الرئيس الجزائري أحمد بن بيلا في استقبال الثائر الأممي تشي غيفارا

«تشي غيفارا» في الجزائر: يجب أن نشجع الشعوب التي تقول للعدو الإمبريالي «لا»

زار الثائر البوليفاري ارنستو تشي غيفارا (1928-1967) الجزائر في سنتي: 1963 و1965، في الزيارة الأولى جاء مبعوثاً من طرف الرئيس الكوبي فيدال كاسترو، بهدف دعم ومساندة الجزائر، غداة احتفالها بمرور عام على نيل استقلالها.

أما الزيارة الثانية لتشي غيفارا، قام بها سنة 1965، بمناسبة تنظيم الجزائر ندوة للتضامن الإفريقي الأسيوي، خلال الفترة الممتدة ما بين 22 و27 فبراير 1965 بالجزائر العاصمة. وقد ألقى الثائر نفسه، في تلك الندوة خطابا باسم الوفد الكوبي، وهو الخطاب الذي وُصف بـ «الخطاب التاريخي»، إذ لأوّل ينتقد فيها «تشي» الاتحاد السوفياتي، تلميحاً، خاصة بعد عودته من زيارة إلى الاتحاد السوفياتي (روسيا حاليا) ولقائه بالرئيس بريجنيف، وعدم اقتناعه بجوابه، بخصوص ضرورة منح السلاح مجانا، إلى ثوّار العالم، من أجل محاربة «الأمبريالية».

والتالي هو نص الخطاب الذي القاه تشي في الندوة، نقلا من كتاب صادر عن دار الفارابي بعنوان “ارنستو تشي غيفارا”، من تأليف هـ.غروس، ك.ب.فولف:

“أيها الأخوة الأعزاء.

إن كوبا تشترك في هذا المؤتمر، لتُسْمِعَ قبل كل شيء لوحدها صوت شعوب أمريكا، وتشترك فيه أيضا بصفتها بلدا ناميا يبني، في الوقت ذاته، الاشتراكية. وليس من قبيل الصدفة أن يُسْمَحَ لمثلنا أن يُبدي رأيه بين شعوب لآسيا وأفريقيا. فإن طموحا مشتركا يوحدنا في سيرنا نحو المستقبل: هو اندحار الإمبريالية.

هذا المؤتمر جمعية للشعوب المكافحة، وينمو هذا الكفاح على جبهتين هامتين على السواء ويتطلب منا جميعا بذل الجهود. فالكفاح ضد الإمبريالية لقطع الصلات الاستعمارية والاستعمارية الجديدة، سواء استُعْمِلَتْ في هذا الكفاح أسلحة سياسية، وأسلحة واقعية أو كلاهما معا، ليس عديم الصلة بالكفاح ضد التأخر والبؤس، كلاهما مرحلة على طريق واحد يقود إلى خلق مجتمع جديد، غني وعادل مرة واحدة.

إن الاستيلاء على السلطة السياسية وتصفية الطبقات الظالمة يشكلان ضرورة ملحة، ثم يجب مجابهة المرحلة الثانية التي تشتمل على مشكلات أصعب أيضا من مشكلات المرحلة الأولى.

منذ أن استولت الرساميل الاحتكارية على العالم، وهي تبقى في البؤس القسم الأعظم من الإنسانية وتوزع الأرباح كلها داخل زمرة من أقوى البلدان، فمستوى الحياة في هذه البلدان يستند إلى شقاء بلداننا. ولكي نرفع مستوى حياة الشعوب النامية يجب إذا أن نناضل ضد الإمبريالية. فكلما انفصل بلد من البلدان عن الشجرة الإمبريالية، لا يكون ذلك معركة جزئية ضد العدو الرئيسي فحسب، بل يعتبر أيضا مساهمة في إضعاف واقعي وخطوة أخرى نحو النصر النهائي.

ليس ثمة حدود في هذا الكفاح حتى الموت. فلا نستطيع أن نظل لا مبالين حيال ما يجري في أمكنة أخرى من العالم، لأن كل نصر لبلد من البلدان على الإمبريالية هو نصر لنا، كما أن كل هزيمة لأمة من الأمم هزيمة لنا. وليس ممارسة الأممية البروليتارية واجبا من واجبات الشعوب التي تكافح في سبيل مستقبل أفضل، بل هي أيضا ضرورة حتمية. وإذا ما انفلت العدو الإمبريالي الأمريكي أو غيره، ضد الشعوب النامية وضد البلدان الاشتراكية فإن المنطق البسيط يوجب ضرورة التحالف بين الشعوب النامية والبلدان الاشتراكية. وإذا لم يوجد عامل اتحاد آخر، فإن العدو المشترك سيكون ذلك العامل.

هذه الاتحادات لا يمكن بطبيعة الحال أن تتحقق عفوا، دون مناقشات، بل يجب أن تولد في شروط مؤلمة أحيانا.
قلنا إنه في كل مرة يتحرر فيها بلد من البلدان، يعني ذلك هزيمة للنظام الإمبريالي العالمي، ويجب أن نعترف أن هذا الانقطاع لا يحدث لمجرد إعلان الاستقلال أو تحقيق نصر بقوة السلاح في ثورة من الثورات. فالحرية تتحقق عندما تنقطع السيطرة الاقتصادية للإمبريالية على شعب ما.

إنها إذا مسألة حيوية بالنسبة للبلدان المشتركة أن تحدث هذه الانقطاعات فعلا وهذا واجبنا الدولي، الواجب الذي تمليه الإيديولوجية التي تقودنا، أن نساهم بجهودنا في التحرير الأسرع والعمق.

يجب أن نستخلص من هذا كله نتيجة، هي أن تنمية البلدان التي تسير في طريق التحرير يجب أن تدفعها البلدان الاشتراكية. نقول ذلك دون أي قصد تهديدي أو مفعول مسرحي، ولا نقوله سعيا وراء وسيلة سهلة للتقرب من جميع الشعوب الآسيوية-الأفريقية، بل لأن تلك هي قناعتنا العميقة. إن الاشتراكية لا يمكن أن توجد إذا لم يتم في الوجدانات تحويل يثير موقفا أخويا جديدا تجاه الإنسانية، سواء على الصعيد الفردي في المجتمع الذي يبني الاشتراكية أو الذي بناها، أو على الصعيد العالمي، تجاه جميع الشعوب التي تشكو من الاضطهاد الإمبريالي.
نعتقد أن مسؤولية مساعدة البلدان المرتبطة يجب أن تؤخذ بهذه الروح وأن المسألة بعد الآن يجب ألّا تكون تنمية التجارة في سبيل النفع المتبادل على قاعدة أسعار مغشوشة على حساب بلدان نامية بفعل قانون القيمة والعلاقات الدولية للتبادل غير المتساوي الذي يجر إليه القانون.

فكيف يمكن أن نسمي «نفعا متبادلا» بيع المنتجات الخامية التي تكلف البلدان النامية جهودا وآلاما لا تُحد بأسعار السوق العالمية وشراء ماكنات مصنوعة في المصانع الكبرى المؤتمتة القائمة اليوم، بأسعار السوق العالمية؟
إذا أقمنا هذا النمط من العلاقات بين المجموعتين من الأمم، فيجب الاعتراف أن البلدان الاشتراكية هي، إلى حد ما، شريكة غي الاستثمار الإمبريالي.

سيُقال إن حجم المبادلات مع البلدان النامية يشكل نسبة مئوية تافهة من التجارة الخارجية لهذه البلدان. هذا صحيح إطلاقا لكنه لا يبدل من الصفة اللاأخلاقية لهذا التبادل.

إن واجب البلدان الاشتراكية الخُلُقي تصفية تواطئها الضمني مع المستثمرين الفرنسيين وإن واقعة قلة التجابه في الوقت الحاضر لا تعني شيئا. ففي عام 1959 كانت كوبا تبيع السكر بصورة عارضة لبلد من بلدان الكتلة الاشتراكية بواسطة سماسرة إنجليز أو من قوميات أخرى.

أما اليوم فإن 80% من تجارتها مع المعسكر الاشتراكي، وتأتيها جميع المنتجات الجوهرية من المعسكر الاشتراكي، وهي الآن، في الواقع، جزء منه. فلا نستطيع أنت نقول إن التجارة قد زادت بسبب تخريب البنى القديمة والانخراط في شكل تنمية اشتراكي، فالطوفان القصيّان يتلامسان ويرتبطان فيما بينهما.

لم نسر في كطريق الشيوعية ونحن نتوقع جميع المراحل كحصيلة منطقية لتنمية إيديولوجية ستتقدم نحو هدف محدد. فقد قوّت من عزيمة شعبنا الحقائق الاشتراكية بالإضافة إلى حقائق الإمبريالية القاسية وأنارت له الطريق الذي سلكناه فيما بعد عن وعي تام. وسيكون على شعوب أفريقيا وآسيا التي ستتجه نحو التحرر النهائي أن تسلك الطريق نفسه. وستسلكه إن عاجلا أو آجلا رغم أن اشتراكيتها تنعت اليوم بنعوت مختلفة.

إننا لا نرى تعريفا آخر للاشتراكية سوى إلغاء استثمار الإنسان للإنسان، فما دام هذا الإلغاء لم يتحقق نظل في مرحلة بناء المجتمع الاشتراكي، وإذا ما توقف هذا الإلغاء أو تراجع بدلا من أن تحدث الظاهرة، لا نستطيع عندها أن نتحدث حتى عن بناء الاشتراكية.

يجب أن نهيئ الشروط التي ستتيح لأشقائنا أن يسلكوا مباشرة وعن وعي كامل طريق الإلغاء النهائي للاستثمار، لكننا لا نستطيع سلوك هذا الطريق، إذا كنا نحن أنفسنا شركاء في هذا الاستثمار. ولو سُئلنا ما هي الطريق التي يجب تطبيقها لإقامة أسعار مُنْصِفَة؟ لا نستطيع الإجابة لأننا لا نعرف المعطيات العملية للمسألة. وكل ما نعرف هو أن الاتحاد السوفياتي وكوبا وقَّعا، بعد مباحثات سياسية، اتفاقات في صالحنا، سنبيع بوجوبها خمسة ملايين طن من السكر بسعر يفوق سعر السوق العالمي الحر المزعوم للسكر. وتدفع الصين الشعبية السعر نفسه.

ليس هذا سوى أرض للعمل: فالمهمة الرئيسية تنحصر في إيجاد أسعار تتيح التنمية، وأن مفهوما جديدا كل الجِدَّة سينحصر في تبديل نظام العلاقات الدولية، ويجب ألا تحدد التجارة الخارجية السياسة، بل العكس أن تكون خاضعة لسياسة أخوية تجاه الشعوب.

لنحلل باختصار مشكلة الاعتمادات طويلة الأجل المعدة لتنمية الصناعات الأساسية. فنلاحظ غالبا أن البلدان المستفيدة تريد أن ننشئ قواعد صناعية غير متناسبة مع إمكاناتها الحالية، ولن تستهلك منتجات هذه الصناعة في تلك البلدان، وسيؤدي هذا الجهد إلى خسارة احتياطياتها. إن محاكمتنا العقلية هي التالية: توظيفات البلدان الاشتراكية في بلادها هي، تثقل مباشرة كاهل ميزانية الدولة ولا تهلك إلا باستخدام المنتجات المصنوعة، حتى نهاية الصنع فنقترح بحث إمكانية تحقيق توظيفات كهذه فالبلدان النامية.

وهكذا، يمكن تحريك الطاقة الواسعة الكامنة في قاراتنا، المستثمرة استثمارا بائسا والتي لم تتلق قط المساعدة على تنميتها، ويمكن الشروع في مرحلة جديدة من التقسيم الحقيقي للعمل الدولي، لا يكون قائما على تاريخ ما تم حتى الآن بل على التاريخ المقبل لما يمكن أن يتم.

إن البلدان التي ستنشأ في أراضيها توظيفات جديدة سيكون لها على هذه التوظيفات جميع حقوق الملكية المطلقة، دون أي التزام بالدفع أو بفتح الاعتمادات. وستلتزم البلدان المستفيدة بتزويد البلدان الموظّفة كمية معينة من المحاصيل خلال عدد معين من السنين وبسعر معين.

إن تمويل الحصة المحلية من النفقات التي يجب أن يتحملها بلد يحقق توظيفات كهذه يستحق الدراسة أيضا ويمكن أن يكون شكل المساعدة، التي لا تعني توزيعات القطع النادر القابل للتحويل بحرية، تقديم البضائع التي يسهل بيعها، مقسطة لأجل طويل، إلى بلدان النامية.

وثمة مشكلة أخرى يصعب حلها هي مشكلة غزو التكنيك. فالعالم كله يعاني من نقص التقنيين الذي تشكو منه البلدان النامية. تنقصنا المدارس والكوادر. وينقصنا أيضا في بعض الأحيان وعي واقعي لحاجاتنا ولا نعرف دوما أن نقرر تطبيق سياسة تفضيلية للتنمية التقنية، الثقافية، والإيديولوجية. إن على البلدان الاشتراكية أن تمدنا بالمساعدة الضرورية لتكوين أجهزة التربية التقنية وأن تركز على الأهمية الرئيسية لهذه المشكلة. وتزودنا بالكوادر التي تنقصنا في الوقت الحاضر.

يجب أن نلح إلحاحا أكبر على هذه النقطة الأخيرة: التقنيون الذين يجيئون إلى بلادنا يجب أن يكونوا مثاليين. إنهم رفاق يلقون وسطا مجهولا معاديا على الأغلب للتكنيك، ويتكلم لغة غير لغتهم وله عادات مختلفة كل الاختلاف عن عاداتهم. قبل كل شيء يجب أن يكون التقنيون الذين يباشرون هذه المهمة الصعبة شيوعيين، بأعمق وأنبل ما في هذه الكلمة من معنى. هذه الصفة وحدها، بالإضافة إلى حد أدنى من حسن التنظيم والمرونة، ستحقق الأعاجيب.
نعرف أن هذا ممكن لأن بلادا شقيقة قد أرسلت لنا عددا من التقنيين عملوا لتنمية بلادنا أكثر مما فعلت عشرة معاهد، وساهموا بفعالية في توطيد الصداقة بين شعوبنا أكثر من عشرة سفراء أو مائة حفلة دبلوماسية. فإذا ما استطعنا أن ننجز فعلا ما اشرنا إليه، ووضعنا، عدا هذا، في متناول البلدان النامية تكنولوجيا البلدان المتقدمة كلها، دون أن نستخدم الطريقة الحالية، طريقة البراءات التي تحمي المكتشفات في كل بلد، نكون قد تقدمنا تقدما عظيما في مهمتنا المشتركة.

لقد قُهِرَت الإمبريالية في عدة معارك جزئية بَيْدَ أنها ما تزال قوة كبرة في العالم ولا يمكننا أن نترجّى هزيمتها النهائية إلا بجهدنا وتضحيتنا جميعا.

ومع ذلك فإن مجمل التدابير التي نقترحها لا يمكن أن تتخذ بصورة وحيدة الطرف. ومن المفهوم أن إلى البلدان الاشتراكية أن تدفع ثمن تنمية البلدان النامية. بَيْدَ أن على قوى البلدان النامية أن تتشدد وتسلك بحزم –مهما تكن المصاعب- طريق بناء الاشتراكية في مجتمع جديد، لا تكون فيه الآلة، أداة العمل، أداة لاستثمار الإنسان. كما أننا لا نستطيع أن نطمع بثقة البلدان الاشتراكية إذا ما حاولنا حفظ التوازن بين الرأسمالية والاشتراكية محاولين استخدام القوتين المتنافستين للحصول على فوائد بيِّنة، ويجب أن تحكم العلاقات بيمن المجموعتين من المجتمعات سياسية جديدة من الجد المطلق. ومن واجبنا أن نشير أيضا إلى أن الأفضل أن تكون وسائل الإنتاج بيد الدولة بحيث تزول شيئا فشيئا علامات الاستثمار.

زد على ذلك أن التنمية لا يمكن أن تترك للارتجال: بل يجب تخطيط بناء المجتمع الجديد. فالتخطيط هو أحد قوانين الاشتراكية التي لا توجد بدونه. وإذا انعدم التخطيط الملائم لا نستطيع أن نضمن بشكل كاف أن تتحد اتحادا متناسقا جميع القطاعات الاقتصادية لبلد ما لتقفز إلى أمام قفزات يقتضيها العصر الذي نعيش فيه.

ليس التخطيط مشكلة منعزلة في كل بلد من بلداننا الصغيرة، تلك البلدان ذات التنمية المشوهة. التي تمتلك موادا أولية أو تنتج بعض المنتجات المصنوعة أو نصف المصنوعة لكن تنقصها المنتجات الأخرى كلها. فالتخطيط يجب أن يتجه، منذ البداية، نحو تقسيم إقليمي معين بحيث ينسق اقتصاديات البلدان ويصل بهذه الصورة إلى الدمج على قاعدة النفع المتبادل الحقيقي.

ونعتقد أن الطريق الحالية مليئة بالأخطار، وهي ليست أخطارا اخترعتها أو توقعتها على المدى الطويل بعض العقول المتفوقة، بل أخطار هي النتيجة الملموسة للوقائع التي تزعجنا. لقد بلغ الصراع ضد الاستعمار مراحله الأخيرة، بَيْدَ أن النظام الاستعماري، في عصرنا، ليس سوى نتيجة للسيطرة الإمبريالية. وما دامت الإمبريالية موجودة، فإنها، بالتعريف، ستمارس سيطرتها على بلدان أخرى، وهذه السيطرة تُدعى اليوم لاستعمار الجديد.
لقد نما الاستعمار الجديد في أمريكا الجنوبية أولا، في قارة كاملة، ثم بدأ اليوم يظهر بشدة متزايدة في أفريقيا وآسيا. وتتفرغ أشكال تنميته وتسربه. فأولها الشكل الفظّ كما رأيناه في الكونغو وسلاحه الأقصى العنف المجرد من أية اعتبارات أو تنكر أيا كان نوعه.

وهنالك شكل آخر أدق: التسرب إلى البلدان التي تتحرر سياسيا، والاتحاد مع البرجوازية الوطنية الجديدة، وتنمية برجوازية طفيلية مرتبطة ارتباطا وثيقا بمصالح البلد المستعمر، وتحظى بقدر معين من الرخاء أو بارتفاع موقت في مستوى حياة الشعوب، والحقيقة أن الانتقال البسيط من العلاقات الإقطاعية إلى العلاقات الرأسمالية، في البلدان المتخلفة جدا، يمثل تقدما كبيرا، بصرف النظر عن النتائج الضارة التي تسببها للشغيلة تلك العلاقات الرأسمالية.

لقد أظهر الاستعمار الجديد مخالبه في الكونغو. وليس ذلك علامة قوة بل علامة ضعف، فقد اضطر إلى اللجوء إلى القوة، سلاحه الأخير، كحجة اقتصادية، مما يولد ردود فعل معارضة كبيرة الشدة. ويتم هذا التسرب أيضا إلى بلاد أخرى في أفريقيا وآسيا بشكل أدق بكثير يخلق بسرعة ما سمِّي «الأمركة الجنوبية» لهاتين القارتين، أي تنمية برجوازية طفيلية لا تضيف شيئا إلى الثروة القومية بل، بالعكس، تكدس خارج البلاد في المصارف الرأسمالية أرباحها الضخمة غير الشريفة وتتقابل مع الأجنبي للحصول على المزيد من الأرباح، متجاهلة مطلقا رفاهية شعبها.

وتوجد كذلك أخطار أخرى: مثلا، الخصومة بين البلدان الشقيقة، الصديقة سياسيا، بل والمتجاورة أحيانا، التي تحاول تنمية التوظيفات ذاتها، في الوقت ذاته، بالنسبة لأسواق لا تمتصها غالبا. هذه المزاحمة تنطوي على محذور تبذير طاقات يمكن أن تستخدم في تعاون اقتصادي أوسع بكثير، وعدا هذا، تتيح للاحتكارات الإمبريالية أن تلعب لعبتها.

وفي بعض الحالات، عندما يستحيل على الإطلاق تحقيق توظيف بيِّن بمساعدة المعسكر الاشتراكي، يتم هذا التوظيف عن طريق عقد اتفاقات مع الرأسماليين. ولهذه التوظيفات الرأسمالية عيوب متعلقة في أسلوب منح الاعتمادات ولها أيضا عيوب أخرى هامة جدا، مثل إقامة الشركات المختلفة التي يتشارك فيها جيران خطرون. وبما أن التوظيفات موازية بصورة عامة لتوظيفات دول أخرى، ينشأ عن ذلك خطر تنازع بلدان صديقة حول خلافات اقتصادية، يضاف إلى هذا أن الفساد الصادر عن بقاء الرأسمالية، الماهرة في التلويح بالتنمية والرخاء لبلبلة أفكار الكثير من الناس، يكون تهديدا خطيرا.

وبعدئذ، يؤدي الإشباع بالمحاصيل المتماثلة إلى تدهور الأسعار في الأسواق. وترى البلاد المتضررة نفسها مضطرة، إما إلى طلب قروض جديدة، أو إلى السماح بتوظيفات تكميلية لتظل قادرة على المنافسة. وتنتهي مثل هذه السياسية آخر الأمر إلى أن تضع الاحتكارات يدها على الاقتصاد، وتعود ببطء وبكل تأكيد إلى الماضي. وفي رأينا، إن الحصول دون خطر على توظيفات تشارك فيها الدول الإمبريالية، يستلزم أن تشترك الدولة مباشرة بصفة مشتر وحيد للأموال، فتقصر العمل الإمبريالي على عقد عقود توريدات دون السماح لها بالدخول إلى أبعد من بابها وفي هذه الحالة، يحسن الاستفادة من تناقضات الإمبريالية للحصول على شروط أفضل.

ويجب أيضا ألا ننسى المساعدات الاقتصادية، والثقافية الخ، المسماة «نزيهة» التي تمنحها الإمبريالية بنفسها أو بواسطة دول عميلة تحظى بأفضل تقبل في أرجاء معينة من العالم.

وإذا لم يُعترف بهذه الأخطار كلها في الوقت المناسب، يصبح الطريق مفتوحا أمام الاستعمار الجديد في بلدان شرعت في مهمة التحرير القومي مفعمة بالإيمان والحماس: فتحل سيطرة الاحتكارات بصورة حاذقة، وتدريجية إلى درجة يصعب تمييز نتائجها حتى الوقت الذي تظهر فيه بأسلوب فظ.

إن علينا عملا صعبا يجب تحقيقه، فثمة مشكلات واسعة تطرح على عالمنا: عالم البلدان الاشتراكية، والعالم المسمى بالعالم الثالث، ومشكلات متصلة مباشرة بالإنسان ورفاهيته والكفاح ضد المسؤول الرئيسي عن تأخرها. أمام هذه المشكلات، يجب على البلدان كلها، والشعوب كلها، الواعية لواجباتها، وللأخطار التي يولِّدها وضعنا، والتضحيات التي تتطلبها التنمية، أن تتخذ تدابير ملموسة لتوثيق صلاتنا على الصعيدين: الاقتصادي والسياسي، الذين لا يمكن أن ينفصلا أبدا، ويكوّنان كتلة كبرى كثيفة تستطيع بدورها أن تساعد بلدانا جديدة على التحرر، من سلطة الإمبريالية السياسية والاقتصادية مرة واحدة.

يجب معالجة وجه التحرر بالسلاح من قوة سياسية غاشمة تبعا لقواعد الأممية البروليتارية: فإذا كان من السخف التفكير بأن مدير مشروع في بلد اشتراكي محارب يمكن أن يتردد في إرسال الدبابات التي ينتجها إلى جبهة لا تستطيع تقديم ضمانات للدفع، فلا يجب أن يبدو أقل سخافة التثبت من ملاءمة شعب يكافح من أجل تحرره أو يحتاج إلى أسلحة للدفاع عن حريته.

ففي عالمنا، لا يمكن أن تكون الأسلحة بضائع، بل يجب أن تقدم مجانا على الإطلاق بالكميات الضرورية –والممكنة- للشعوب التي تطلبها لتستعملها ضد العدو المشترك. بهذه الروح منحنا الاتحاد السوفياتي وجمهورية الصين الشعبية مساعدتهما العسكرية. فنحن اشتراكيون، ونكون ضمانة لاستخدام هذه الأسلحة، لكننا لسنا الوحيدين ويجب أن نعامل كلنا معاملة واحدة.

فلكي نرد على عدوان الإمبريالية الأمريكية البشع على الفييتنام أو الكونغو، يجب أن نزوِّد هذه البلدان الشقيقة بوسائل الدفاع كلها التي تحتاجها، عارضين عليها تضامننا غير المشروط.

وعلى الصعيد الاقتصادي، نحتاج إلى التغلب على صعوبات التنمية بمساعدة التكنيك الأكثر تقدما. ولا نستطيع سلوك الطريق الصاعد الطويل الذي قطعته الإنسانية، من الإقطاعية حتى عصر الذرة والأتمتة، فسيكون طرقا مليئا بالتضحيات الجسام، وسيكون جزء منها عديم الجدوى.

يجب أن نحصل على التكنيك حيثما نجده، وأن نقفز القفزة التقنية العظمى الضرورية لتقليص الفرق بين أكثر البلدان تقدما وبيننا تقليصا تدريجيا. ويجب أن يطبق هذا التكنيك في المصانع الكبرى، وفي زراعة نامية تنمية ملائمة، وعلى الأخص أن تكون له قاعدة من الثقافة التقنية والإيديولوجية قوية ومنغرسة في الجماهير بقدر كاف تستطيع بلا انقطاع تغذية أجهزة ودوائر البحث الذي يجب خلقه في كل بلد، وكذلك الناس الذين يمارسون التكتيك الحالي والقادرون على التآلف مع التقنيات الجديدة المكتسبة.

ويجب أن يكون لدى هذه الكوادر وعي واضح لواجبها نحو المجتمع الذي تعيش فيه، فلا يمكن أن تكون ثمة ثقافة تقنية حسنة إذا لم ترافقها ثقافة إيديولوجية. وفي معظم بلداننا لا يمكن أن توجد قاعدة كافية للتنمية الصناعية –التي ترتبط بها تنمية المجتمع الحديث- إذا لم نبدأ بأن نؤمِّن للشعب الغذاء الضروري، والخيرات الاستهلاكية الملحة وثقافة جيدة.

يجب أن نكرِّس جزءا كبيرا من الدخل القومي لتوظيفات التعليم المسماة توظيفات غير منتجة ويجب الاهتمام على الأخص بتنمية الإنتاجية الزراعية. وقد بلغت هذه الإنتاجية الزراعية في عدة بلدان رأسمالية مستويات لا تصدق، وأحدثت أزمات سخيفة من تكدس الإنتاج، وغزو الحبوب والمحاصيل الغذائية الأخرى أو المواد الأولية الصناعية الآتية من البلدان المتقدمة، بينما يعاني عالم كامل من الجوع، مع أنه يمتلك ما يكفي من الأراضي والناس لإنتاج أضعاف ما يحتاج إليه العالم من الغذاء.

يجب أن تُعْتَبَر الزراعة عمود التنمية، ولذا فالجوهري تحويل البنية الزراعية والتآلف مع الامكانات التقنية الجديدة، وكذلك مع الالتزامات الجديدة لإلغاء الاستثمار الإنساني.

وقبل اتخاذ قرارات تكلف كثيرا قد تجر إلى شرور لا يمكن إصلاحها، يجب القيام بتنقيب دقيق للأرض الوطنية، فهو إحدى المراحل السابقة للبحث الاقتصادي وضرورة أولية للتخطيط الصحيح.

إننا نساند مساندة حارة اقتراح الجزائر القاضي بإيجاد مؤسسة لعلاقتنا. ونرغب في اقتراح بعض الاعتبارات التكميلية فقط:

1- لكي يكون الاتحاد أداة للكفاح ضد الإمبريالية، فإن مساهمة شعوب أمريكا اللاتينية والتحالف مع البلاد الاشتراكية أمران ضروريان.

2- يجب السهر على الصفة الثورية للاتحاد، بأن تمنع من الدخول فيه الحكومات والحركات التي لا تأتلف مع المطامح العامة للشعوب وبخلق آليات تتيح الانفصال عن كل من ينحرف عن الطريق السوي، سواء أكان حكومة أو حركة شعبية.

3- يجب التوصل إلى إقامة علاقات جديدة على قدم المساواة بين بلداننا والرأسماليين، بإقامة اجتهاد قضائي ثوري يحمينا في حالة النزاع، وإعطاء العلاقات بيننا وبين بقية العالم محتوى جديدا.

إننا نتحدث بلغة ثورية ونناضل بشرف من أجل انتصار هذه القضية. بَيْدَ أننا نتخبط غالبا في شباك حق دولي ناتج عن مجابهات دول إمبريالية وليس عن نضال الشعوب.

فشعوبنا، مثلا، يساورها القلق وهي ترى القواعد الأجنبية قائمة على أراضيها، أو أن عليها أن تتحمل العبء الباهظ، عبء الديون الخارجية المرتفعة غاية الارتفاع.

إن العالم كله يعرف العيوب: فقد أتاحت حكومات عميلة، حكومات أضعفها كفاح تحريري طويل أو تنمية قوانين السوق الرأسمالية، أن توقِّع اتفاقات تهدد استقرارنا الداخلي وتضيع مستقبلنا.

لقد حان الوقت لأن ننفض النير عن كاهلنا، ونفرض إعادة النظر بالديون الخارجية التي تضغط علينا ونرغم الإمبرياليين على التخلي عن القواعد العدوانية.

لا أريد أن أختم كلماتي هذه. التي تذكر بالمبادئ التي تعرفونها كلكم، دون أن ألفت انتباه هذه الجمعية إلى واقعة أن كوبا ليست البلد الأمريكي اللاتيني الوحيد، وكل ما في الأمر، هو أن لكوبا الحظ في أن تتكلم اليوم أمامكم، وأود أن أعيد إلى الذاكرة أن شعوبا أخرى تسفك دمها لتحصل على الحق الذي حصلنا عليه، وإننا نحيي، هنا وفي جميع المؤتمرات حيثما انعقدت، الشعوب البطلة في فييتنام، ولاوس، وغينيا المسماة بالبرتغالية، وأفريقيا الجنوبية، وفلسطين، ويجب أن نُسْمِع صوتنا الصديق إلى جميع البلدان المستثمَرَة التي تكافح في سبيل انعتاقها، ويجب أن نمد لها يدنا ونشجع الشعوب الشقيقة في فنزويلا، وغواتيمالا، وكولومبيا، التي تقول اليوم، والسلاح بيدها، للعدو الإمبريالي، «لا».

إن قليلا من المسارح تساوي في رمزيتها، الجزائر، إحدى عواصم الحرية الأكثر بطولة، من أجل تصريح كهذا. فليلهمنا الشعب الجزائري العظيم الذي تمرَّس في آلام الاستقلال كما لم يتمرس مثله سوى القلة من الشعوب، بقيادة حزبه، وعلى رأسه صديقنا أحمد بن بللا، في هذا الكفاح الخالي من المعسكرات ضد الإمبريالية الأمريكية”.

تعليق واحد

  1. أقترح إنشاء تنسيقية لتشكيلات اليسار العربيمن اجل الكفاح المسلح إلى جانب المقاومة الفلسطينية والسورية واللبنانية و الشيء يتمشى مع نهج و فكر جيفارا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons