المقاومة ليست لحظة هي مسار من أجل التحرير والتغيير

كتب : د. خالد حدادة*

إنه الموت الذي يطلق الانبعاث، ليس موتاً لاعلان النهاية، هو الذي صدمنا وأحزننا خلال الأيام الماضية، الموت الذي استهدف إبعاد الفرح عن ذكرى تأسيس المقاومة. لأنه موت استهدفهم، فقد دفعوه إلى مستوى الشهادة، وبهذه الرفعة أعادوا لذكرى جمول بهاءها ووضعوا أمام الحزب صورة أوضح للمهام.

وأولى المهام، إعادة تكوين الوظيفة، فكان التنوع فيمن فقدنا، قائد تاريخي، ساهم في صياغة قرار إطلاق جمول في قيادة حزبه حينها. وأحد القيادات التي تطوعت لتنفيذ القرار بالتزام وشجاعة والثالث، ترجم القرار مع رفاق كثر، فكراً وثقافة وفناً مقاوماً.

إنها المقاومة المتعددة الأضلاع والأوجه. في قلبها حكماً القرار الوطني في مواجهة العدو الصهيوني وإحتلاله، وثانيهما إرتباط هذا البعد الوطني، بالتصاق كبير مع هدف التغيير الديمقراطي وبناء الدولة الوطنية الديمقراطية. وإذا كانت في تلك الفترة الأداة العسكرية، المرتكزة اصلاً على الاقدام والالتزام والشجاعة مع ضعف الامكانيات هي الأبرز، والتي من خلالها دفع الحزب مئات الشهداء والجرحى والمعاقين والأسرى، وشارك فيها آلاف الرفيقات والرفاق، المجهولين بمنظماتهم والمنخرطين اليوم في نسيج مجتمعهم، مجتمع الكادحين بفئاتهم المختلفة فأن للبعدين المتبقيين، النضال الشعبي والنضال الثفافي والفني دوراً أساسياً في تطوير وتحفيز البيئة المقاومة التي احتضنت فيما بعد، كل قوى المقاومة على إختلاف توجهاتها.

نعم، جورج، كمال ورضوان، في تزامن رحيلهم، أعادوا أمامنا طرح هذه القيمة، قيمة المقاومة، بوصفها أداة التحرير والتغيير بكامل أوجهه.

*****

المقاومة التي نحيي ذكراها اليوم، جاءت في ظروف عربية ولبنانية كالحة السواد. نظام رسمي عربي، بمعظمه متآمر على ثلاثي المواجهة في لبنان. أعطى الغطاء بأمر واضح من العدو الأساسي، الولايات المتحدة الأميركية لينفذ العدو الصهيوني إجتياحه للعاصمة اللبنانية وللجنوب والجبل والبقاع الغربي.

وبالتلازم، نظام لبناني، ببنيته الطائفية أعطى شرعية للعلاقة مع العدو وللموقف المتخاذل للدولة ووضع الجيش اللبناني خارج مهمته الوطنية ومهد بواسطة الاحتلال، لأعادة تكوين السلطة على قاعدة سيطرة القوى المتعاملة والمراهنة على العدو والاحتلال.

ومن أجل ذلك، لم تكن المقاومة في جوهرها مكتفية بضرب العدو الرئيسي بل واختزنت في جوهر قرارها، قرار الحزب وكل الشيوعيين، قراراً بمقاومة إعادة تكوين السلطة على قاعدة التبعية للاحتلال وأيضاً مقاومة إعادة تركيب النظام الطائفي، الذي شكل الأرضية الداخلية للعدوان وللاحتلال. ومن ناحية أبعد، اختزن قرار إطلاق المقاومة بعده العربي، في تقديم نموذج المقاومة الشعبية الوطنية في مواجهة خيانة الأنظمة واستسلامها وصمتها وتآمرها.

إنه برنامج متكامل للمواجهة. برنامج مستقل حتماً في تعبيره عن المصلحة الوطنية السياسية والاجتماعية للاغلبية الساحقة للشعب اللبناني، بل للشعوب العربية، واستقلالية لا تعني الحياد كما لا تعني الانعزال وبالتأكيد لا تعني الالتحاق والتبعية. ومن يخلط بين هذه الجوانب، سواء داخل الحزب أو خارجه، فأنه حتماً لم يفهم أو على الأقل لم يوافق، على رفض الحزب لتأسيس غرفة عمليات مشتركة بقيادة موحدة (أقليمية حينها) لعمل المقاومة وربما كلفه هذا الرفض الكثير على مستوى المكاسب الفئوية ولكن حتماً حافظ على الوجه الساطع لبرنامجه ولمقاومته الوطنية.

ومن جهة ثانية، لا بد من الاقرار بأننا لم نكن يوماً وحدنا في المقاومة، ولم ندّعِ ذلك. ورغم ذلك نسجل عدة ميزات، هي وقائع. أن ما يميز نهجنا المقاوم هو كونه مسار مستمر رغم التوقف المؤقت والتعثر أحياناً والقسري أغلب الأحيان، وليس لحظة تاريخية أو فترة محددة. وأن بنية حزبنا وتكوينه، تتوافق مع منطق المقاومة، فالبنية والوظيفة كلاهما وطنيان يتعديان المناطق والجماعات العرقية أو المذهبية.

هي مسار، منذ التأسيس، تصدينا لمهمة مواجهة الاستعمار من جهة مقرونة بنضالات المؤسسين من أجل مصالح الفقراء، العمال والفلاحين وطرحنا برنامجنا للوطن الذي أردناه ديمقراطياً وطنياً مستقلاً، وفي الوقت عينه تصدينا لمؤامرة انشاء الكيان الصهيوني وكان أول شهدائنا عسّاف الصبّاغ.

وفي مرحلة ما سمي “الاستقلال”، رفضنا هذا المولود المشوّه والمعاق والحامل معه بذور الفتن والحروب الأهلية المستدامة، وناضلنا من أجل العمال والفقراء، ومن أجل الجامعة الوطنية وأيضاً من أجل فلسطين، وكانت هذه عناوين مقاومتنا وكان لنا في كل ميدان شهداء…وشركاء…

وفي رفض هزيمة الـ 67 ومقاومة نتائجها، أيضاً كانت لنا مقاومتنا وأساسها دعم الشعب الفلسطيني ومقاومة اليمين في قيادة حركة التحرر العربية وكان مؤتمرنا الثاني الشكل الحاضر لهذه المقاومة. وفي الوقت عينه تصاعدت نضالاتنا الجماهيرية في الشارع والمعامل والجامعة والمدرسة. نساؤنا، شبابنا، نقاباتنا، طلابنا، فلاحونا، كانوا عنوان المقاومة وأساس نهضتها. واقترنت حركة الأنصار والحرس الشعبي، مع المظاهرات الجماهيرية من أجل التغيير السياسي ومصالح العمال وتطوير التعليم الرسمي والجامعة وحقوق المرأة وسواها… وأسفرت هذه المرحلة حتى أواخر السبعينات، بما فيها مواجهة المشاريع التي فجّرت الحرب الأهلية. مقاومة توّجتها “جمول” عام 1982.

وبعد الانهيارات الكبرى، ورغم الضعف الذي أصاب تركيبتنا الحزبية ورحيل العشرات من الرفاق عن التنظيم بما فيهم قيادات تاريخية. قاوم الحزب إعتباره حزباً من التاريخ وإعتبار فكره فكراً ماضوياً واستطاع الشيوعيون المحافظة على حزبهم، رغم الخسائر، وعلى شعاراتنا الوطنية وعلى كونه مقاومة من أجل الاستمرار والتجدد الدائم باتجاه التغيير الديمقراطي.

والتجربة الأقسى في هذه المرحلة، هي مرحلة دفن الطائف واغتيال الحريري، حيث انفجرت، كجزء من مؤامرة الخارج الأميركي والرجعي العربي، وكنتيجة لممارسات خاطئة لسوريا وحلفاؤها، انفجرت الحرب المذهبية بأسوأ مظاهرها. وطال الضغط حزبنا، وحاول البعض أخذه باتجاه الانقسامات الطائفية والمذهبية التي يقودها أهل النظام.، وللأسف حتى داخل الحزب وفي قياداته، دفع البعض للالتحاق بـ 14 آذار، والتحق، ودفع آخرون تحت حجة المعركة الرئيسية باتجاه 8 آذار. ولكن الحزب قاوم، هو الذي رفض الاستتباع على الدوام ولم يخضع لاتهامات البعض بالرمادية والوسطية، بل أصرّ على موقفه المستقل من موقعه الوطني والطبقي، ولم يسأل في أي قرار يتخذه عن أية جهة سياسية. وحمل راية استكمال التحرير والنضال ولو ضعيفاً وشبه معزول أحياناً، باتجاه التغيير الديمقراطي والعدالة الاجتماعية.

واستكملت قيادة الحزب، مسار المقاومة والتجديد في مؤتمرها الحادي عشر الذي وافق بالاجماع على الخط السياسي الممارس وذلك بالاجماع على التعديلات التنظيمية لاعادة تحريك بنيته الداخلية وكذلك فتح مجال التجديد القيادي على أساس استمرار الخط السياسي والتجديد التنظيمي المقترحين، كجزء من مسار الحزب.

إنها مقاومة دائمة ومستمرة، حتى التحرير الكامل من كل عدوان، صهيوني أو ظلامي متطرف وباتجاه التغيير الديمقراطي لبناء دولة وطنية ديمقراطية تكون ركناَ في مقاومة وطنية عربية، تشكل مساراً يشبه مسارنا على مستوى مواجهة المشاريع الخارجية، دون الخضوع لمشاريع المراهنين والمساومات والتبعيات للخارج الدولي وشروطه ومصالحه، ولذلك حديث آخر…

*الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons