاتفاقية للتوتسي العودة إلى الوطن، وطالبت بقوة من الأمم المتحدة لحفظ السلام، وقلصت من سلطته الرئيس إلى حدٍ كبير، ورغم تأييد “هابياريمانا” للاتفاقية علنًا فإنه في السر كان يتعمد عرقلة كل خطوة على طريق السلام، وفي الوقت نفسه أنشأ مؤيدوه محطة إذاعية تبث دعاية مناهضة للتوتسي إلى حد التعصب، وتنشر شائعات بأن جماعة التوتسي تتطلع إلى الانتقام بعد قضاء سنوات في المنفى، وقد شكَّل هؤلاء المتطرفون كذلك ميلشيات مسلحة.

بحلول عام 1994 كانت هناك حالة من الخوف الحقيقي بين صفوف الهوتو من التوتسي وتزايدت حوادث العنف العرقي، ورغم ذلك، في أبريل/نيسان من العام نفسه بدا للمقربين من “هابياريمانا” أنه بدأ في التنازل وأن قبضته المحكمة على السلطة قد بدأت في الارتخاء أخيرًا. وحيث أن النخبة المحيطة بهابياريمانا من الهوتو لم تكن مستعدة بأية حال للسماح لهذا السقوط البطيء للرئيس بأن يضر بمصالحها، فكانت لديها خطة لمجابهة ذلك. وفي السادس من أبريل/نيسان سافر “هابياريمانا” إلى العاصمة التنزانية دار السلام للقاء بعض من قادة شرق أفريقيا الذين أعربوا عن غضبهم إزاء مساعيه المستمرة لإعاقة اتفاقية السلام، وطالبه كل من رؤساء كينيا وأوغندا وتنزانيا وبوروندي بإحراز تقدم فوري في اتفاقية السلام، وطار “هابياريمانا” الذي تلقى لوما شديدا عائدًا إلى الوطن، وبينما كانت طائرته الخاصة التي أهدته إياها الحكومة الفرنسية تهبط على أرض العاصمة كيجالي أضاء صاروخان سماء الليل واستهدفا الطائرة لتسقط متحطمة على الأرض وتوفي كل من كانوا على متنها ولم يتعرف حتى الآن على هوية من استهدفوا الطائرة، ولكن يبدو أن أرجح الاحتمالات هو أن حلفاء الرئيس هم من دبروا الهجوم آملين أن يثير قتل الرئيس ذريعة من شأنها أن تمكنهم من القضاء علي التوتسي نهائيآ. وعلى الفور سيطر مؤيدو “هابياريمانا” على الحكومة، وأقام الجيش والميلشيات حواجز طرق، وبدأ الحرس الرئاسي في إلقاء القبض على السياسيين المعارضين، وبدأت عصابات الهوتو المنظمة في الهجوم على التوتسي وقتلهم أينما وجدوا، وتحولت هذا الأحداث الى مذابح دامية راح ضحيتها أكثر من 800000 الف مواطن روندي من”التوتسي”، على مرمى ومسمع المجتمع الدولي.

تلك الجرائم ينبغي أن لا يدان فيها فقط المليشيات المسلحة، ‫بل إنها بمثابة شهادة إدانة واضحة للمجتمع الدولي الذي وقف صامتا علي هذه الإبادات التي اختلقها في الأساس المستعمر الأجنبي من خلال سياسة “فرق-تسد” وكان يجب على القائمين على فيلم “هوتيل رواندا” اظهار ذلك.

‬أفريقيا، للأسف كما قال المخرج السنغالي “عثمان سمبين” سوف تظل أفريقيا من وجهة نظر صناع السينما “الهوليودية” أرض العنف والحروب الأهلية والدم والفقر والأوبئة والديكتاتوريات والإرهاب، أرض العبودية دون الرجوع للاسباب الحقيقة من أجل الحصول على استعطاف أكاديمية الفنون ومن أجل ترشيح هذه الأفلام دائما لنيل جوائز أكاديمية الأوسكار وغيرها من جوائز المهرجانات حول العالم والسر يكمن فى الصور النمطية المخزية والمتكررة التى تعكسها الأفلام الأمريكية عن القارة الأفريقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons