أصبحنا مدينين لخمسين او لستين سنة أو أكثر وهذا يعني أنه تم دفعنا إلى تقييد شعوبنا على مدى خمسين عاما وأكثر - "توماس سانكارا"

لا لسياسات الإفقار والتبعية

كتب : كريبسو ديالو

قبل كتابة هذا المقال تذكرت كلام العظيم “سانكارا” عندما حذرنا من القروض والمنح التي يقدمها البنك الدولي لدول العالم الثالث والتي تعتبر أداة لتحقيق تبعية وافقار هذه الدول من خلال التزامها بما يترتب على هذه القروض من شروط تكرس تبعية هذه الدول تجاه البنك.

إن تزايد اعتماد الدول النامية ودول العالم الثالث على التمويل الخارجي واللجوء إلى البنك الدولي من أجل الحصول على المنح والقروض لتمويل مشاريعها وموازنتها أدت إلى تفاقم حجم الديون الخارجية التي خلقت العديد من التغيرات التي قيدت هذه الدول بشروط وقيود اقتصادية معينة تخدم سياسة وأهداف البنك الدولي في تعزيز تبعية هذه الدول ونظامها المالي للخارج، والتي عرضت حرية صانع السياسة الاقتصادية ومتخذ القرارات الهامة بهذه الدول للخطر الشديد، بحيث أصبح يتعين عليه مراعاة الضغوط والمصالح الخاصة بالجهة المانحة والأخذ بعين الاعتبار العمل على تحقيق مصالحها وأهدافها عند تصميم السياسة الاقتصادية لدولته، مما أدى في النهاية إلى التحول عن الطريق الإنمائي الذي كانت تختاره الدولة بوعي واستقلالية والسير في طريق أخر حدده البنك الدولي كشرط من شروط الحصول على هذه المنح والمساعدات، والذي في أغلب الأحيان لا يؤدي الأهداف المنشودة من التمويل والتي تم الاعتماد على المنح والقروض المقدمة من البنك الدولي من أجل تحقيقها لهذه الدول.

ترجع هذه التبعية سواء كانت سببا أو نتيجة للمديونية الخارجية إلى حاجة دول العالم الثالث إلى مصادر لتمويل خططها الإنمائية، فالحاجة إلى رؤوس الأموال دفعت بهذه الدول ذات الموارد المالية المحدودة إلى الاقتراض من البنك الدولي والاعتماد على المنح والقروض الخارجية مما جعلها تعاني من التبعية المالية للبنك الدولي والذي نتج عنه اندماج مؤسساتها المالية في النظام الرأسمالي الدولي مما جعل النظام المالي لهذه الدول مرهون بالتغيرات والتقلبات التي تطرأ على النظام المالي العالمي.

وانعكست السياسة التي يتبعها البنك الدولي في تعميق تبعية اقتصاد دول العالم الثالث للدول المتقدمة على النقل الأفقي للتكنولوجيا، أي استيرادها من الدول المتقدمة بدل العمل على تنميتها وطنيا أو قوميا أو إقليميا وقد اختار معظم دول العالم الثالث اكتساب هذه التكنولوجيا عن طريق استيرادها جاهزة باعتقاد أن ذلك سيمكنها من اقتصاد الوقت والنفقـات، لكن المشكلة تكمن في كون هذه التقنية لا تتلاءم مع الطبيعة الإنتاجية للدول النامية مما عمق من تبعيتها للدول المنتجة لهذه التكنولوجيا.

كما يتعرض اقتصاد بلدان العالم الثالث لمؤامرة مالية دولية بعد أن تم توريطها في مديونية مفرطة والذي يتمثل في احتلال المستثمرين الأجانب للأصول الإنتاجية الإستراتيجية التي بنتها هذه الدول عبر جهودها الإنمائية المضنية خلال عقود من الزمن على نحو يعيد لها السيطرة الأجنبية، فبعد وصول أزمة الديون إلى مستوى حرج وبعد التعثر في سداد خدمتها، ظهر اتجاه بين صفوف الدائنين يدعو إلى مبادلة الدين الخارجي ببعض الأصول الإنتاجية في هذه الدول أي مقايضة الديون بحقوق ملكية في المشاريع التي تملكها الدولة في هذه البلدان، وقد لقى هذا الطرح صدى واسعا في نفوس الدائنين لأنه يحسن من محافظهم المالية ويحول الديون المشكوك في تحصيلها إلى أصول إنتاجية ذات عوائد مستمرة وهنا يتحول الدائنون إلى مستثمرين وهو ما يؤدي إلى إخضاع السياسات الاقتصادية والاجتماعية في البلدان المدينة إلى مزيد من الرقابة والتبعية الخارجية.

لم تقتصر المنح والقروض التي تحصل عليها الدول النامية ودول العالم الثالث إلى تعميق تبعيتها المالية والاقتصادية إلى البنك الدولي بل تعداه إلى تحقيق تبعية النظام السياسي بهذه الدول إلى الدول المانحة والبنك الدولي فالقروض لبست فقط مشروطة بشروط مالية اقتصادية، بل أيضا تكون مرهونة بمواقف سياسية يجب على الدول التي ترغب بالحصول على المنح والقروض تبنيها من أجل حصولها على هذه الأموال ويكمن ذلك في تبني وتأييد هذه الدول لسياسة الدول المانحة والقيام بتبني نظامها السياسي وتطبيق النظام المالي المتبع بهذه الدول بغض النظر عن ماهية هذا النظام وفي كثير من الأحيان لا تتلاءم الأنظمة المالية المتبعة في الدول الغربية مع طبيعة وتكوين النظام الاجتماعي في بلدان العالم الثالث، كما أنها تعرض حرية صانع القرار السياسي إلى مزيد الضغوطات والتدخل الأجنبي في ظل عالم يتميز بهيمنة الدول المتقدمة ومؤسساتها المالية الدولية التي تحاول فرض سيطرتها على الدول النامية ودول العالم الثالث من خلال سياستها المالية وهيمنتها على المؤسسات المالية الدولية والتي تهدف إلى تحقيق أهدافها من خلال استخدام المنح والقروض كأداة ضغط على دول العالم الثالث لتحقيق أهدافها وأطماعها عن طريق فرض تبعية هذه الدول لسياستها من أجل تحقيق أهدافها ومصالحها في المنطقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons