هنري كوريل، مؤسس الحركه الديمقراطيه للتحرر الوطني، "حدتو" 1947

حول النشأة اليهودية للحركة الشيوعية المصرية

كتب : محمود أمين العالم*

في مدخل نشر جريدة “الأسبوع” لحديث الأستاذ هيكل في فضائية “الجزيرة” حول الحركة الشيوعية المصرية، يبادر السيد أحمد بديوي الذي أعد الحديث للنشر بالإشارة إلى كورييل اليهودي باعتباره مفتى اليسار ومؤسس الشيوعية في مصر، ومنشئ أول تجمع شيوعي بها وأنه عند قيام الثورة كان مؤسس الشيوعية ومفتى اليسار على صلات قوية مفتوحة على المخابرات الإسرائيلية. ثم لا يلبث الصحفي – المفروض أن يكون ناقلا لحديث الأستاذ هيكل – أن يتساءل قبل أن يبدأ الحديث بتقديم: هل يحق للشيوعيين الغضب من هيكل؟! ليغضبوا أو لا يغضبوا، لكن تعليقه على الأجواء التي ولدت فيها الحركة الشيوعية في مصر كان كاشفا وواضحا وفاضحا!!. ثم يبدأ في تقديم الحديث!!

ولو أن هذا السيد الصحفي ناقل الحديث قام بالتعبير عن رأيه وحكمه هذا في نهاية الحديث لكان حكما شخصيا جائرا أما أن يقوم بتقييم الحديث على هذا النحو الفاحش قبل قراءة القراء له، فهو توجيه وتقييم مسبق للحديث، وهو عمل على الأقل غير لائق صحفيا وأخلاقيا، على أنه يحمد للسيد بديوي نشره للحديث نشرا دقيقا على خلاف ما نشر في جرائد أخرى..

والحق والمؤسف معا، إنه قد فاتني الاستماع إلى حديث الأستاذ هيكل عن الحركة الشيوعية المصرية، ولهذا حرصت أن أقرأه منشورا في أكثر من جريدة توخيا للدقة..

على أن الذي فاجأني بل فجعني منذ البداية، أن الأستاذ هيكل يتحدث عن الحركة الشيوعية المصرية كأنما هي حركة نشأت في منتصف القرن العشرين، وإنها نشأت كلها في أوساط يهودية..

* تقييم معيب

ولنضع جانبا هذه النشأة المزعومة في أوساط يهودية، ونقف عند هذا التحديد القاطع الغريب للنشأة الأولى للحركة الشيوعية المصرية، فما أعتقد أن الأستاذ هيكل لا يعرف – وهناك العديد من المراجع في هذا – أن البدايات الأولى للحركة الشيوعية المصرية ترجع إلى أواخر القرن التاسع عشر! نعم أعرف أن الأستاذ هيكل في أحاديثه السابقة كان مركزا على المرحلة الوسطى من القرن العشرين، ولكن هذا لا يبرر أبدا – وهو رجل التأريخ المحقق المدقق – أن يتجاهل في تقييمه للحركة الشيوعية المصرية أكثر من نصف قرن على نشأة هذه الحركة بمستويات مختلفة وألا يكون ذلك تقييما معيبا تنقصه الموضوعية على الأقل! وخاصة عندما يكون حديثنا حول نشأة الحركة الشيوعية المصرية!؟ وما أكثر المراجع التي عرفها بغير شك هيكل في توثيق ذلك لعلي أكتفي بالإشارة على السفر الضخم المتعدد الأجزاء للأستاذ الدكتور رفعت السعيد “تاريخ الحركة الشيوعية المصرية” الذي يعرض جزؤه الأول لتاريخ هذه الحركة من عام 1900 إلى 1940وإلى جزئه الثالث، تاريخ الحركة الشيوعية المصرية من 1940 إلى 1950 وما أكثر المراجع الأخرى حسبي أن أكتفي بالإشارة إلى العددين الحادي والثاني عشر من سلسلة كتاب “قضايا فكرية” المعنون “سبعون عاما على الحركة الشيوعية المصرية” الصادر عام 1992، فهذا العدد زاخر بدراسات موثقة حول الأنشطة المختلفة الوطنية و الديمقراطية والثقافية والفكرية للحركة – الشيوعية المصرية في هذه المرحلة المبكرة لنشأة الحركة الشيوعية المصرية، وأخص بالذكر مقالة الدكتور رفعت السعيد الحركة الشيوعية المصرية عبر سبعين عاما ومقالة الأستاذ الدكتور عاصم الدسوقي المشروع الوطني والاجتماعي في برنامج الحزب الشيوعي المصري في العشرينيات ومقالة الباحث العظيم في تاريخ الطبقة العاملة المصرية الفقيد العزيز أمين عز الدين تجديد الفكر حول نشوء الحزب الاشتراكي المصري عام 1921 إلى غير ذلك من دراسات حول الحركة الشيوعية المصرية.. إبداعا فكريا ونشاطا عمليا وعلاقاتها العميقة بالعمال والفلاحين والمثقفين، فضلا عن النشاط الوطني عامة ضد الاحتلال البريطاني والسلطة الملكية والتخلف الاجتماعي عامة.

ومما هو جدير بالذكر فإن قيام الحركة الشيوعية المصرية عام 1921 كان تحت اسم الحزب الاشتراكي المصري ثم تحول إلى اسم الحزب الشيوعي المصري وإن لم تختلف فيه المواقف النظرية والأنشطة العملية، وبرزت فيه أسماء لأرفع مفكري ومثقفي مصر في هذه المرحلة مثل محمود عزمي وسلامة موسى وعلى العناني ومحمد عبد الله العناني والشيخ عبد اللطيف بخيت والشيخ صفوان أبو الفتح وعصام حفني ناصف ومحمود حسنى العرابي ونقولا حداد، وأحب أن أضيف اسم عامل بسيط مناضل من أعضاء هذا الحزب القديم هو شعبان عبد الحافظ الذي اعتقل في الستينيات ومات بين أيدينا في سجن المحاريق في الواحات الخارجة.

وأحرص على الإشارة ذات الدلالة إلى فقرة في برنامج الحزب الشيوعي المصري الصادر عام 1931 تدعو إلى النضال من أجل تحرير كل الشعوب العربية من القهر الاستعماري ومن أجل وحدة عربية شاملة تنتظم كل الشعوب العربية.

* موقف مستقل

ومن الأمور الجديرة بالذكر كذلك ذات الدلالة الوطنية أن الحزب الشيوعي المصري تم قبوله عضوا في الدولية الشيوعية التي كان يقودها الاتحاد السوفيتي، ونتيجة لهذا طولبت قيادة الحزب الشيوعي المصري بقطع علاقتها التحالفية التي كانت قائمة بمستوى أو بآخر آنذاك مع حزب الوفد، ولكن قيادة الحزب الشيوعي المصري رفضت ذلك، فتم فصل الحزب الشيوعي المصري من عضوية الدولية الشيوعية، على أنه من المؤسف أن تقوم حكومة الوفد بقيادة سعد زغلول بضغط من المحتل البريطاني بإلغاء مشروعية وجود الحزب الشيوعي المصري واعتقال بعض قادته ومن بينهم الشيخ صفوان أبو الفتح على أن الحزب الشيوعي المصري واصل وجوده ونشاطه سريا إلى ما يقرب من أواخر الثلاثينيات.. وكان يصدر آنذاك نشرة خاصة هي مجلة “الحساب” واكتفي هنا بالإشارة إلى موقف لهذا الحزب له دلالته في هذه المرحلة من انعدام مشروعيته، هو نقده الحاد لقبول لطفي السيد المشاركة في الاحتفال بإقامة جامعة عبرانية في فلسطين آنذاك.

الخلاصة المجتزأة لما أردت تأكيده هي أن الحزب الشيوعي المصري لم يتشكل في منتصف القرن العشرين بل بدأ نشاطه مبكرا منذ أواخر القرن التاسع عشر، ثم تشكل تنظيميا في بداية العشرينيات من القرن العشرين.

ونعود إلى حديث الأستاذ هيكل وأكتفي منه بمناقشة مقولته الرئيسية فيه وهى عدم صلاحية الشيوعيين المصريين للقيام بدور التحرير المصري، لماذا أيها الأستاذ الفاضل؟ فيكون الرد: بسب تبنيهم للتفسير المادي الجدلي للتاريخ، لأن هذا التفسير ينكر الدين الذي لا سبيل إلى إنكاره.

* شيوعي.. وحافظ القرآن

وهنا ليسمح لي الأستاذ الكبير أنه في تفسيره للمادية الجدلية ويضاف إليها منهجيا التاريخية، يكاد يفهمها باعتبارها مجرد فهم مادي للواقع، بل يكاد يفهم المادي فهما حرفيا باعتباره ما هو جامد لا يتحرك بذاته وخال من الذاتية والحيوية! وهذا فهم محدود وضيق للغاية للمادية، وخاصة إذا أضيف إليها صفة الجدلية التي تعنى التفاعل والتداخل والتصارع، فضلا عن التاريخية التي تعني الحركة والتغير المتصل، ولهذا مثلا يمكن بل يتم فعلا تطبيق المنهج المادي الجدلي التاريخي على النص الأدبي أو النص الفي التشكيلي، فجوهر القول بالمادية الجدلية هو رفض ودحض المادية الثابتة الجامدة، والحرص على ربطهما بما يشبه العلاقات التفاعلية ذات التأثيرات المتبادلة، فإذا أضفنا الصفة التاريخية، فإننا ننتقل بها إلى مرحلة أبعد وأعمق وأقرب إلى مفهوم التطوير والتغيير والتجديد والإبداع والتجاوز إلى غير ذلك، وما أعتقد أن هذه الرؤية تتناقض في شيء مع الدين حتى بالنسبة لثوابته المطلقة، ذلك لأن التعامل الإنساني مع هذه الثوابت لا يقف عند رؤية جامدة، بل ينمو ويتطور أو يختلف منهج أدائه باختلاف المكان والزمان والأحوال، بحسب هذا النص القصصي العظيم بحسب المنهج المادي الجدلي التاريخي، هذا هو اجتهادي الموضوعي بل والعملي.

هناك بالطبع من يستخدمون هذا المنهج المادي الجدلي التاريخي استخدما تنقصه الجدلية والتاريخية، وهو سقوط في الجمود لا في الفكر السياسي فقط بل في الفكر العلمي والاجتماعي والاقتصادي بل والديني كذلك.

وليسمح لي الأستاذ الفاضل أن أؤكد له أن كلماتي هذه ليست تبريرية، بل تعبر عن منهجية موضوعية، وخبرات عملية حية.

إن العديد من الأحزاب الشيوعية في العالم التي تتبنى منهج المادية الجدلية التاريخية مثل الحزب الشيوعي الإيطالي فضلا عن الكثير غيره من الأحزاب الشيوعية، تمتلئ عضويتهم بالمؤمنين المتدينين حقا وصدقا، بل يرون في شيوعيتهم تحقيقا للقيم الدينية العليا، وليسمح لي الأستاذ هيكل أن أحكى له حكاية عامل زراعي كان يضرب ضربا مبرحا في مأساة دخول الشيوعيين واستقبالهم في سجن أوردي ليمان أبو زعبل في الستينيات، كان يسأل أثناء عملية الضرب: أنت شيوعي يا ولد؟ وكان رده المتكرر رغم الألم الشديد: أيوة شيوعي والله شيوعي وحافظ القرآن. ولعل الأستاذ هيكل قد بلغه قيام الشيوعيين في سجن المحاريق في الواحات الخارجة ببناء مسجد جميل للغاية هناك بفضل مشاركة بعض الرفاق المهندسين والفنانين، وقام الرفاق بالصلاة فيه مع مشاركة حراسهم من جنود السجن، وكان إمامهم في الصلاة وخطيبهم الرفيق محمد عمارة، قبل أن يغادر السجن ويغادر توجهه الشيوعي ويصبح من أبرز الدعاة الدينيين اليوم، وعلى هذا فالمادية الجدلية التاريخية لا تدعو إلى رؤية أحادية جامدة أو إلحادية وليست مناقضة للفكر الديني في تفتحه العقلاني على الحياة والمصلحة الإنسانية في تجددها وتطورها.

بدون جيش أحمر!

إن الماركسية كمذهب اجتماعي فكري ليست ضد الدين وإنما ضد استخدام الدين استخداما سلطويا مصلحيا ضيقا، ولعل الحروب الصليبية في المسيحية، وسياسات بعض الدول الإسلامية قديما وحديثا، وخاصة أثناء الحكم الأموي، وضرب الكعبة بالمنجنيق وغير ذلك أن تكون من أبرز معالم استخدام الدين استخداما متناقضا مع قيمه الروحية وما أكثر الأمثلة وفي تقديري أن موقف السلطة السوفيتية من الكنيسة الروسية كان خطأ، وإن كان يفسر بالعلاقة الحميمة التي كانت قائمة بين هذه الكنسية والسلطة القيصرية.

وينقلنا الأستاذ هيكل إلى حجة أخرى في دحضه لقدرة الحركة الشيوعية المصرية، على تجاوز أي هامش فكرى أو ثقافي أو سياسي أو اجتماعي في المجتمع المصري، فهناك – كما يقول – شروط عينية موضوعية لانتشار الشيوعية وهي:

1- رأسمالية كبيرة

2- طبقة عاملة متسعة متوافرة فنحن كنا – كما يقول – ولا نزال بصدد مجتمعات ريفية مازالت تنمو – وفضلا عن هذا – كما يقول كذلك فلم يحدث في العالم كله أن قام الشيوعيون بدور أساسي في إنشاء نظام أو إنشاد دولة إلا وكان وراءهم الجيش الأحمر على أن مصدر هذه الاستحالة في تصور الأستاذ هيكل هي أن الحركة الشيوعية وقيامها ونشاطها يعنى مباشرة إقامة نظام شيوعي بالسمات المطلقة للنظام الشيوعي بحسب التعريف الراديكالي له! والحقيقة أن مهمة أي حزب شيوعي في أي بلد تختلف باختلاف الظروف والأحوال المحلية الوطنية والاجتماعية والعالمية..

ففي أمريكا الجنوبية تقوم اليوم دول وحكومات وأنظمة ذات توجه اشتراكي عام برغم أنها على مقربة من الوحش الإمبريالي الخطير المتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية وليس هناك جيش أحمر سوفيتي ينهض لمساعدتهم وما أكثر الأمثلة المختلفة في الخبرات السياسية والاجتماعية المعاصرة، بل هناك ما يسمى اليوم بالعولمة البديلة التي تحتشد بقوى وطنية وديمقراطية واجتماعية وتقدمية واشتراكية وشيوعية لمواجهة الهيمنة الأمريكية وإقامة عالم إنساني جديد تتنوع تجاربه وملابساته القومية الخاصة، ولكن تلتقي فيه وبه إمكانات تحقيق وحدة إنسانية تحترم الاختلافات والخصوصيات القومية، وتتعاون في مواجهة التحديات والعقبات التي تعوق التطور الإنساني بل تهدد الحضارة الإنسانية عامة.

ولهذا يبقى السؤال الحاسم الذي يسأله الأستاذ هيكل عن مدى قدرة التغيير الذي يسعى إليه الشيوعيون في مصر؟

لعل الكلمات السابقة لا تذهب إلى القول بإقامة نظام شيوعي سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي في مصر فورا، ولهذا فسؤال الأستاذ هيكل، منذ النشأة بالمريبين مثل كورييل إلى المخلصين مثل أبو سيف يوسف وإسماعيل صبري وفؤاد مرسى، والهلالي هل كان الشيوعيون يقدرون؟

والإجابة على سؤال الأستاذ هيكل إن قصرناه على المخلصين هي نعم بل قدروا هم ومئات غيرهم من المثقفين بل من مختلف الفئات الاجتماعية المصرية الأخرى. حقا لم يقدروا بعد على التغيير في بنية السلطة، ولكنهم استطاعوا أن يضيفوا الكثير إلى وجدان الأمة المصرية، فكريا وسياسيا وأدبيا وفنيا، ولكنهم لم يتمكنوا بعد من التغيير الهيكلي للبنية السلطوية والاجتماعية، بل لعل القضية المحتدمة في مصر هذه الأيام هي هذه القضية، التي أخذت تتعمق كذلك شعبيا و جماهيريا وحركيا وعندما كنت أسير في جنازة فقيدنا العزيز العظيم نبيل الهلالي وأسمع هتافات عميقة حارة حول كفاح الشعب المصري، وكفاح الطبقة العاملة المصرية، وكفاح الشيوعيين المصريين كنت أستشعر أنهم لم يموتوا بل يتجددون في نضال أجيال شابة واعية تواصل الطريق، أما السؤال عن المريبين من أمثال كورييل، ففي تقديري أن الأستاذ هيكل يبالغ في قيمته وتأثيره في تاريخ النضال المصري سلبا أو إيجابا، وأخشى أن تنعكس هذه المبالغة ظلما على رفاق مصريين يهود من خيرة الشيوعيين المصريين.

لعل الرفيق يوسف درويش الذي فقدناه منذ أيام أن يكون واحدا منهم، ولعلى أضيف إليه اسم شحاتة هارون وصادق سعد وغيرهما ممن تغيب أسماؤهم عن ذهني فضلا عن الأحياء من اليهود المصريين الشيوعيين الذين يمثلون قيما رفيعة، وطنيا وإنسانيا.

أما كورييل فأذكر أنه عندما تحقق في الخمسينيات حلم وحدة أغلب التنظيمات الشيوعية المصرية باستثناء تنظيمين تم انضمامها بعد أشهر قليلة، وتوحدت بهذا الحركة الشيوعية المصرية بكل تنظيماتها، ففي هذا الاجتماع الأول، كان أول قراراته الاجتماعية استبعاد كورييل من الحركة الشيوعية المصرية، وكان بالفعل قد انفصل عنها وغادر مصر إلى أن مات بعد ذلك ميتة مريبة في فرنسا، ولهذا من التعسف بل من الإساءة للحركة الشيوعية المصرية ذات الجذور الشعبية العميقة عمالا وفلاحين ومثقفين أن يتم تقليصها وتشويهها بنسبتها نشأة وتاريخا ومصيرا إلى اسم شخص أو نحلة دينية محددة خارج حدود نسيجها وتاريخها الوطني والشعبي والثقافي.

* لماذا.. الاستبعاد؟

تبقى قضية أخرى أحرص على توضيحها فقد جاءت مبهمة في حديث الأستاذ هيكل هي قضية العلاقة بين ثورة يوليو والحركة الشيوعية المصرية، ذلك أن انطباعي عن حديث الأستاذ هيكل في قراءتي له، إنه كانت هناك ثورة يوليو من ناحية والحركة الشيوعية المصرية من ناحية عندما قامت الثورة في عام 1952، والواقع أن هذه الثنائية في العلاقة بين الثورة والحركة غير دقيقة.

قد ينطبق هذا على العلاقة بين الثورة وتنظيمات شيوعية ما كان أكثرها في تلك المرحلة، والواقع أن الحركة الشيوعية المصرية، متمثلة في القيادة العسكرية للثورة، وفي العديد من بنيتها العسكرية نفسها خاصة، وقد تمثل هذا في تشكيل قيادتها في البداية ولكن سرعان ما نشب الخلاف بين قيادة الثورة والحركة الشيوعية ولعل أسلوب تحقيق الوحدة المصرية السورية ونقد الحركة الشيوعية المصرية لهذا الأسلوب فضلا عن استمرار القيود على ديمقراطية العمل السياسي كان وراء هذا الخلاف وتفاقمه.

على أنى مع احترامي وتقديري لما يمثله الأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل من قيمة كبيرة في تاريخنا المعاصر، مشاركا فيه مفكرا ومفسرا من داخله ومؤرخا ذا رؤية خاصة، نختلف أو نتفق معها، أجد نفسي في النهاية متسائلا: ما سر هذه المحاولة الفكرية – السياسية وراء هذا القطع الحاسم في حديث الأستاذ هيكل الذي يستبعد قدرة الحركة الشيوعية المصرية على المشاركة في التغيير الضروري المرتقب في حياتنا السياسية والاجتماعية في هذه المرحلة القلقة من حياتنا التي نتطلع فيها إلى التغيير الجذري الذي يتجاوز الأوضاع المتردية السائدة، هل هو رأى نابع من تحليل علمي وموضوعي؟! أم هو موقف – أكبر من أن يكون تعبيرا عن واقع موضوعي -موقف يدرك عوامل التغيير النشطة داخله، والتي تنذر أو تبشر بضرورته حسب رؤية هذا التغيير المتوقع، ولهذا يسعى الأستاذ هيكل بموقفه الغريب هذا من الحزب الشيوعي المصري، الذي يكاد يعبر عن إرادة استبعاده من التغيير المتوقع؟!

* شريك في 15 مايو(آيار)

إن الأستاذ هيكل مفكر عملي يحرص دائما على أن يشارك في التغيير إذا لاحت نذره أو بشائره، ما زلت أذكر مقاله بعد أسبوع من موت عبد الناصر بعنوان “عبد الناصر ليس أسطورة” الذي كان مدخلا للمشاركة في التغيير الذي تم على تناقض مع المرحلة الناصرية، حيث أصبح بعد رحيل عبد الناصر مستشارا للرئيس السادات وشاركه في إحداث التغييرات الشهيرة التي جرت في 15 مايو وظل مواكبا للمرحلة الساداتية لفترة ليست بالقصيرة. هل إدراكه بالتغيير المحتوم في الواقع المصري، وهذا الموقف الحاد الحاسم من الحزب الشيوعي المصري هو بعد من أبعاد التغيير الذي يتوقعه ويشارك في صياغته؟

هل موقفه الحاسم من الحدود القاصرة للحركة الشيوعية المصرية رغم فقدانها الكثير من الموضوعية، هي بعد من أبعاد موقف يشارك في صياغة التغيير المتوقع؟ هل هو خلاصة موضوعية علمية لقراءة الواقع المصري اليوم، أم هو موقف أيديولوجي مرتبط بالتغيير المستقبلي الذي يتطلع إليه ويشارك في تحقيقه ويكمن وراءه هذا الاستبعاد الحاسم للحزب الشيوعي المصري في التغيير المرتقب؟ مجرد تساؤل موضوعي، لا يقلل من التقدير العميق لكاتبنا الكبير الأستاذ محمد حسنين هيكل متمنيا له دوام الصحة والعافية والإبداع الفكري المتجدد.

على أني أجد نفسي في النهاية متسائلا عن سر هذا القطع الحاسم شبه المطلق في حديث الأستاذ هيكل في استبعاد الحركة الشيوعية المصرية من القدرة على المشاركة في التغيير الضروري المرتقب في حياتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية في هذه المرحلة القلقة والدقيقة بل والمأزومة من حياة شعب مصر، وحياة شعوب الأمة العربية التي نتطلع فيها إلى تغيير وتجديد وتجاوز للأوضاع المتردية السائدة في المنطقة العربية من هيمنة أمريكية وتصاعد وتوسع للعدوانية الصهيونية وتفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والديمقراطية والثقافية والسياسية عامة في المنطقة.

ما سر هذا الاستبعاد القاطع في حديث الأستاذ هيكل لإمكانية مشاركة هذه الحركة الشيوعية المصرية في معركة بناء المستقبل المصري والعربي في السنوات المقبلة مهما اتفقنا أو اختلفنا على عوامل ضعفها.. أو اختلفنا معها أيديولوجيا..

لم يبق لي في النهاية إلا التعبير عن تقديري العميق لكاتبنا ومفكرنا الكبير الأستاذ محمد حسنين هيكل متمنيا له دوام الصحة والعافية والمشاركة الإبداعية النشطة في حياتنا الفكرية.

* مفكر ماركسي مصري ذائع الصيت

نشرت بعنوان (هيكل والحركة الشيوعية المصرية: قراءة علمية أم موقف سياسي؟!)، في جريدة الأهالي المصرية، يوليو/تموز 2006

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons