الهيولي .. وسام دراز (شعر)

ممدوح مكرم*

من الصعوبة بمكان أنْ أكتبَ عن وسام دراز؛ لأنه لايمكن أنْ أتبرأ من تحيزي له، إنه تحيز من منطلق موضوعي وفني، فوسام هو الأبرز بين جيله في كتابة قصيدة الفصحى، هو يمتلك أدواته من حيث الموسيقى والإيقاع، نحت صوره بشكلٍ يجعلك تقف مشدوهًا أمام حرفيته فى رسم الصور، وعجنها بهذه الأحاسيس المتدفقة، وهذه اللغة المرهفة ذات الأبعاد الصوفية والتي تشع بهذه الهالات الوجدانية العالية، التي تتسرب للمتلقي لتأسره، وتأخذه في عالم جميل.

وسام الذي ينتمي جغرافيًا لقرية ميت حبيب، مركز المحلة الكبرى، محافظة الغربية، وعندما نقول المحلة يتبادر إلى الذهن ذكر أبنائها من مبدعين مثل الدكتور جابر عصفور، ينتمي شاعرنا لأسرةٍ مثقفة مبدعة، والده السيد إبراهيم راغب دراز شاعرًا، وله أشقاء بعضهم أيضًا يكتب الشعر، فهو نشأ في هذه البيئة المهيئة للشعر، مما جعل امتلاك اللغة واكتناه أسرارها والعَروض، لازمتا شاعرنا ذو النزعة الصوفية الوجودية، أو الوجودية الصوفية في شعره.

وها نحن نقدم لقراء موقع اليسار اليوم في حلقة جديدة من حلقات تقديم المواهب، نقدم قصيدة الهيولي للشاعر والفنان وسام دراز، الذي جمع بين الرسم بالكلمات والرسم بالقلم، وهو ما يعطي عمقًا لتجربته الشعرية والإبداعية عمومًا.

والهيولي كعتبةٍ للنص تحيل إلى الفلسفة، ويمكن تعريف الهيولي بأنه: أصل الأشياء وجوهرها، أو هو المادة وهو يقابل الصورة، مفتاح فهم العنوان في آخر القصيدة حيث يقول:

للمَوتِ أن يأتِي بِخاطِرِه ِ.. القَصِيدُ هنا كوَعدٍ بالرَّحيلِ ، و إن أَصْلَ الشِّعْرِ لِصٌّ لا يَفِي وَعْدَهْ

الهيولي= أصل الشعر الذي هو لصٌ لا يفي بما وعد، وتلك مسحةٌ وجودية شكية بقناع عبثي، فهو ذَيلَّ القصيدة بـ <<من قصائد العبث>> وهو ما يجعل القصيدة ذات منحى فلسفي وجودي عبر حشدها بهذه الصور التي تشي بالوحدة والموت والعذاب عبر معجم شعري دال على هذه الإشكاليات الكبرى، وبالأخص ذات الإنسان المعذب المكلوم، وهو هنا الشاعر في مفهومه المجرد الذي يبحث عن أصل الأشياء وجوهرها، واستنطاق بواطنها، نحن أمام نصٍ متلبسٍ بالفلسفة (في جانبها الميتافيزقي المثالي) أو فلسفة متلبسة بالشعر، وهي تيمة مهمة يمكن رصدها في أعمال وسام دراز.

الهيولى

الدربُ يا وَجَعِي طَويلٌ
طُولُهُ الوِحدَة ْ

صَدرِي كلَيلٍ
يَقْتَفِيهِ الغَيم ُ
يَجعلُ ضِلعَهُ رَعْدَه ْ

تُحارِبُنِي خُطايَ لحيثُ ذاتِي
صِرتُ قبرِي حينَ أَقتُلنِي
و أسْرقُ مِن (أنا) غِمْدَه ْ

و أَرْثِينِي ، كأنِّي لستُنِي
و قَتلتُ شَخْصًا ليسَنِي
أَبْكِي
وأحمِلُ ذَنْبَهُ بَعْدَهْ

أنا بائِعٌ للوردِ
يذبلُ
كُلما بِيعَتْ له وَردَةْ

إذا أَخذُوا الورودَ جَمِيعَها
و سَقَوْهُ
أصبحَ أخضرًا
وَحْدَهْ

يَرَى أقسَى من الموتِ
الحياةَ كَخالِقٍ
يَهَبُ الحياةَ
و يَشْتَهِي لَحْدَهْ

فقط
للمَوتِ أن يأتِي بِخاطِرِه ِ..
القَصِيدُ هنا كوَعدٍ بالرَّحيلِ ،
و إن أَصْلَ الشِّعْرِ لِصٌّ
لا يَفِي وَعْدَهْ

..
#قصائد_العبث

*باحث وناقد أدبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons