الشاعر محمد المتيم

بلدي تذبحُ الكمنجات .. محمد المتيم (شعر)

كتب : ممدوح مكرم*

ها نحن نواصل تقديم شعرائنا وأدبائنا لقراء موقع اليسار اليوم، ونلتقي هذه الحلقة مع شاعرٍ جنوبي، سمته يُذَّكرك بأمل دنقل، ابتسامته الصافية وهو يتحدث معك، إنه الشاعر محمد المُتَيَمَّ ابن مركز إسنا، محافظة الأقصر، والذي يدرس الصيدلة في جامعة أسيوط، إنه بالفعل متيمٌ بالشعر والشعراء، هو من المُبَرَّزين في قصيدة الفصحى في الجنوب بين أبناء جيله (منتصف العشرينات) يبني قصيدته بإقتدار كبير من حيث:- الصورة الشعرية، والوزن، الموسيقى والإيقاع، الصدق الفني، وهو المولع بالصوفية والتصوف، قدم شاعرنا من بيئة سيدي أبي الحجاج الأقصري (من المزرات الهامة في الأقصر الجميلة الضاربة في أعماق التاريخ، حفيدة طيبة عاصمة الدنيا إبان الدولة الحديثة منذ عصر أحمس) وهو ما ترك أثرًا كبيرًا في شعره، وسبك لغته ذات المستويات الدلالية المتعددة، كتب شاعرنا قصيدة التفعيلة كما يكتب القصيدة العمودية، التي لا تدرك أنها عمودية؛ لأنه استطاع أنْ ينفخَ فيها من حداثته في محتواها و باطنها.

حصد شاعرنا جوائز عدة، آخرها الأيام الماضية؛ حيث حصل على المركز الأول من جائزة الشاعر سعد عبد الرحمن في أسيوط، ونقدم له اليوم قصيدة بعنوان: بلدي تذبح الكمنجات، وهي قصيدة تفعيلة، ويبدو العنوان موحيًا حيث نسب فعل الذبح لـ (بلدي) وهي الوطن، ذبح الكمنجات، وهي جمع كمنجة (الآلة الموسيقية المعروفة) لكنْ لماذا تُذبح الكمنجات ؟ وكيف تُذبح الكمنجات؟ لايتم فهم ذلك بدون فهم دلالة لفظة الكمنجات، بعيدًا عن وظيفتها ودلالاتها المباشرة، إنه ذبحٌ عامٌ لكل ما هو جميل، لكل ما هو إنساني فهو يقول:

بلادٌ على مَوْقَدِ اللهِ/ تَسْتَوْقِفُ العابرينَ وتُدمى/ فتسكُبُ أوجاعَها في خُطاهُمْ/ بلادٌ تُجَرِّدُنا من رؤانا/ وتَنْسِجُ مشنقةً للتفاهُمْ/ نقولُ -ونحنُ نُهَيئُ أشعارَنا للرحيلِ-: تأخرتَ يا وحيُ/ والمُتعَبونَ هنا ضَجِرونَ فكم فارسٍ قتلتهُ التآويلُ !/ كم شاعرٍ سجنَتهُ الحقيقةُ/ بضعًا وعشرين حرفًا ! وكم غنوةٍ أزهقتها المواعيد.

هي قصيدة ملئة بمرارة حادة، تحيلك إلى نصوص أمل دنقل مباشرةً، تلك الروح المتمردة والرافضة، الروح الثائرة، روح الصوفي الذي يتوق ويتشوق للمطلق الجميل، للسمو الروحي والأخلاقي، قيم النبل والعدل والجمال؛ التي مُسخت منذ سبيعينات القرن الماضي، الكمنجات ليس ضحية أو ذبيحة فقط بوصفها رمز لكل ما هو جميل، بل إنَّ الكمنجات تمثل الشعرَ نفسه (ذبح الشعر والشعراء) حيث لا قيمة لذلك في <<بلدي>> وهي بحكم العلاقة الوشائجية بين الكمنجات (العزف والغناء) وبين الشعر!!

“بلدي تذبحُ الكمنجات”

حينَ أُشْعِلُ سِيجَارَتِي
يتوارى عرائي وراءَ الدُخْانِ
وتحكي الدموعُ الخَبيئَةُ كلَّ الذي كان يُطوى :
هُنالِكَ حيثُ امْتُحِنَّا بأنَّ البلادَ فراغٌ
وأنَّ الحبيباتِ فوقَ النوافذِ مِثلُ القناديلِ
أنَّ الجنودَ يجوسونَ في دَمِنا
وبأنَّ الحقيقةَ ليستْ تُطيعُ المؤرخْ
هُنالِكَ والكُلُّ يُفْضِي إلى الكُلِّ
والسِّرُ يُنْبِي عنِ السِّرِ
يحكي الذي أوجَعَتْهُ الليالي :
بلادي..بلادي
بلادٌ على مَوْقَدِ اللهِ
تَسْتَوْقِفُ العابرينَ وتُدمى
فتسكُبُ أوجاعَها في خُطاهُمْ
بلادٌ تُجَرِّدُنا من رؤانا
وتَنْسِجُ مشنقةً للتفاهُمْ
نقولُ -ونحنُ نُهَيئُ أشعارَنا للرحيلِ- :
تأخرتَ يا وحيُ
والمُتعَبونَ هنا ضَجِرونَ
فكم فارسٍ قتلتهُ التآويلُ !
كم شاعرٍ سجنَتهُ الحقيقةُ
بضعًا وعشرين حرفًا !
وكم غنوةٍ أزهقتها المواعيد
لما تأخرت يا وحيُ !
يا ابنةَ هذا الطريقِ
تَمَلَّيْ رحيقي
أريقي على المُتعَبينَ التحيةَ دونَ التفاتٍ
ولا تهمسي في دمائي..
فقد يَعْبُرُ الجُندُ في ساعةٍ
لا تُحَبِّذُ هذا اللقاءِ
فمَنْ سوفَ يَسقُطُ غيرُ الكمنجاتِ !
من سوف يسقُطُ غيرُ الغناءْ !
ومن سوف يرقصُ باسم
الذين يُوَشّونَ أحلامَهُمْ بالبكاءْ !
فلا تمرَحي يا فتاتي
ولا تُوْثِقي خُطوَتي بالضفائرْ
أخافُ على وَجْنَتَيكِ العساكرْ
أخافُ على لَيْلِكِ المَرْيَمِي
أخافُ عليكِ لِحَاظَ الجنودِ
أخافُ على صوتِكِ الصَخَبَ المَوْسِمِي

يا مصرُ يا مصرُ
لا طاقةٌ بالمجازِ لمثلي
حرامٌ على شارعٍ ضَمَّدَتْهُ خُطانا
يرانا ويسفِكُ كُلَّ الذي كان من ذكرياتٍ
يبيعُ المشاويرَ والياسمينَ وعطرَ الحبيبةِ
للبندُقيةْ ..
حرامٌ عليكِ اندلاعُ القصائدِ في زمن للتقيةْ !
بلادي بلادي
سنهتِفُ ملءَ العُروقِ
سنهتِفُ حتى نُتِمَّ الذي كان يُحكَى عنْ الأبجديةْ
سنسقطُ حتى نُقِيمَ انكسارَ اللغاتِ
ونُسنِدَ قلبَ القصيدةْ
بلادي بلادي البعيدةْ
لك الشعرُ مِنَّا
لكِ الليلُ والوجعُ المُتَرَدِّدُ
لكِ الخِنجرُ المُتَمَدِّدُ
في خاطري يا بلادي
بلادي بلادي القعيدةْ
أنا حاملُ الرَمْلِ والذكرياتِ الشريدةْ
بلادي بلادي السعيدةْ
عليكِ السلامُ
علينا الدموعُ الوئيدةْ

*باحث وناقد أدبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons