فيدل كاسترو للمهرجان العالمي للشباب والطلبة الـ17: الإمبراطورية الأمريكية دخلت في مرحلتها النهائية

في حضور ما يقرب من 14 ألف مشارك من 120 دولة، استضافت مدينة بريتوريا في جنوب أفريقيا في الفترة من 13 وحتى 21 ديسمبر/كانون الأول 2010، مهرجان الشباب والطلاب العالمي السابع عشر الذي ينظمه اتحاد الشباب الديمقراطي العالمي”وفدي”.

وقد نظم المهرجان برعاية رئيس جنوب أفريقيا “جاكوب زوما” والجناح الشبابي للمؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا، تحت شعار ” لنناضل معا ضد الإمبريالية من أجل عالم يسوده السلام والتضامن والتغيير الاجتماعي”.

وفي هذا السياق أرسل الزعيم التاريخي للثورة الكوبية، فيدل كاسترو، رسالة بتاريخ 13 ديسمبر/كانون الأول 2010، إلى المشاركين في المهرجان العالمي، قال فيها:

“أيتها الرفيقات، أيها الرفاق؛

يطيب لي ويشرفني جداً تلبية طلبكم مني أن أوجّه رسالة إليكم بمناسبة إحياء المهرجان العالمي السابع عشر للشباب والطلبة، الذي يقام في وطن نيلسون مانديلا، الرمز الحي للنضال ضد نظام الأبارتيد الكريه.

كانت كوبا مقراً لانعقاد مهرجانين عالميين، المهرجان الحادي عشر، عام 1978، والمهرجان الرابع عشر، عام 1997.

كانت تلك المرة الأولى التي يتوقف فيها إحياء المهرجان في أوروبا في سبيل إقامته في بلد آخر من هذا النصف من العالم.

القرار بهذا الشأن اتخذته الجمعية التاسعة للاتحاد العالمي للشباب والطلبة، التي انعقدت في فارنا، بلغاريا، في نهايات عام 1974.

كان الزمن قد تغيّر، حيث كان العالم يواجه مشكلات جدية، ولكنها أقل مأساوية. كان الشباب الأكثر تقدمية في العالم منكفئون على النضال من أجل حق كل أبناء البشر بحياة كريمة؛ وهو الحلم القديم الذي راود أكبر مفكّري جنسنا البشري في وقت كان واضحاً فيه بأن العلوم والتكنولوجيا وإنتاجية العمل وتطور الوعي تجعل من تحقيق هذا الحلم أمراً ممكناً.

خلال ومضة من الزمن تسارعت خطى العولمة، وحققت الاتصالات مستويات غير معهودة من قبل، وتضاعفت وسائل الترويج للتربية والصحة والثقافة. لم تكن أحلامنا تفتقد إلى الأساس. وانطلاقاً من هذه الروح تم إحياء المهرجان الحادي عشر للشباب والطلبة، الذي شارك فيه شعبنا أيضاً.

في المجلس العام للاتحاد العالمي للشبيبة الديمقراطية، الذي التأم في جنوب أفريقيا البطلة بالذات في بدايات شهر أكتوبر/تشرين الأول من عام 1995، تقرر إحياء المهرجان الرابع عشر في هافانا، والذي تمتع بمشاركة أكثر من 12 ألف مندوب من 132 بلداً. كانت قد مرت في تلك اللحظة 37 سنة تقريباً على شروع بلدنا بخوض المعركة السياسية والأيديولوجية في وجه الإمبراطورية وحصارها الاقتصادي الهمجيّ.

حتى عقد الثمانينات لم تكن موجودة فقط جمهورية الصين الشعبية وجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية وفيتنام ولاوس وكمبوديا، التي كانت جميعها قد ذهبت ضحية حروب إبادة وجرائم ارتكبها اليانكيون، وإنما كان موجوداً كذلك المعسكر الاشتراكي الأوروبي واتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، وهي دولة عملاقة متعددة القوميات بلغت مساحة أراضيها 22 مليوناً و402 ألف و200 كيلومتر مربّع، وصاحبة موارد هائلة من الأراضي الزراعية والغابات والنفط والغاز والمعادن وغيرها. في وجه القوة الإمبريالية العظمى، التي تملك أكثر من 800 قاعدة عسكرية منتشرة في كل أنحاء المعمورة، كانت تشمخ القوة العظمى الاشتراكية.

تفكك الاتحاد السوفييتي، بغض النظر عن الأخطاء المرتكبة في لحظة أو أخرى من التاريخ، شكل ضربة قويّة للحركة التقدمية في العالم.

تحرك اليانكيون على وجه السرعة فوسّعوا من انتشار قواعدهم العسكرية واستخدام المنشآت التي أقامها الاتحاد السوفييتي لكي يحاصروا بشدة أكبر عبر آلتهم الحربية الفيدرالية الروسية، التي ما زالت تشكل قوة عظمى.

نزعة المغامرة عند الولايات المتحدة وحلفائها في حالف الناتو تزداد حدّة في أوروبا وآسيا. وقد شنوا حرب كوسوفو وفكّكوا صربيا.

على صعيد قارتنا، حتى ما قبل تفكك الاتحاد السوفييتي، غزوا في العام 1965 جمهورية الدومينيكان؛ وقصفوا وغزوا بقوات مرتزقة نيكاراغوا؛ وغزوا بقواتهم النظامية غرينادا وبنما وهايتي؛ ووقفوا وراء انقلابات عسكرية دموية في تشيلي والأرجنتين وأوروغواي، وقدموا دعمهم للقمع الدموي الذي مارسه ستروسنير في باراغواي.

أقاموا “مدرسة الأمريكتين”، حيث لم يدرّبوا فقط آلاف الضباط الأمريكيين اللاتينيين على التآمر وعلى القيام بالانقلابات، وإنما ربّوا كثيرين منهم على عقائد الكراهية وعلى أحدث ممارسات التعذيب، بينما قدّموا أنفسهم أمام العالم على أنهم حماة “حقوق الإنسان والديمقراطية”.

في العقد الأول من هذا القرن، يبدو أن القوة العظمى الإمبريالية قد خرجت عن مسارها نفسه.

أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 الدموية، التي أدت إلى تدمير البرجين التوأمين في نيويورك –وهو فعل مأساوي قضى فيه نحو ثلاثة آلاف شخص-، والهجوم لاحقاً على البنتاغون، جاءا كالبلسم للجرح بالنسبة للمغامِر المفتقِد للوجل، جورج دبليو بوش، لكي يوعز بشنّ ما تسمى الحرب على الإرهاب، التي تشكّل بكل بساطة تصعيداً خطيراً في السياسة الهمجية التي كانت الولايات المتحدة قد شرعت باتباعها في كوكبنا الأرضي.

التواطؤ المخزي لبلدان حلف الناتو في مثل هذه الحرب المنبوذة أصبح أمراً أكثر من ثابت. فقد أعلنت هذه المنظمة العسكرية للتو نيتها التدخل في أي بلد من العالم ترى أن مصالحها، أي مصالح الولايات المتحدة، فيه مهدّدة.

إن احتكار وسائل الإعلام واسعة الانتشار، الخاضعة لسيطرة الشركات الرأسمالية الكبرى العابرة للحدود، قد تم استخدامه من قبل الإمبريالية من أجل زرع الأكاذيب، وخلق الانعكاسات المشروطة وتطوير الغرائز الأنانية.

بينما كان الشبان والطلبة يتوجّهون إلى جنوب أفريقيا للكفاح من أجل عالم سلام وكرامة وعدالة، كان الطلاب الجامعيون وأساتذتهم في بريطانيا يخوضون معركة طاحنة في وجه الأجهزة القمعية الصارمة والمدججة بالسلاح التي كانت تقوم من على خيولها الهائجة بمهاجمتهم. قلية هي المرات، أو ربما لم يسبق أن حدث مرة في التاريخ مثل هذا الاستعراض “للديمقراطية” الرأسمالية. في ممارسة من الأحزاب النيوليبرالية الحاكمة لدورها كشرطي بيد الأوليغارشية، وخيانة منها لوعودها الانتخابية، وافقت هذه الأحزاب على إجراءات في البرلمان ترفع كلفة الدراسة الجامعية إلى 14 ألف دولار سنوياً. وأسوأ ما في الأمر هو الوقاحة التي أكد البرلمانيون النيوليبراليون بها بان “السوق سيحل المشكلة”. الحصول على الشهادات الجامعية هو حق من نصيب الأغنياء فقط.

قبل أيام قليلة، وفي معرض تعليقه على الأسرار التي كشف عنها موقع “ويكيليكس”، صرّح وزير الدفاع الأمريكي الحالي، روبيرت غيتس: “الواقع هو أن الحكومات تتعامل مع الولايات المتحدة لأن ذلك يهمّها، وليس لأننا نروق لها، ولا لأنها تثق بنا، ولا لأنها تظن أن بوسعنا حفظ الأسرار. بعض الحكومات يتعامل معنا لأنه يخشانا، وبعض آخر لأنه يحترمنا، والأغلبية لأنها تحتاجنا. ما زلنا بشكل أساسي، كما سبق وقيل من قبل، أمة لا غنى عنها”.

عددٌ ليس بقليل من الأشخاص الأذكياء والمطّلعين لديهم قناعة بأن الإمبراطورية اليانكية، كما كل الإمبراطوريات التي سبقتها، قد دخلت في مرحلتها النهائية وأن المؤشرات على ذلك لا تُدحَض.

يعرض مقال نشره موقع “TomDispatch”، وترجمه موقع “Rebelion” إلى الإنكليزية، أربع فرضيات للمسار المحتمل للأحداث في الولايات المتحدة؛ وفي جميع هذه الفرضيات تمثل الحرب العالمية كواحدة من الاحتمالات، مع أنه لا يستثني احتمال وجود مخرج آخر. ويضيف المقال بأن هذا البلد سيفقد في نهاية المطاف دوره المهيمِن في الصادرات التجارية العالمية، وسيفقد خلال أقل من 15 سنة دوره المهيمن في الاختراعات العالمية والوظيفة المتميّزة للدولار كعملة احتياط. ويذكر أنه في هذه السنة حققت الصين 12 بالمائة مقابل 11 بالمائة للولايات المتحدة من ناحية نمو الصادرات التجارية العالمية، ونوّه إلى عرض وزير الدفاع الصيني في شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي الكمبيوتر العملاق “Tianhe-1A”، الذي يبلغ من القوة ما جعل خبيراً أمريكياً يقول: “إنه يطيح بالآلة رقم 1” الموجودة في الولايات المتحدة.

من بين النشاطات الأولى التي قام بها أبناء وطننا الأعزاء عند وصولهم إلى جنوب أفريقيا، جاء تكريمهم للمقاتلين الأمميين الذين وهبوا حياتهم في النضال من أجل أفريقيا.

منذ 12 سنة تقوم بعثتنا الطبية في هايتي المجاورة بتقديم خدماتها للشعب الهايتي؛ وتواصل فعل ذلك اليوم بتعاون أطباء أمميين تخرجوا من “المدرسة الأمريكية اللاتينية للطب”. وهناك يناضلون أيضاً من أجل أفريقيا عبر مكافحتهم لداء الكوليرا، وهو مرض الفقر، في سبيل منع امتداده إلى هذه القارة، حيث يوجد الكثير من الفقر، على غرار حاله في أمريكا اللاتينية. بما اكتسبوه من خبرة، قلّص أطباؤنا بشكل ما فوق العادي نسبة الوفيات. وعلى مسافة قريبة جداً من جنوب أفريقيا، انتشر هذا الوباء في زمبابوي، في شهر أغسطس/آب 2008، “بشكل متفجر”، حسب تعبير صحيفة “هيرالد” الصادرة في هراري. آنذاك، اتهم الرئيس روبيرت موغابي حكومتي الولايات المتحدة وبريطانيا بإدخال هذا المرض.

كدليل على انعدام الوجل عند حكومة الولايات المتحدة، لا بد لنا أن نتذكّر بأن هذه الحكومة قد سلّمت أسلحة نووية لنظام الأبارتيد، وأوشك العنصريون على استخدامها ضد القوات الكوبية والأنغولية، التي أخذت تتقدم بعد انتصار كويتو كوانافالي باتجاه الجنوب، حيث اتخذت القوات الكوبية، توجساً منها لهذا الخطر، الإجراءات والتكتيكات المناسبة التي تضمن السيطرة الكاملة لسلاح طيرانها. لو أنهم حاولوا استخدام تلك الأسلحة، ما كان لهم أن يحققوا النصر. ولكن من المحق التساؤل: ما الذي أمكنه أن يحدث لو أن العنصريين الجنوب أفارقة استخدموا الأسلحة النووية ضد القوات الكوبية؟ ماذا ستكون عليه ردة الفعل العالمية؟ كيف كان سيٌمكن تبرير ذلك العمل الهمجي؟ وماذا ستكون عليه ردة فعل الاتحاد السوفييتي؟ إنها أسئلة من واجبنا أن نوجهها لأنفسنا.

عندما سلّم العنصريون الحكم لنيلسون مانديلا لم يقولوا له كلمة واحدة، ولم يفصحوا عمّا فعلوه بتلك الأسلحة. البحث في هذه الوقائع وإدانتها من شأنها أن تشكل خدمة كبيرة للعالم في هذه اللحظات. إنني أدعوكم، يا أبناء وطننا الأعزاء، إلى عرض هذا الموضوع خلال إحياء المهرجان العالمي للشباب والطلبة.

الوطن أو الموت!
سننتصر!”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons