يوسف الخال ونادين نسيب نجيم في مشهد من «تشيللو»

الاقتباس هرباً من الرقابة؟

كتب : سها مصطفى

في كواليس تحضير الموسم الرمضاني لعام 2017، تدور أحاديث عن دراما تبتسرها شركات الإنتاج بالنصوص المقتبسة هرباً من مقص الرقابة. الموضة التي بدأت مع مسلسل «لعبة الموت» المقتبس عن فيلم Sleeping with the enemy، ولاحقاً مسلسل «لو» عن فيلم Unfaithful، تمضي جيداً في عالم عربي لا تزال بوصلة شركات الإنتاج فيه غير واضحة المعالم لجهة الخريطة الرمضانية وإحداثياتها، ومن يحدد هذه الإحداثيات.

فالمعروف أنّ شركات الإنتاج تخضع لمقص الرقيب في حال تناولها نصوصاً محلية، لكن الاقتباس عن نص أجنبي لفيلم أو مسلسل ما، يعفي الجميع من المسؤولية في حال طرح قضايا إشكالية كالمساكنة، والخيانة والجنس والجريمة، وغيرها من القضايا الساخنة التي عكفت الدراما اللبنانية والسورية، على تناولها بشكل مكثف عقب اندلاع ما يسمى بـ «الربيع العربي». نتيجة لذلك؛ إن اتصلت اليوم بأي منتج واستفسرت عن نوعية النصوص المطلوبة في «بيزنس» الدراما الرمضانية، سيكون الرد غالباً بأنّ «بوصلة الأعمال الدرامية تغيرت»، وبأن الموضة اليوم هي الاقتباس! والسؤال الأول الذي سيطرحه عليك المنتج: هل لديك نص مقتبس؟!

إن كان الجواب نعم، ستقرأ شركات الإنتاج النصّ. وإن كان لا، فالمنتج سينهي الاتصال سريعاً. التحولات الأخيرة تجري في سياق الحريات الإعلامية والدرامية التي باتت في مأزق حقيقي. المفارقة أن موضة الاقتباس هي حالة هروب إلى الأمام من العقل العربي الذي يتحايل على الممنوعات الرقابية، التي تبدو بدورها ملتبسة. إذ شهدنا في المسلسل الخليجي «سيلفي» (تأليف خلف الحربي، ناصر العزاز، إخراج أوس الشرقي) جرأة درامية بتناول مواضيع شتى كالكحول والتطرف والرقابة. لكن في المقابل، نرى أنّه في نصوص درامية أخرى، بدت المحاذير أكبر من الاقتراب منها محلياً. لذلك، تم التعاطي معها من مدخل الاختباء خلف نص مقتبس عن قصة أجنبية، أو التصوير خارج العالم العربي ضمن حكايات تجري خارج الخطوط الحمر للرقيب العربي في لندن مثلاً كما في مسلسل «يا ريت» (ﺇﺧﺮاﺝ: فيليب أسمر، ﺗﺄﻟﻴﻒ كلوديا مرشليان ـ 2016). بدوره، يمثّل مسلسل «ونوس» (تأليف عبد الرحيم كمال ـ إخراج شادي الفخراني ـ 2016) نموذجاً أمثل للطرح الدرامي العربي الراهن، عبر نص يجعل من شخصية تمثل الشيطان «مجازياً»، ولكن حكماً اقتباسها الشكسبيري كان شفيعها من مقص الرقابة العربية. الاقتباس يعفي النص وكاتبه من أدنى مسؤولية أو شبهة رقابية، مما يطرح السؤال: أين النصّ المحلي الذي يقدم الطرح الأخير من دون أي اقتباس ومن دون أن يخضع للرقيب ولمقص الرقابة العربية؟

الحالة الأخيرة تمت على شكل طفرات درامية كما في المسلسل المصري «العهد» (تأليف محمد أمين راضي، إخراج خالد مرعي ـ 2015) الذي لم يوف حقه نقدياً. في المقابل بات الثابت في الدراما العربية خلال السنوات الأخيرة هو الاقتباس الذي يشكل مأزقاً ومخرجاً في آن؛ فمعظم الأعمال المقتبسة تسير على توطين النص وجعله محلياً، إلى درجة أن التشابه بين النص المحلي والنص المقتبس عنه، يكاد يكون فقط في الخط العام للأحداث، مما يسمح للكاتب بهامش واسع لطرح ومناقشة مواضيع وقضايا راهنة تحت يافطة الاقتباس. هذا ما رأيناه في «تشيللو» (تأليف سامر البرقاوي ونجيب نصير، إخراج سامر البرقاوي، 2015) الذي تناول بضربات درامية خفيفة موضوع الزواج المدني، من دون أن يثير حفيظة الجمهور العربي ورقيبه؛ في وقت ثارت فيه وسيلة إعلام لبنانية على المسلسل السوري «غداً نلتقي» (تأليف إياد أبو الشامات، إخراج رامي حنا، 2015) «المقتبس عن الواقع» في معالجته لموضوع العنصرية (المعلنة) تجاه السوريين! بذلك تضحي الرقابة العربية نسخة عن العقل العربي؛ الذي يستقبل ويشتري كل ما هو مستورد ويرتاب بكل ما هو محلي الصنع وفقاً لرواسبه الموروثة، بخاصة إن كان منجزاً إبداعياً يتمرد على هذه الرواسب!

المصدر : الأخبار اللبنانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons